إن مقولة "الأمن يعطي السلام والعكس غير صحيح" تستخدم في تبرير اعتداءات إسرائيل على الدول العربية واحتلالها لكامل الأراضي الفلسطينية والجولان السورية ومزارع شبعا اللبنانية. ولا إمكانية لإثبات حسن نوايا عربية وفلسطينية تعكس هذه المقولة.
يقول كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، في مقالة له حول خارطة الطريق: "الإعلام والكتب العربية والفلسطينية والتلفزيونات العربية والفلسطينية تتعامل مع إسرائيل ككيان غير شرعي يجب تخليص العالم العربي منه. الفلسطينيون لم يعترفوا أبداً بإخلاص بحق إسرائيل في البقاء. في كل البلدان العربية، بما في ذلك فلسطين، هناك ربما أغلبية من المجموعات لن تعترف بشرعية إسرائيل حتى بعد الحل الشامل" – صحيفة "الشرق الأوسط" 22/6/2003.
وحسب هذا المنطق، يصبح من المشروع في المنظور الأمريكي ـ الإسرائيلي أن تضم إسرائيل جزءاً واسعاً من المناطق الفلسطينية تحت دواع أمنية. ومع ملاحظة أن الأمور لن تحسم لصالح هذا الفهم الإسرائيلي، فالسعي هنا يجب ألا يتجه برأيهم إلى تحقيق حل نهائي وشامل، بل يمكن الاكتفاء بإقامة دولة فلسطينية مؤقتة على جزء صغير من الأرض الفلسطينية، كما هو مقرر في المرحلة الثانية من خارطة الطريق، وحسب قول كيسنجر:
"لن يكون الهدف سلاماً نهائياً، وهو تطلع شرعي، وإنما تعايش لا بد منه كمقدمة للسلام" - المصدر السابق. بمعنى آخر، حل الدولة المؤقتة قد لا يكون مؤقتاً بالمعنى الفعلي، بل قد تمتد فترته إلى زمن غير محدد. وسيكون الاتفاق النهائي عرضة لمفاعيل الفترة التي تلي قيام الدولة الفلسطينية المؤقتة.
الإسرائيليون باتوا يرون بأن البيئة الاستراتيجية التي أوجدها احتلال حلفائهم للعراق تمثل فرصة ذهبية قد لا تكرر يمكن من خلالها فرض وانتزاع ما لم يستطيعوا انتزاعه سابقاً. يقول موشيه يعلون، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي: "لم يعد هناك عالم عربي، لم نعد نتكلم عن عالم عربي، لا يوجد شيء اسمه تحالف عربي، هناك لاعبون لكل منهم مصلحته الخاصة، والجميع يعرف أن في عالمنا الأحادي القطب كل من يريد أن يُعتبر جزءً من القرية الكبيرة عليه أن يكون مرتبطاً بالولايات المتحدة، وليس أي حلف آخر".- صحيفة "يديعوت أحرونوت" 27/12/2003.
وهنا يتم إدراج اتفاق إيران مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والقرار الليبي الأخير بالتخلص من أسلحة الدمار الشامل ضمن ما يسمى "قطف ثمار النصر في العراق". وحسب هذا المنطق، في المدى المتوسط فإنه لا شيء يجبر إسرائيل على استعجال التسوية، بل على العكس من ذلك، إن من مصلحتها أن تتمهل حتى تتضح الصورة بشكل أفضل، وتتوضع بشكل نهائي إحداثيات الخارطة الجيوسياسية الجديدة ما بعد احتلال العراق، وهي بتقديرهم ستكون في محصلتها النهائية لصالح إسرائيل وحلفائها.
اليمين الصهيوني لم يتوانَ عن استخدام وتوظيف بعبع عودة خيار الدولة ثنائية القومية، وشبح تحول اليهود مرة أخرى إلى أقلية. لكن المعنيين يدركون كل الإدراك بأن هذا "الخطر" مضخم لأسباب دعاوية سياسية بحتة من قبل كل أطراف الساحة السياسية الإسرائيلية. فهذا "الخطر"، وإن وجد، فهو ليس راهناً وداهماً على المدى ما بعد المتوسط. هنا، قد لا يبدو مفهوماً أن تضم إسرائيل عبر جدران الضم والعزل العنصرية مناطق فلسطينية مكتظة بالسكان، في الوقت الذي يتم الحديث فيه عن خطر ديمغرافي. لكن نتنياهو يوضح ذلك: "السكان الفلسطينيون سينتقلون إلى سيطرة فلسطينية، ولهذا فإنه إذا كانت توجد مشكلة ديمغرافية ـ وهي توجد ـ فهي مع عرب إسرائيل" - من كلمته أمام لقاءات هرتسليا 17/12/2003 ـ عن صحيفة "معاريف". في هذا مؤشر لكون المخطط سينقل المناطق الفلسطينية للتوسعية الإسرائيلية في النهاية خالية من سكانها. وهذا ما يعتبره نتنياهو بديهية. لكن ما يجب أن يعالج، حسب رأيه، هو وضع فلسطينيي المناطق المحتلة في العام 1948. أنها دعوة صريحة للترانسفير. فمبادلة أراضي المستوطنات ستكون بأراض خالية من السكان، وإخراج المستوطنين من الدولة الفلسطينية الوليدة سيكون مقابل تهجير فلسطينيي 48 (تبادل سكاني !!). وهنا يمكن أن نشير بأن كل هذا تؤسس شرعيته، حسب المنطق والمفهوم الإسرائيلي، المدعوم أمريكياً، على حق إسرائيل المزعوم في الحفاظ على هويتها "كدولة يهودية". وهو، للأسف، شرك وقع فيه أبو مازن في خطابه في قمة العقبة، وكرر الخطأ بعض من فريق السلطة الأوسلوي في ما سمي بوثيقة البحر الميت ـ جنيف.
