بلى ... إنها حرب من أجل النفط، اولاً!
داود تلحمي
نشرت بعض الصحف العربية يوم الاحد 26/1 المنصرم ترجمة لمقالة نشرت في صحيفة " لوس انجلس تايمز" الاميركية، بقلم توماس ليبمان، الذي تم تعريفه بأنه الاستاذ المساعد في معهد الشرق الاوسط بواشنطن. وحملت المقالة عنوان: " ليست حرباً من اجل النفط". وهو عنوان يلخص بشكل وافٍ مضمون المقالة.
وقبل ذلك بأيام، نشرت صحيفة " انترناشنال هيرالد تربيون" الاميركية المملوكة لصحيفة " نيويورك تايمز" رسما كاريكاتيرياً يظهر فيه الرئيس الاميركي جورج بوش فوق دبابة مدججة بالصواريخ والمدافع وعلى الارض مقابل الدبابة يظهر زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ ايل وهو يصرخ بوجه بوش: " لدينا اسلحة دمار شامل، ونريد نفطاً"، فيجيب بوش عليه: " لو كانت الامور معكوسة لكان الامر يثير اهتمامنا"!!
وواضح من خلال هذا الرسم المعبِِّر، وبغض النظر عن الوظيفة التبسيطية للرسم الكاريكاتيري، أن الفرق الاساسي بين كوريا الشمالية والعراق من وجهة نظر واشنطن يتمثل في وجود النفط في العراق... دون ان نهمل اسباباً اخرى للتعامل الاميركي المختلف مع كوريا الشمالية، من بينها موقف المحيط الاقليمي من أي تدخل عسكري اميركي.
على اية حال، وبمعزل عن هذا النموذج الجديد من ازدواجية المعايير لدى الادارات الاميركية، فإن كل المعطيات (المنشورة في الولايات المتحدة نفسها) تؤكد ان مسألة النفط هي مسألة مركزية في التعاطي الاميركي مع العراق اولاً، ومع مجمل منطقة الخليج والمنطقة العربية بشكل عام.
وقد كتب الكثير عن هذا الموضوع، ولكننا سننطلق من وثيقتين اميركيتين صدرتا في الشهر العاشر (اكتوبر/ تشرين الاول) من العام المنقضي 2002، أي قبل فترة وجيزة، عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، وكلا الوثيقتين من إعداد انتوني كوردزمان، المقرب من الادارة الاميركية الحالية. الوثيقة/ الدراسة الاولى تحمل عنوان "الولايات المتحدة والشرق الاوسط: الاعتماد على النفط والعامل الديمغرافي"، والثانية تحمل عنوان "الاستراتيجية الاميركية في الشرق الاوسط: الهوة بين النظرية الاستراتيجية والواقع العملاني operational".
تقول الوثيقتان ان محاولات الولايات المتحدة خلال العقود الثلاثة الماضية (أي منذ الازمة النفطية ورفع الاسعار في العامين 1973- 1974) لايجاد مصادر طاقة بديلة وتنميتها على حساب دور النفط والغاز الطبيعي في توليد الطاقة، هذه المحاولات لم تنجح، وبقي الاعتماد الاساسي على النفط. لا بل ازداد هذا الاعتماد بشكل مثير خلال هذه الفترة، وباتت الولايات المتحدة تستورد زهاء 55 بالمئة من استهلاكها النفطي من بلدان اخرى. والأهم من ذلك، ان منحى الامور خلال الاعوام العشرين القادمة لا يشير الى تراجع او ثبات في استهلاك النفط او استيراده، بل العكس تماماً. حيث من المتوقع ان ترتفع واردات النفط الاميركية من 9،2 مليون برميل يومياً عام 2002 الى 26 مليون برميل عام 2020، أي قرابة الثلاثة اضعاف، بحيث تتطور نسبة الاستيراد النفطي الاميركي من 55% من مجمل الاستهلاك الى اكثر من 70 بالمئة. وإذا كانت واردات الولايات المتحدة النفطية في الاعوام الاخيرة قد أتت في معظمها من القارة الاميركية (وخاصة من اميركا الجنوبية 19%، والمكسيك 15%، وكندا 14%) ومن دول افريقية، فإن الاستيراد الاميركي من النفط الخليجي بلغ زهاء ال 30% في العام 2001.
