داود تلحمي
انطلقت الثورة الوطنية التحررية الفلسطينية المعاصرة وتأسست منظمة التحرير الفلسطينية، في أواسط ستينيات القرن العشرين، في مناخ كانت فيه حركات التحرر والقوى الثورية واليسارية في أنحاء العالم تعيش حالة نهوض واسع وتحقق إنجازات ملموسة ... وإن كان وضع المنطقة العربية في تلك الحقبة التاريخية أكثر تركيباً وتعقيداً، حيث كانت حركة التحرر العربية تمرّ في مرحلة انتقالية، بين النهوض العارم الذي شهدته الخمسينيات وبداية الستينيات والهجمة المضادة لكسر هذا النهوض، والتي وصلت مداها الأكثر حدة ومأساوية مع الحرب الإسرائيلية العدوانية في حزيران/يونيو 1967 وما نجم عنها من انتكاسات وتراجعات لاحقة.
***
صعود حركات التحرر في العالم... وهجمة مضادة على حركة التحرر العربية
صحيح أن الجزائر كانت قد انتزعت استقلالها الوطني في العام 1962، بعد كفاح قاس ومكلف بشرياً دام زهاء الثماني سنوات منذ انطلاقة الثورة ضد الاستعمار الفرنسي في تشرين الثاني/نوفمبر 1954. وصحيح أن اليمن الشمالي تخلص في الحقبة ذاتها من النظام الإمامي المتخلف ودخل في مرحلة تطور جديدة، اتسمت كذلك بانطلاق الثورة الوطنية التحررية في المنطقة الجنوبية من الجزيرة العربية، التي كانت مستعمرة من قبل بريطانيا واعتبرتها حركة التحرر فيها شطراً جنوبياً لليمن. وصحيح أن جمال عبد الناصر أقدم على جملة من الخطوات الداخلية ذات الطابع التجذيري، كما واصل سياسته الداعمة لحركات التحرر الوطني في المنطقة وعموم "العالم الثالث"... بعد أن كان قد تحدى النظامين الاستعماريين البريطاني والفرنسي في الخمسينيات بتأميم قناة السويس وبدعم الثورة الوطنية التحررية في الجزائر، كما تحدى المعسكر الغربي بمجمله بالانفتاح على "المعسكر الإشتراكي"، من خلال صفقات الأسلحة مع تشيكوسلوفاكيا أولاً، ثم من خلال تجنيد الدعم السوفييتي لبناء السد العالي على نهر النيل قرب أسوان (والذي رفض الأميركيون، ذوو النفوذ الحاسم في البنك الدولي، دعم تمويله)، كما من خلال تطوير العلاقات السياسية والاقتصادية والتسليحية مع كل من الاتحاد السوفييتي والصين الشعبية وبلدان أخرى حليفة لهما، وكذلك مع دول العالم المتحررة مؤخراً من الاستعمار، والساعية الى تشكيل تيار ثالث في الخارطة السياسية العالمية بين الكتلة الرأسمالية المتطورة اقتصادياً والتي تتصدرها الولايات المتحدة، من جهة، والكتلة أو "المعسكر الاشتراكي" الذي كان الاتحاد السوفييتي يتصدره، من الجهة الأخرى، وهو التيار الذي انطلق في قمة باندونغ في اندونيسيا عام 1955 وشكّل لاحقاً ما عرف باسم حركة عدم الانحياز.
لكن الهجمة المضادة، التي حاولت الإطاحة بنظام عبد الناصر وبدوره المؤثر في أنحاء العالم العربي وفي عموم "العالم الثالث" من خلال الحرب البريطانية – الفرنسية – الإسرائيلية في العام 1956 وفشلت، هذه الهجمة استمرت وتصاعدت في الستينيات بأشكال مختلفة، مباشرة وغير مباشرة، الى أن تم توجيه الضربة، التي سيتضح لاحقاً إنها كانت قاصمة الى حد كبير، من خلال العدوان الاسرائيلي على مصر والجبهات العربية الشرقية في العام 1967، وهو العدوان الذي أدى الى احتلال سيناء والجولان والأراضي الفلسطينية التي بقيت خارج حدود الدولة الصهيونية التي أقيمت على معظم أرض فلسطين في العام 1948، وتحديداً الضفة الغربية (بما في ذلك القدس) وقطاع غزة.
من جانب آخر، جاء فشل التجربة الوحدوية بين مصر وسوريا في العام 1961 ليشكّل صدمة معنوية كبيرة للزخم الذي كانت قد اكتسبته التجربة التحررية والوحدوية الناصرية والقومية العربية في الأعوام السابقة. لكن هذه الصدمة، وإن كانت كبيرة، لم تقد الى الإطاحة مباشرة بهذه التجربة. وواجه النظام الناصري بعد ذلك جملة من التحديات، منها انعكاسات إرسال قوات مصرية الى اليمن الشمالي لدعم نظامها الجمهوري الجديد الذي حلّ مكان نظام الإمامة المتخلف في العام 1962... ومن هذه التحديات أيضاً مواجهة التصعيد الإسرائيلي العدواني ضد البلدان العربية المتاخمة، بما في ذلك عبر قيام إسرائيل بالعمل على تحويل مجرى نهر الأردن لصالحها، وهو الإجراء الذي ساهم في دفع الدول العربية، وعبد الناصر أولاً، لاعتماد صيغة اجتماعات القمة العربية لتوسيع نطاق التشاور الرسمي العربي والمشاركة في المسؤولية عن القضايا الإقليمية. وهي اجتماعات القمة التي أقرت في العام 1964 تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية ، وفتحت الباب أمام انعقاد المجلس (المؤتمر) الفلسطيني الوطني الأول في أواخر أيار/مايو 1964 في القدس العربية، التي لم تكن محتلة من قبل إسرائيل آنذاك.
صعود تيار "الوطنية الفلسطينية" المستقلة
في هذا المناخ العربي والإقليمي، وعلى أرضية تنامي التطلعات الاستقلالية في الأوساط الفلسطينية النشطة سياسياً ووطنياً، على خطى وبوحي من تجربة الجزائر التحررية المنتصرة، التي ألهبت حماس شعوب المنطقة العربية (والعالم الثالث) طوال سنواتها الثماني وفي سنوات الاستقلال الأولى، وعلى خلفية فشل تجربة الوحدة المصرية - السورية وانتكاس الرهان على ديناميكية الوحدة العربية لاستعادة الحقوق الفلسطينية، انطلقت الثورة الوطنية الفلسطينية المعاصرة في أواسط الستينيات الماضية. فقد قادت كل تلك التطورات في المنطقة العربية الى بلورة مناخ فلسطيني متزايد الوزن يدعو ويركّز على أهمية وضرورة الاعتماد على الذات أولاً، أي تنظيم الشعب الفلسطيني بشكل مستقل، للانطلاق في عملية مواجهة مع الاحتلال وحروب التنكيل والتهجير الاسرائيلية التي كانت تمارس بحق الشعب الفلسطيني، بحيث تكون هذه الانطلاقة الفلسطينية مدخلاً لاستنهاض لاحق للوضع العربي ولاستجماع قواه لحسم هذه المواجهة، كما كانت تشير أدبيات حركات فدائية فلسطينية عدة نشأت في تلك الفترة.
ولم تكن الساحة الفلسطينية (الموزعة بين أشلاء فلسطين ما قبل قيام الدولة الاسرائيلية، أي الضفة الغربية التي تم ضمها عام 1950 الى شرق الأردن، وقطاع غزة الذي خضع للإشراف الإداري المصري، من جهة، والمهاجر العربية القريبة وتلك العربية والأجنبية الأبعد، من الجهة الأخرى) لم تكن هذه الساحة قد بلورت رؤية واستراتيجية موحدتين لتحمّل أعباء هذه العملية التحررية الوطنية.
وكان التيار الغالب في مجمل الساحة الفلسطينية خلال الخمسينيات وبدايات الستينيات هو التيار القومي العربي (الناصرية، حزب البعث، حركة القوميين العرب) المنادي بالوحدة العربية الشاملة والمراهن على العمل العربي المشترك للرد على العسف الإسرائيلي واستعادة الحقوق والأرض الفلسطينية... وإن كانت هناك اتجاهات يسارية في الضفة الغربية وقطاع غزة وفي المهاجر العربية، جاءت امتداداً، من جهة، لتيار عصبة التحرر الوطني، التي كانت قد ورثت في مطلع الأربعينيات الجسم العربي من الحزب الشيوعي الفلسطيني، ومن جهة أخرى، امتداداً لتأثيرات الأحزاب والاتجاهات الشيوعية واليسارية في البلدان العربية المجاورة. كما كانت هناك
حركات سياسية إسلامية، لكن حضورها في التجمعات الفلسطينية في تلك الحقبة كان محدوداً، وفي الأغلب كان امتداداً لحركة الإخوان المسلمين، المصرية المنشأ، والتي كان جمال عبد الناصر قد اصطدم معها منذ سنوات حكمه الأولى (ولا نغفل هنا المنشأ الفلسطيني لحزب التحرير الإسلامي).
في هذا المناخ، نشأت حركة "فتح"، التي كان معظم مؤسسيها قريبين، في بداية وعيهم ونشاطهم السياسي، من التيارات الدينية تلك، ووجدت نفسها، مباشرة منذ الإعلان عن وجودها ونشاطاتها، في تنافس على النفوذ الشعبي مع المناخات القومية العربية، التي كانت غالبة، كما ذكرنا، في مختلف تجمعات الشعب الفلسطيني.
وباعتماد حركة "فتح" على شعار الاستقلالية الفلسطينية والاعتماد على الذات، من جهة، والتركيز على أهمية العمل المقاوم المسلح ضد إسرائيل، من جهة أخرى (وإن كانت حركات أخرى قد بدأت بعمليات مسلحة في تلك الفترة أيضاً)، حققت إمتداداً تدريجياً في أوساط الفلسطينيين في تجمعاتهم المختلفة، وخاصة في أقطار اللجوء في المرحلة الأولى. وهو امتداد شهد زخماً كبيراً بعد الضربة الاسرائيلية المؤثرة التي وجهت للجيوش العربية في عدوان العام 1967، وهي الضربة التي يمكن اعتبارها محطة رئيسية في بدء تراجع المد القومي العربي في الوسط الفلسطيني وتنامي الاتجاه الداعي الى العمل الفلسطيني المستقل والتركيز على الشخصية الوطنية الفلسطينية.
كما شهد هذا الامتداد زخماً أكبر بعد العمليات الفدائية والمواجهات التي جرت مع القوات الاسرائيلية بعد الحرب، وخاصة المواجهة التي جرت في منطقة مخيم الكرامة على الضفة الشرقية لنهر الأردن في آذار/مارس 1968، والتي بدت للمواطن الفلسطيني والعربي، آنذاك، نقطة مضيئة وبارزة من الصمود والمقاومة في مرحلة كالحة من الانتكاسات والتراجعات العربية.
***
في تلك الفترة أيضاً، تشكلت تجمعات وتكتلات فدائية لقوى كان بعضها قد نشأ قبل عدوان العام 1967، رفعت شعارات قومية ويسارية، مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ومنظمة الصاعقة (طلائع حرب التحرير الشعبية) وغيرهما، وسعت الى منافسة حركة "فتح" في كسب ولاء وتأييد الجماهير الفلسطينية، خاصة في المهاجر، ولاحقاً داخل فلسطين المحتلة (الضفة الغربية وقطاع غزة). وقد شهدت كل تلك القوى الفدائية، وخاصة حركة "فتح" بعد المناخ الذي نجم عن مشاركتها في مواجهة القوات الاسرائيلية في الكرامة، تدفق أعداد كبيرة من المتطوعين والأعضاء الجدد، الآتين من آفاق سياسية متنوعة، بما في ذلك من التيارات اليسارية الفلسطينية (والعربية)، في وقت لم تكن فيه الحركة الشيوعية الفلسطينية والعربية قد أخذت بالعمل الفدائي أو تبنت خيار التركيز على استقلالية الشخصية الوطنية الفلسطينية.
ومعروف أن عصبة التحرر الوطني، التي كانت الامتداد العربي للحزب الشيوعي الفلسطيني الذي تأسس في بدايات الانتداب البريطاني، توزعت، بعد حرب العام 1948 وقيام الدولة الاسرائيلية وضم الضفة الغربية للدولة الأردنية وسيطرة مصر على قطاع غزة، توزعت وتوزع أعضاؤها ما بين الحزب الشيوعي الأردني، الحديث التشكيل آنذاك، والحزب الشيوعي الإسرائيلي لمن بقوا على الأراضي التي أقيمت عليها الدولة الإسرائيلية، بالإضافة الى مجموعة صغيرة في قطاع غزة بقيت تحمل اسم الحزب الشيوعي الفلسطيني. في حين تشكلت مجموعات شيوعية ويسارية فلسطينية في بعض المهاجر الأخرى، على تماس مع الحركات الشيوعية واليسارية في بلدان اللجوء.
***
الإنفتاح التدريجي على العالم الخارجي وتجارب العالم التحررية الثورية
وحتى ذلك الحين، كانت علاقات التشكيلات الفلسطينية الفدائية الجديدة مع العالم الخارجي، غير العربي، محدودة. فمنظمة التحرير الفلسطينية، التي ترأسها منذ تأسيسها في العام 1964 أحمد الشقيري، أقامت، في سنواتها الأولى، علاقات محدودة مع دول خارج المنطقة العربية، وبقيت تتعاطى بحذر مع الوضع الدولي، مراعية حسابات الدول العربية النافذة التي كانت تستضيف مكاتبها ومعسكرات تدريبها. ومن بين الدول التي انفتحت عليها منظمة التحرير في عهد الشقيري في أواسط الستينيات جمهورية الصين الشعبية، حيث قام هو شخصياً بزيارة مثيرة اليها، واستقبل فيها استقبالاً حافلاً من قبل قيادتها التاريخية بزعامة ماوتسي تونغ، ونال اعتراف الصين بالمنظمة.
من جانب آخر، كانت المنظمات والتجمعات القطاعية الفلسطينية، وخاصة الاتحاد العام لطلبة فلسطين، الذي تأسس في العام 1959 ليرث ويوحّد عدداً من التشكيلات الطلابية الفلسطينية النشطة التي قامت قبل ذلك التاريخ، كانت تقيم علاقات مع هيئات خارجية موازية وهيئات قطاعية دولية، كاتحاد الطلبة العالمي. والأمر نفسه ينطبق على الاتحادات التي تشكلت لاحقاً، كالاتحاد العام للعمال والإتحاد العام للمرأة، الخ...
لكن كل ذلك كان محدود التأثير على المناخات الفكرية السائدة في الساحة الفلسطينية... الى أن بدأ الانفتاح الواسع على الحركة الوطنية الفلسطينية بعد العام 1968، وأكثر من ذلك بعد العام 1969، حين دخلت القوى الفدائية بكثافة لتحتل هياكل منظمة التحرير وهيئاتها القيادية، بعد أن استقال أحمد الشقيري في أواخر العام 1967 وانقضت المرحلة الإنتقالية التي تلت هذه الاستقالة والتي ترأس المنظمة خلالها يحيى حمودة، حيث أصبح ياسر عرفات، مؤسس حركة "فتح"، رئيساً للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير في مطلع العام 1969.
هذا الدخول القوي للمنظمات الفدائية حدث في الوقت الذي كانت فيه مصر الناصرية تستعد لخوض حرب لتحرير الأراضي التي احتلت في العام 1967. وهي، بالفعل، خاضت حرباً استنزافية لقوات الاحتلال الإسرائيلية في سيناء في العامين 1969-1970 كبّدت المحتلين خلالها خسائر كبيرة. بحيث اعتبرها بعض محلليهم العسكريين، آنذاك، حربأً عربية – إسرائيلية رابعة، قبل أن يتضح أن هذه الحرب كانت، في مخططات القيادة المصرية، تمهيداً لحرب أكبر ستندلع بعد رحيل عبد الناصر بثلاث سنوات، للرد على عدوان واحتلالات العام 1967.
وكان جمال عبد الناصر، الذي تأثّر نظامه كثيراً بالضربة التي تلقتها مصر، والمعسكر العربي عامة، في العام 1967، قد أتخذ، على أرضية هذه التطورات العاصفة، موقفاً أكثر إيجابية تجاه النزعة الاستقلالية الفلسطينية، التي مثّلها صعود القوى الفدائية الى سدة وهياكل منظمة التحرير، وهي المنظمة التي أنشئت بالأساس بمبادرة من القيادة المصرية. وذهب عبد الناصر الى حد اصطحاب ياسر عرفات الى موسكو سراً في إطار الوفد المصري في إحدى زياراته للعاصمة السوفييتية آنذاك، ليشجع حلفاءه السوفييت على الانفتاح على منظمة التحرير والقوى الفدائية، وهو ما لم يكن قد حصل حتى ذلك الحين... بالرغم من الإدانة السوفييتية للاحتلالات الإسرائيلية في العام 1967 وذهاب السوفييت وحلفائهم في أوروبا الشرقية الى حد قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، وقيامهم بإمداد مصر وبلدان عربية أخرى بكميات كبيرة من الأسلحة والعتاد لإعادة بناء قواتها ولمواجهة الواقع الجديد الناجم عن هذه الاحتلالات الإسرائيلية، وعن التوجه الأميركي المتزايد للاعتماد على دور إسرائيل كذراع ضارب في الشرق الأوسط لحماية مصالح الولايات المتحدة الأميركية، ومجمل النظام الرأسمالي العالمي.
***
وبالإضافة الى هذا التطور الانفتاحي الهام في مسار الثورة الفلسطينية المعاصرة، هناك ذلك المناخ العالمي الكاسح في تلك الحقبة التاريخية المؤاتي لحركات التحرر والثورات الوطنية الديمقراطية. وهو ما كانت ترمز إليه وتعبّر عنه بشكل خاص حرب شعب فييتنام التحررية ضد الاجتياح الأميركي. وكانت هذه الحرب قد دخلت مرحلة حاسمة في مطلع العام 1968، مع هجوم شامل قام به ثوار فييتنام على مختلف المدن والقواعد الأميركية في جنوب فييتنام، قاد الى إحداث انعطافة تاريخية في مسار الحرب على فييتنام، حيث قرر إثره الرئيس الأميركي آنذاك، ليندون جونسون، تغيير توجهه الاستراتيجي بالقبول بالتفاوض مع الثوار الفييتناميين، بعد أن كان هو نفسه مهندس التصعيد الكبير في الحرب العدوانية على فييتنام في أواسط الستينيات، بحيث أوصل عدد القوات الأميركية هناك الى ما يقارب نصف المليون عسكري أميركي، في مراهنة على إمكانية حسم المعركة عسكرياً.
وكانت هذه الانعطافة في الحرب الأميركية في الهند الصينية بالغة الأهمية في المناخ العالمي، آنذاك. حيث أظهرت أن شعباً صغيراً، نسبياً، وفقيراً الى حد كبير، قادر على كسر أكبر الهجمات من قبل أعتى القوى الامبريالية في تاريخ البشرية، وصولاً الى دحر هذه الهجمة وإرغام المعتدين على الانسحاب الكامل في ظروف مذلة، وهو ما تحقق في ربيع العام 1975 حين دخلت قوات الثوار الفييتناميين الى عاصمة فييتنام الجنوبية وأرغمت السفير الأميركي وموظفيه وأعوانه من النظام التابع المحلي الى الفرار بالطوافات من على سطح السفارة في سايغون (التي حملت منذ تحريرها وإعادة توحيد فييتنام اسم "مدينة هو شي مينه"، على اسم القائد التاريخي لثورة شعب فييتنام التحررية، الذي كان قد توفي قبل ذلك بسنوات قليلة، في العام 1969). ورافق انتصار فييتنام انتصار جيرانها الثوار في المنطقة المعروفة باسم الهند الصينية، أي في كل من كامبوديا ولاوس.
الى جانب هذه الانتصارات الهامة لحركات التحرر في الهند الصينية، تحققت انجازات وانتصارات مهمة أخرى في أنحاء مختلفة من العالم الثالث لحركات التحرر، ذات التوجهات اليسارية الواضحة في غالبيتها، مثل المستعمرات البرتغالية في أفريقيا (أنفولا، موزامبيق، غينيا- بيساو) والتي انتزعت استقلالها بعد أن شهدت البرتغال نفسها في العام 1974 ثورة يسارية أطاحت بالنظام الفاشي الاستعماري السابق، ودعمت مطالب الشعوب المستعمرة في إنهاء الوجود الاستعماري.
وقبل حروب التحرير هذه في الهند الصينية وأفريقيا السوداء، كان هناك انتصار هام لحركة ثورية متميزة في جزيرة كوبا، الواقعة في البحر الكاريبي، بقيادة فيديل كاسترو، في العام 1959. ورغم صغر حجم البلد نسبياً (حوالي عشرة ملايين من السكان) مقارنة بأقطار أخرى في المنطقة، فقد كان للنظام الثوري الجديد في كوبا إشعاع إقليمي (في مجمل أميركا اللاتينية والكاريبي) وعالمي (في بلدان "العالم الثالث" عامة، وحتى، الى حد ما، في أوروبا الغربية) لا يستهان به. وفي كل الأحوال، فإن الولايات المتحدة التي تقع شواطئها الجنوبية على بعد أقل من مئة ميل من شواطئ كوبا، لم تستهن به، وسعت بشتى السبل للاطاحة به، بما في ذلك من خلال تنظيم الاجتياحات وعمليات التخريب والحصار العسكري والاقتصادي ومحاولات اغتيال فيديل كاسترو. وقد فشلت كل تلك المحاولات، وإن كانت المخابرات المركزية الأميركية قد تمكنت في العام 1967 من الوصول الى أحد أبرز قادة الثورة الكوبية ورموزها القوية الحضور، وهو ارنستو غيفارا المعروف بلقب "تشي"، حيث جرى قتله مع عدد من رفاق سلاحه بينما كان يقوم، وهو الأرجنتيني المولد، بمحاولة تنظيم صفوف الثوار في بلد أميركي لاتيني آخر، هو بوليفيا.
تحولات نحو اليسار داخل التيارات القومية العربية
كما كان هناك في منطقتنا العربية، في تلك الحقبة، انتصار لثورة تحررية أخرى ضد الاستعمار الأجنبي، وذلك في اليمن الجنوبي، في أواخر العام 1967. وكانت القيادة الرئيسية لحركة التحرر هناك، التي عرفت باسم الجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن، وهي بالأصل جزء من حركة القوميين العرب، قد اتجهت بعد الاستقلال نحو اليسار، فتحولت الجبهة القومية بعد ذلك بسنوات قليلة الى الحزب الاشتراكي اليمني.
***
كل تلك المناخات، العالمية والعربية، كان لها تأثير ملموس على الساحة الفلسطينية. حيث بدأت في مطالع الستينيات الماضية وأواسطها، مثلاً، تفاعلات داخل حركة القوميين العرب ودارت نقاشات حول الفكر اليساري وضرورة تبنيه من قبل الحركة، وهو ما عكسته بعض منابر الحركة العلنية، وتبلور بشكل أوضح لاحقاً، في المجال الفلسطيني لنشاط الحركة، في ما عرف باسم مؤتمر آب للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (1968) ولاحقاً في تأسيس الجبهة الشعبية الديمقراطية في شباط/ فبراير 1969 (وقد حملت اسم الجبهة الديمقراطية بعد ذلك بسنوات قليلة). وقد لعبت الجبهة الديمقراطية دوراً هاماً في الطرح العلني والواسع للأفكار اليسارية (الماركسية) في إطار حركة المقاومة والثورة الفلسطينية، في وقت بقيت فيه مثل هذه الأفكار تطرح بأشكال محدودة ومستويات أقل من العلنية والاتساع في تنظيمات وأوساط فلسطينية أخرى.
ولا بد هنا من الإشارة أيضاً الى الإتجاهات اليسارية التي تبلورت داخل حزب البعث العربي الاشتراكي، الذي كان في أواسط الستينيات في السلطة في سوريا، وقبل ذلك وبعده في العراق، وبعض هذه الاتجاهات كانت وراء الحركة التي أطاحت بحكم أمين الحافظ وتيار ميشيل عفلق، مؤسس الحزب، في سوريا في مطلع العام 1966. وكان حزب البعث ذا حضور ملحوظ في الأراضي الفلسطينية في الخمسينيات والستينيات، وكانت منظمة الصاعقة التابعة له، حين تأسيسها، منظمة قوية وكبيرة الحجم، خاصة في مرحلة التواجد الفدائي في الأردن بين العامين 1967 و1971 كما في بدايات التواجد الفدائي في لبنان.
وبالرغم من عدم مشاركة الحزب الشيوعي الأردني (الذي ضم، كما ذكرنا، الأعضاء الفلسطينيين في عصبة التحرر الوطني في فلسطين الانتدابية الذين استقروا في الضفة الغربية أو شرق الأردن، كما استوعب الأعضاء الفلسطينيين اللاحقين المقيمين هناك) في العمل الفدائي في بداياته، إلا إن أعداداً غير قليلة من الأعضاء النشطين أوالسابقين في الحزب انضموا الى العمل الفدائي، وكان لهم حضور في عدة تنظيمات فلسطينية، بما في ذلك وخاصة في فرقة "الأنصار"، التي تشكلت لاحقاً بقرار من الأحزاب الشيوعية العربية المشرقية لاستيعاب المتطوعين الشيوعيين الفلسطينيين والعرب الآخرين في العمل الفدائي.
ولكن العلاقة بين الحزب الشيوعي الأردني، ولاحقاً التنطيم الشيوعي الفلسطيني في الضفة الغربية، ثم الحزب الشيوعي الفلسطيني منذ مطلع الثمانينيات الماضية، من جهة، وقوى منظمة التحرير الفلسطينية الفدائية، من جهة أخرى، لم تتطور بشكل ملموس إلا بعد حرب تشرين الأول/اكتوبر 1973، حين جرى العمل على تشكيل الجبهة الوطنية الفلسطينية في الأراضي المحتلة بمشاركة الحزب وامتدادات المنظمات الفدائية داخل فلسطين وشخصيات وطنية مستقلة أخرى، وحين كان يجري البحث عن استراتيجية فلسطينية جديدة واضحة تتلاءم والمعطيات الناجمة عن عدوان العام 1967، وبعده انعكاسات "أيلول الأسود" في الأردن، وتأخذ بعين الاعتبار موازين القوى الفعلية في المنطقة، وتلك العالمية التي تؤثر فيها. وهي الحقبة التي تبلور فيها ما عرف لاحقاً باسم البرنامج الوطني المرحلي لمنظمة التحرير، وهو البرنامج الذي طرحته الجبهة الديمقراطية علناً في منابرها منذ أواسط العام 1973 وشاركت قيادات حركة "فتح" و تنظيم "الصاعقة" لاحقاً في إقراره في هيئات منظمة التحرير ومجلسها الوطني تحديداً في العام التالي 1974.
ولم يدخل الحزب الشيوعي رسمياً منظمة التحرير وهيئاتها، ويعترف به كتنظيم فيها إلا في نيسان/ أبريل 1987 (دورة المجلس الوطني الفلسطيني التوحيدية في الجزائر)، هذا مع العلم بأن أفراداً منه شاركوا في هياكل منظمة التحرير منذ وقت مبكر، منذ أوائل السبعينيات، كما كان هناك تمثيل غير رسمي للحزب بعد ذلك.
***
وفي الوقت الذي تأثر فيه عدد من التنظيمات الفلسطينية القائمة في إطار منظمة التحرير بلغة وأفكار اليسار منذ السنوات الأولى بعد عدوان 1967 وطوال السبعينيات، إلا أن تأثيرات الفكر القومي العربي بقيت قوية لدى البعض منها. ولاحقاٌ أيضاً، تبنى بعضها خطاباً قريباً من التيارات السياسية الإسلامية، خاصة بعد انتصار الثورة الإيرانية في العام 1979 بقيادة آية الله روح الله الخميني، ثم صعود التيارات السياسية الإسلامية الفلسطينية في الثمانينيات، وخاصة إثر اندلاع الانتفاضة الكبرى الأولى في أواخر العام 1987.