من كل ما سبق يمكن القول بأن كل الخطط السياسية المقدمة إسرائيلياً، من خطة مجلس المستوطنات مروراً بخطط الليكود ودعاة وثيقة البحر الميت ـ جنيف، تلتقي في نقاط أساسية، أهمها:
1 ـ التركيز على طابع "يهودية دولة إسرائيل"، وهذا يستتبع رفض مبدأ حق العودة، ورفض المساواة القومية مع فلسطينيي المناطق المحتلة في العام 1948، وبالتالي يؤسس لمشروعية أي إجراء عنصري لاحق بحقهم تحت دعوى المحافظة على "الطابع اليهودي"، وعليه تأتي دعوة جناح "الزعامة اليهودية" في مؤتمر مركز الليكود (تل أبيب 5/1/2004) إلى "الترانسفير الطوعي" للفلسطينيين خارج الأرض المحتلة عام 1967.
2 ـ ستُضَمُ أغلب أراضي القدس الكبرى لإسرائيل. وحتى في الأحياء التي ستسلم للإدارة الفلسطينية ستبقى اليد العليا للجيش الإسرائيلي، تحت دواعي "الأمن، وضمان وصول اليهود بحرية إلى الأماكن المقدسة".
3 ـ لا انسحاب إلى خطوط الرابع من يونيو/ حزيران 1967، وضرورة موافقة الفلسطينيين على ضم جزء من أراضيهم إلى إسرائيل، بمقابل أو بدون مقابل. وهنا الخلاف بين الخطط المختلفة. لكن إذا دققنا الأمر فإن هذا الخلاف يبدو غير مهم. فالأراضي التي سيتم تقديمها مقابل الأراضي الفلسطينية جرداء فاقدة لأية قيمة استراتيجية (رمال حالوتسا في جنوب شرق صحراء النقب)، مقابل ذلك المناطق التي ستُقتَطَع من الأراضي الفلسطينية وتُضم إلى إسرائيل ستُحَوّل باقي الأراضي إلى جزر، وستنتزع أخصب المناطق الفلسطينية، بما فيها الخزان المائي الذي يوفر 40% من المياه للضفة الفلسطينية.
4 ـ "الأمن هو الذي يحقق السلام"، ولا يجب الخوض في أية مفاوضات قبل تحقيق مطالب إسرائيل الأمنية التي تبدأ ولا تنتهي.
5 ـ السيادة الفلسطينية، وبحجة مقتضيات تحقيق الأمن لإسرائيل، يجب أن تبقى منقوصة.
6 ـ تعايش مؤقت مع استمرار السيطرة الاستراتيجية على الأرض أفضل من سلام شامل ونهائي بثمن انسحاب كامل لقوات الاحتلال حتى حدود 4 يونيو/ حزيران 1967.
إسرائيل، هكذا، تسعى إلى إبقاء الصراع مفتوحاً. ويبدو أنها لم تستفد كثيراً من تجارب حروبها السابقة. فحسم المعركة عسكرياً شيء، وانتزاع أهدافها السياسية وحسمها بشكل نهائي لصالحها شيء آخر.
والسؤال يبقى: إلى متى تستمر اللامبالاة الأمريكية التي تعطل أي دور دولي فاعل لإعادة الاعتبار للعملية السياسية؟
من المؤكد أن هذا رهن بتطور الأمور في العراق والتداعيات الإقليمية في البلدان العربية. والرهان هنا على استمرار المقاومة على تعدد ألوانها، وتصاعدها وانتشارها، وعودة الروح، ولو جزئياً، للعمل العربي المشترك، حتى لا تَصّدق نبوءة يعلون. وهنا لا بد أن يلحظ بأن على الفلسطينيين أن يشكلوا رافعة استنهاض للوضع العربي مرة أخرى. وهذا لا يكون إلا بالعودة إلى رحاب برنامج القواسم المشتركة والوحدة الوطنية صيانة للانتفاضة وتطورها الديمقراطي، وشرعية مقاومة الاحتلال، وصيانة الحقوق المشروعة لشعبنا في العودة وتقرير المصير والاستقلال الوطني الناجز والكامل على كل الأراضي الفلسطينية المحتلة بعدوان الخامس من حزيران/ يونيو 1967، بما فيها القدس.
وكل هذا يتطلب برنامج إصلاح ديمقراطياً شاملاً يعيد بناء المؤسسات والمرجعيات الوطنية الفلسطينية حتى تأخذ دورها. فجسمها الهش المنخور بالفردية والفساد لن يستطيع أن يحمل أعباء المرحلة الحالية والقادمة. تحقيق هذا واجب علينا، قوى الانتفاضة، وشرط هذا تقدم السلطة الفلسطينية خطوة واحدة إلى أمام نحو برنامج القواسم المشتركة السياسي، الآن الآن وليس غداً، وقبل أن تدخل التحركات السياسية في براد الانتخابات الرئاسية الأمريكية القادمة، والتي قد تشكل مناخاً خصباً ومؤاتياً كي تصّعد "إسرائيل" من عدوانها على الشعب الفلسطيني وفرض مشروع شارون الأحادي الجانب بقوة الأمر الواقع التوسعي.
كانون الثاني/يناير 2004
*الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين