منزلق لقائي شرم الشيخ والعقبة:
تبني المفهوم الإسرائيلي لـ"خارطة الطريق"
نايف حواتمة
جاءت نتائج قمتي شرم الشيخ والعقبة لتشكل بداية تدهور خطير نحو مسار مدمر يحاول فرض المفهوم الإسرائيلي ل"خارطة الطريق" بما يفرغها من مضمونها ويحولها إلى إملاءات، أمنية في جوهرها، مفروضة على الجانب الفلسطيني، في حين تنصل الجانب الإسرائيلي بشكل كامل من الاستحقاقات المترتبة عليه، حسب ما ورد في "خارطة الطريق".
وأخطر ما في الموضوع هو ما ورد على لسان الرئيس الأمريكي جورج بوش من التزام بأمن إسرائيل ك"دولة يهودية"، بما يمثله هذا من أخذ بالشرط الإسرائيلي الأكثر غلواً على "خارطة الطريق"، ألا وهو شطب حق العودة مقدماً كشرط للقبول بما ورد في الخارطة. وخطورة هذا الطرح (ضمان طابع "يهودية إسرائيل") يصل إلى درجة يعرض فيها للخطر حق مليون ونصف المليون فلسطيني في المثلث والجليل والنقب في الحياة على أرضهم وأرض أجدادهم.
وفي حين جاءت وعود الجانب الأمريكي للفلسطينيين مجرد كلمات جوفاء، غاب أي نوع من الضغوط على الجانب الإسرائيلي بغية إلزامه بما هو مطلوب منه في "منطوق خطة الطريق": ومنها "الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في دولة مستقلة ذات سيادة "، و"الوقف الكامل لنشاطات الاستيطان".
وجاء خطاب شارون منسجماً مع صيغة الموافقة التي صدرت عن مجلس الوزراء الإسرائيلي في 25/5/2003. ولم يجف حبر الكلمات التي ألقيت في قمتي شرم الشيخ والعقبة حتى سارعت "إسرائيل" إلى معاودة مسلسل التصفيات بحق كوادر المقاومة الفلسطينية، وهو ما يؤكد على ما حذرنا منه سابقاً، حيث أن صيغة الموافقة الإسرائيلية المرفقة بالتحفظات والتعديلات تدفع نحو تحويل الخارطة الى مجرد خطة أمنية لاغتيال الانتفاضة والمقاومة تحت عنوان "الإرهاب"، وفبركة قيادة فلسطينية أخرى بالتناقض مع قيادات فصائل الانتفاضة والمقاومة، بتواطؤ ورعاية من الإدارة الأمريكية، الراعي الأول لخارطة الطريق.
وبدا واضحاً منذ البداية في قمتي شرم الشيخ والعقبة بأن الأمريكيين يضغطون من أجل القفز نحو طلبات المرحلة الثالثة وقبل حل أركان الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي الواردة في المرحلة النهائية (القدس، الحدود، اللاجئين، الاستيطان، المياه … )، ودلالة ذلك العمل على شطب حق العودة بشكل مسبق والضغط على الدول العربية للاعتراف المباشر والمسبق "بإسرائيل" وتطبيع العلاقات معها قبل انسحاب "إسرائيل" من الأراضي العربية المحتلة.
وجاء خطاب الأخ أبو مازن ليمثل انحناء غير مبرر وغير مفهوم للابتزاز الأمريكي - الإسرائيلي، حيث غاب عن خطابه في قمة العقبة مبدأ التمسك بتوازي الالتزامات بين الجانبين ورفض تقديم "الأمني على السياسي" وتم إغفال الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، وفي المقدمة منها الدولة المستقلة كاملة السيادة، قضايا اللاجئين، الحدود، الاستيطان، الأسرى، القدس، المعاناة اليومية لشعبنا الفلسطيني جراء ممارسات واعتداءات قوات الاحتلال وقطعان مستوطنيه اليومية، وحق شعبنا في المقاومة المشروعة لمواجهة وصد هذا الاحتلال.
وبدلاً من كل هذا، جاءت هذه الكلمة لتحفل بسيل من التعهدات التي تتجاوز حتى ما تطلبه "خارطة الطريق" نفسها على ما فيها من إجحاف. وهو ما يتطلب وقفة سريعة وحازمة من قبل القيادة الفلسطينية لمواجهة هذا التطور، بما يمثله من خطر على مصير القضية الوطنية، وعودة إلى سياسة تقديم التنازلات المجانية إلى الجانب الإسرائيلي. وهذا يتطلب، أولاً، التمسك الحازم برفض التعديلات الإسرائيلية. ومؤشر الخطر يتضاعف بتأكيد أبو مازن في اجتماع اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير (7/6/203) برئاسة عرفات " أن خطابه تمّ بموافقة عرفات عليه"، وأعاد أبو مازن ليؤكد هذا علناً في مؤتمره الصحفي في رام الله صباح 9/6/2003.
إن صيغة الموافقة التي جاء بها بيان الحكومة الإسرائيلية (25/5/2003) صيغة مخادعة. فالإسرائيليون لم يوافقوا صراحة على الخارطة، بل صادقوا على بيان رئيس الوزراء شارون، الذي أعلنه في 23/5/2003، القاضي بأن إسرائيل توافق على قبول "الخطوات المحددة في خريطة الطريق" استناداً إلى بيان الإدارة الأمريكية (الصادر بنفس التاريخ) الذي تتعهد فيه الولايات المتحدة الأمريكية بمعالجة ملاحظات "إسرائيل" على "خارطة الطريق" بجدية عند تطبيق الخريطة". وأصبح معلوماً لدى الجميع بأن الملاحظات الإسرائيلية بجوهرها تفكك الأسس التي قامت عليها "خارطة الطريق" وتدفعها إلى الهلاك في مجرى التنفيذ والتطبيق.
وأبرز هذه الملاحظات "التعديلات" هي: أن يمنع الطرف الفلسطيني العمليات الفدائية ويحبطها، ليس فقط "ضد المدنيين" بل بالكامل، بما في ذلك داخل الأرض المحتلة عام 1967... وحل البنية التحتية للمقاومة، بدون فرض قيود على نشاطات الجيش الإسرائيلي... والتقدم في تنفيذها يكون وفقاً لأداء الطرفين، وليس وفقاً لجداول زمنية محددة... والرقابة على تنفيذ الخطة هي بيد الإدارة الأمريكية وليس اللجنة الرباعية الدولية... والدولة الفلسطينية بحدود "مؤقتة" و "منزوعة السلاح"... والإعلان من قبل الطرف الفلسطيني أن "إسرائيل" دولة يهودية، بمعنى أو بآخر التنازل عن حق العودة، ورمي العرب داخل "الخط الأخضر" نحو المجهول... الخطة تقوم على أساس قراري مجلس الأمن 242، 338، ولا مكان للمبادرة السعودية... جيش الاحتلال يعيد انتشاره وفقاً لتقديراته "الأمنية"...
وإذا ما ربط ذلك بكون "خارطة الطريق" غير متوازنة أصلاً، حيث أنها تقدم الأمني على السياسي، وتجعل تطبيق الالتزامات بالتوالي لا بالتوازي، ندرك أهداف الخطوة الإسرائيلية. فإسرائيل تريد من خلال اشتراطاتها إغراق "خارطة الطريق"، وبالتالي العودة إلى سياسة الخطوات الصغيرة، حتى يتم قضم هذه الخطة تدريجياً، كما جرى مع تقرير ميتشيل وخطة تينيت.
إن التعديلات تحول "خارطة الطريق" إلى ورقة غير قابلة للتطبيق. وبربطها مع شروط شارون تصبح مقترحاً بلا خريطة وبلا طريق. حيث أن المطلوب من الجانب الفلسطيني هو القيام بسلسلة من الخطوات طويلة ومرهقة ذات طابع أمني مع ما يحمله من محاذير، على أن يقوم بعدها الجانب الإسرائيلي بخطوات بعد أن يكون قد قيّم مدى التزام الجانب الفلسطيني بتنفيذ ما هو مطلوب منه، أي يجعل من إسرائيل الخصم والحكم، وبالتالي يضع زمام المبادرة بيد شارون والأحزاب الإسرائيلية اليمينية المتطرفة لتعطيل تنفيذ أي خطوات والتزامات من جانب "إسرائيل".
إضافة إلى هذا، هناك خلل كبير آخر في "خارطة الطريق"، حيث ان مدتها الزمنية طويلة تمتد لثلاث سنوات، وتنفذ على ثلاث مراحل، وهو ما يوقعها في ذات الخلل الذي وقعت فيه مسيرة أوسلو. لذلك فالمطلوب من الجانب الفلسطيني إعلان موقف واضح يرفض هذه الاشتراطات الإسرائيلية، ويصرّ على فهم اللجنة الرباعية القائم على أن "خارطة الطريق" هي خطة للتنفيذ وليست ورقة للتفاوض. ويجب أن يقرن هذا بعمل جدي ومسؤول لتجاوز الخلل القائم في الصيغة المطروحة ل"خارطة الطريق"، بغية إعادة التوازن لها من حيث الالتزامات. بدون هذا، نكون قد أدخلنا أنفسنا في نفس النفق المظلم الذي اكتوينا به جراء مسار مفاوضات أوسلو والنتائج الكارثية التي خلفها .
وبدا واضحاً قبل شرم الشيخ والعقبة أن الإدارة الأمريكية قبلت هذه "الملاحظات الإسرائيلية"، وبدأت في تعاملها مع "خريطة الطريق" أمام استحقاقات تطبيقها بخط تنازلي. فبيانها الصادر في 23/5/2003 والذي تعهدت فيه "بمعالجة ملاحظات إسرائيل بجدية وبشكل كامل عند تطبيق الخريطة" هو بداية تقاطع أمريكي جديد مع حكومة اليمين الإسرائيلية. وهذا يجب أخذه بجدية. وظهر واضحاً بأن الإدارة الأمريكية بدت معنية بأن تتجاوز الحكومة الإسرائيلية مأزق الموافقة على الخريطة أكثر من كونها معنية بتنفيذ "خارطة الطريق". وبهذا نستطيع فهم أسباب ودوافع الصفقة التي عقدت بين مدير مكتب شارون، دوف فايسغلاس، ومستشارة الأمن القومي للرئيس الأمريكي، كونداليزا رايس، القاضية بتجاوز عقبة الموافقة الإسرائيلية على الخطة.
إن موقف الإدارة الأمريكية، والذي عُبِرَ عنه بوضوح في خطاب بوش في العقبة، يشير إلى قلق جدي بتحويل خارطة الطريق بالممارسة العملية إلى خطة أخرى تتقارب مع بنود "التفاهمات" الاثني عشر الشارونية، ويسلبها مبدأ الالتزام الإسرائيلي بالاستحقاقات المتوجبة عليها وفقاً لما ورد في "خارطة الطريق".
وعليه، هنا يأتي دور أطراف اللجنة الرباعية الدولية لمنع هذا الاستفراد الأمريكي المتقارب مع السياسات الشارونية. وهذا يتطلب صموداً فلسطينياً برفض فتح "خريطة الطريق" للتفاوض، والتمسك بالتنفيذ المتوازي للالتزامات المتقابلة، ورقابة اللجنة الرباعية الدولية على التطبيق. وشرطه الحقيقي إعادة بناء الوحدة الوطنية الفلسطينية على أساس القواسم المشتركة والقرار الموحد... ودعم عربي جدي وحقيقي، على أساس سياسة عربية متماسكة ومتحدة تحت سقف مبادرة السلام العربية، وضبط تنفيذ وتطبيق "خريطة الطريق" على إيقاع مبادرة السلام العربية الوارد ذكرها في الخريطة نفسها.
إن الخروج من عنق الزجاجة طريقه العودة للوحدة الوطنية السياسية البرنامجية الحقيقية، والعودة للمسيرة الحوارية التي كنا قد بدأناها في الضفة الفلسطينية، وغزة، والقاهرة. واليوم، في ظل الدعوة المتجددة للعودة واستكمال الحوار في القاهرة، فإننا نرى أن العودة إلى طاولة الحوار هي عودة لاستكمال مناقشة ما بدأنا به. لن نعود إلى نقطة الصفر في نقاش القضايا التي طرحت على طاولة الحوار. هدف هذه الحوارات معروف ومعلن، المطلوب الخروج باتفاق سياسي وطني شامل يجمع الجميع على القواسم الوطنية المشتركة بما يعيد بناء مؤسسات الشعب الفلسطيني على أسس ائتلافية ديمقراطية، وفي المقدمة مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، ومد ذلك ليطال مؤسسات السلطة الفلسطينية. رفضنا سابقاً أي مس بوحدانية تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، واليوم ننادي بالحفاظ على هذا الإنجاز والصرح النضالي الذي قام على جبال من الشهداء وأنهر من الدماء .
الحركة الوطنية الفلسطينية، بكل أطرافها وتلاوينها (ديمقراطية، وطنية، إسلامية)، معنية بإنجاح الحوار من خلال موقف وطني مسؤول. وانطلاقاً مما سبق، علينا جميعاً الإقرار بأننا لا نستطيع أن نواصل الصمود، وأن نكلل مسيرة نضالنا بالظفر والنصر إلا بتوحيد الصف الداخلي تحت سقف القواسم والجوامع المشتركة، وإنجاح العمليات الحوارية للخروج ببرنامج سياسي موحد يوحّد الشعب وفصائله ومؤسساته، ويبعد عن وطننا وشعبنا شبح الحرب الأهلية الرهيب، الذي لا زالت حكومة الاحتلال تتمناه، وتعمل لأجله صباح مساء، ويلجم سياسات العبث والأضرار بالحقوق الوطنية المشروعة لشعبنا التي تمارسها جهات فئوية أدمنت الاستئثار والتفرد بالقرار الوطني الفلسطيني من خلف الشعب ومؤسساته الشرعية، والاستقواء على شعبها وفعالياته وفصائله الوطنية بالقوى الخارجية خلافاً لما تتطلبه المصالح الوطنية العليا.
حزيران/يونيو 2003