وهذه النسبة لنفط الخليج مرشحة لزيادة كبيرة... والارقام تتكلم بوضوح شديد. فالاحتياطي المكتشف من النفط في الولايات المتحدة لا تتجاوز نسبته حالياً 9،2% من مجمل الاحتياطي المكتشف في العالم. وروسيا، التي أعادت رفع انتاجها النفطي بشكل ملحوظ في السنوات الاخيرة، لا تتجاوز نسبة الاحتياطي المكتشف في اراضيها ال 6،4% من الاحتياطي العالمي. وحتى منطقة بحر قزوين وآسيا الوسطى، التي كان الاميركيون يسعون، وما زالوا، للسيطرة عليها، وخاضوا حربهم على افغانستان، جزئياً، لتسهيل هذه السيطرة وتنفيذ مخططاتهم لمد انابيب النقل عبر الاراضي التي تقع تحت هيمنتهم او سيطرة حلفائهم، منطقة بحر قزوين هذه لا يتجاوز الاحتياطي المكتشف فيها نسبة ال 3،2% من الاحتياطي العالمي.
وعلاوة على كل ذلك، فان اميركا اللاتينية التي تستورد منها الولايات المتحدة اكثر من ثلث وارداتها النفطية ليست منطقة مستقرة ومضمونة كما كانت واشنطن تتصور وتعمل من أجل بقائها كذلك. حيث ان العداء للولايات المتحدة وسياساتها الكونية بلغ مؤخراً في اميركا اللاتينية حداً كبيراً جعلها تتجاوز، وفق احد الاستطلاعات الاخيرة، في نسبة السكان ذوي المواقف السلبية تجاه سياسات الولايات المتحدة، النسبة التي اظهرها الاستطلاع المذكور عن المنطقة العربية- الاسلامية.
وفي الجانب الآخر، فان الأرقام النفطية في المنطقة العربية والخليجية تتكلم بوضوح شديد. فالاحتياطي المكتشف في منطقة الخليج تبلغ نسبته 65 بالمئة من الاحتياطي العالمي. والسعودية وحدها تحتوي ارضها على 25 بالمئة تقريباً من الاحتياطي العالمي. ويأتي العراق في المرتبة العالمية الثانية مع نسبة 11- 12 بالمئة. والتقديرات تقول بأن الاحتياطي العراقي سيرتفع كثيراً اذا ما جرت عمليات استكشاف لاراضيه الواسعة التي لم تصلها عمليات الشركات النفطية حتى الآن. والأهم ان كلفة استخراج النفط في البلدان الخليجية (بما فيها العراق) تبلغ 20- 30% من الكلفة في روسيا ودول منطقة قزوين. أي ان كلفة استخراج النفط في منطقتنا تجعل أرباح شركات التسويق ( وبعض اهمها شركات أميركية) أعلى منها في دول العالم الاخرى. وهو أمر يسيل له لعاب الشركات النفطية الاميركية التي ارتبط بها وعمل معها في السابق عدد كبير من رموز الادارة الاميركية الحالية ... من الرئيس بوش نفسه (ووالده طبعا، الرئيس الاسبق جورج بوش الاب) الى نائب الرئيس ريتشارد تشيني، ومستشارة الامن القومي كونداليزا رايس، ووزير الدفاع دونالد رمسفيلد والعديد من كبار موظفي وزارته.
*****
ونعود الى الوثيقتين الاميركيتين المشار اليهما آنفاً، حيث تصلان الى نتيجة مفادها ان زيادة الاستهلاك العالمي للنفط خلال الاعوام العشرين القادمة بشكل متسارع مع تنامي استهلاك واستيراد النفط من قبل دول ومناطق عديدة، وخاصة آسيا الشرقية، وفي المقدمة الصين، هذه الزيادة المتوقعة لن تجد امكانية تلبية إلا من دول منطقة الخليج، بدرجة رئيسية. حيث يفترض، وفق التقريرين، ان يرتفع انتاج الشرق الاوسط من النفط من 29 مليون برميل يومياً في العام 2002 الى 51 مليون برميل عام 2020 (أي بزيادة تفوق 75%)، منها 43 مليون برميل من منطقة الخليج (حالياً الانتاج بحدود 24 مليون برميل، أي بزيادة 80%). والصادرات الخليجية يفترض ان تزيد من 8،14 مليون برميل الى 33،5 مليون، بزيادة قدرها 126 بالمئة. والصين وحدها ستحتاج الى 2،7 مليون برميل من الواردات النفطية، معظمها من الخليج، مما يفسر احد الاهداف الاخرى للهيمنة الاميركية على نفط الخليج، وهو هدف التحكم بمصادر الطاقة لتلك الدول والتجمعات المرشحة لمنافسة الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة خلال القرن الحادي والعشرين، وهي تشمل، الى جانب الصين، الاتحاد الاوروبي واليابان، وكلها تستورد كميات كبيرة من النفط الخليجي.
ويقول التقريران الاميركيان ان الاعتماد على النفط الخليجي سيبقى قائما لعقود طويلة، وهو ما يجعل هذه المنطقة بالغة الاهمية على صعيد هذه المادة الاولية الاساسية، مما يجعل ارواح الجنود الاميركيين وحلفائهم (وقبل كل شيء أرواح سكان المنطقة) رخيصة، في نظر الادارة الاميركية، مقابل المكاسب الاقتصادية والاستراتيجية التي ستتحقق من خلال التمكن من السيطرة على الخليج عبر الحرب على العراق وما يمكن ان ينتج عنها من احتمالات محاصرة ايران وزيادة الضغوط على السعودية والدول العربية النفطية الاخرى، وتثبيت الوجود العسكري الاميركي في الدول الخليجية الصغيرة الاخرى.
طبعا، هناك حسابات اخرى للادارة الاميركية في حربها المتوقعة ضد العراق، من بينها إضعاف القوى المناهضة لاسرائيل في المنطقة، وأولاً حركة التحرر الفلسطينية، على أمل تسهيل تمرير " ترتيبات" اميركية- اسرائيلية للصراع الفلسطيني (والعربي) مع اسرائيل، وهي ترتيبات لن تكون طبعاً لصالح الفلسطينيين والعرب الآخرين المحتلة اراضيهم. ولكن النفط يبقى في مركز الاهتمام الاميركي في التعاطي مع المسألة العراقية، مهما صدر من نفي وتحليلات هشة، كذلك الذي اورده "الباحث" الاميركي المشار اليه اعلاه.
ومن مفارقات التاريخ ان الاطماع الاستعمارية في العراق قبل اكثر من ثمانين عاماً جعلت بريطانيا تسعى بعد الحرب العالمية الاولى الى تأمين سيطرتها الانتدابية على هذا البلد، الواعد بثروته النفطية المكتشفة حديثاً، آنذاك. وقد دار بين العامين 1918 و 1928 صراع سياسي ودبلوماسي مرير بين بريطانيا "العظمى"، آنذاك، والولايات المتحدة حول تأمين حصة للشركات النفطية الاميركية، وهو ما تم الاتفاق عليه في العام 1928، حين منحت الشركات الاميركية من قبل بريطانيا ربع حصة في المشروع النفطي العراقي. اما الآن، فان بريطانيا، التي لم تعد عظمى، يجرجر زعيمها نفسه وراء الحليف الاميركي الكبير من أجل الحفاظ على حصة بريطانية صغيرة في الكعكة الاميركية الكبيرة... بالرغم من موقف سلبي واسع تجاه هذه الحرب الاستعمارية الجديدة لدى قطاع واسع من الجمهور في بريطانيا وداخل الحزب الحاكم نفسه فيها.
واخيراً، يبقى ان نؤكد أن هذه العملية الاستعمارية الجديدة التي تقودها واشنطن وتستعد لها بكل امكانياتها العسكرية الهائلة، مستهترة بالرأي العام العالمي وحتى بتقارير المفتشين الدوليين، بالامكان مواجهتها وإفشالها، وان لم يكن بالضرورة في الأمد المباشر. ورغم الأسى الذي يثيره تفكك الوضع العربي وعدم قدرة الدول العربية على اتخاذ موقف جاد وحازم ضد هذه الحرب الاستعمارية، إن لم نقل تواطؤ وانجراف بعض هذه الدول، فان الاعتماد على طاقة الشعوب الخلاقة في مواجهة المعتدين وفي الدفاع عن مصالحها وكرامتها ومستقبلها هو المفتاح والمدخل للتعاطي مع هذا العدوان الكبير وعواقبه، في العراق كما في فلسطين ولبنان وعموم المنطقة. وعلى أرضية هذه المواجهة الشعبية، يمكن ان تبنى جبهة عالمية واسعة لمحاصرة العدوانية الاستعمارية الاميركية المنفلتة من عقالها، وإعادة الاعتبار لوزن وحقوق شعوب العالم في زمن استفراد دولة واحدة بالقوة الكونية ومحاولاتها التحكم بمصيره.
رام الله – فلسطين
شباط/ فبراير 2003