***
تراجعات أواخر الثمانينيات على المستوى العالمي وانعكاساتها السلبية
وطوال السبعينيات ومعظم الثمانينيات، بقي المناخ اليساري قوياً ومؤثراً في الساحة الفلسطينية، حتى أن بدايات الانتفاضة الفلسطينية الكبرى الأولى في الأراضي المحتلة (التي اندلعت في العام 1987) أظهرت حضوراً قوياً للتيار اليساري في الميدان كما في الإطار القيادي، القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة.
ولا بد من الإشارة هنا لبعض التجارب والحركات الثورية الهامة التي شهدتها أميركا اللاتينية في السبعينيات والثمانينيات (تشيلي، نيكاراغوا، غرينادا، الحركات الثورية المسلحة في العديد من بلدان القارة الأخرى، الخ...)، التي تمتع بعضها بوهج عالمي لفترة من الزمن، وكانت على صلة قوية بالحركة الوطنية الفلسطينية... لكن نهاية معظمها كانت، في الأمد المباشر، مأساوية، بفعل التآمر الأميركي عليها ودعم القوى المضادة للثورة فيها، أو حتى عبر الاجتياح المباشر، كما جرى في غرينادا. وهذه النهايات أتت في سياق الرد الإستراتيجي الأميركي الكوني على انتصارات حركات التحرر والقوى اليسارية في العالم... وهو الرد الاستراتيجي، الذي بلغ مداه في الثمانينيات، في عهد الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغن، وحقق، في النهاية، نتائج لم يكن يتوقعها أحد بهذا الشكل الدرامي، مع انهيارات أنظمة التجربة الاشتراكية في أوروبا الشرقية وتفكك وانهيار الإتحاد السوفييتي في أواخر الثمانينيات ومطلع التسعينيات.
وشكّل هذا التطور حدثاً بالغ التأثير على الوضع العالمي، وكانت له انعكاساته الهائلة على الحركات اليسارية في أنحاء العالم، بما في ذلك في منطقتنا. وهو ما ساهم في تراجع حضور الفكر اليساري وفي اهتزاز الكثير من القناعات، التي كانت تبدو قوية وراسخة في العقود السابقة. وقد نجم عن ذلك تنقلات وتبدلات في المواقع الفكرية والسياسية وتراجع عام لنفوذ اليسار في الساحة الفلسطينية، والعربية عموماً. وهو تراجع له أيضاً أسبابه الأخرى، الذاتية والمحلية، الفلسطينية والإقليمية العربية، التي لا تقل أهمية عن التطور العالمي العاصف في بلدان التجارب الإشتراكية.
وبقى هنا أن نؤكد على عامل مهم في انعكاسات انهيارات هذه التجارب على بلدان مثل بلداننا وعلى عموم العالم الثالث، وذلك هو كون الفكر اليساري الماركسي قد دخل الغالبية الساحقة من هذه البلدان عبر بوابة الثورة البلشفية في روسيا وعبر وجود الاتحاد السوفييتي وانجازاته، بما في ذلك الانتصار التاريخي على النازية في الحرب العالمية الثانية، والتطور الكبير للبلد في العديد من المجالات العلمية والتسليحية بعد ذلك، والدعم الذي كان يقدمه لحركات التحرر وبلدان العالم الخارج لتوه من الحقب الإستعمارية المباشرة. فبالنسبة للعديد من اليساريين في بلدان العالم الثالث، شكّل انهيار الاتحاد السوفييتي وتجربته الاشتراكية انهياراً للمرجعية الفكرية والقيمية، مما أحدث فراغاً على هذا الصعيد، يمكن أن تملأه أفكار ومدارس قيمية أخرى، بما في ذلك الأفكار والمدارس الدينية، أو يحلّ مكانه الكثير من التشوش والأفكار العابرة المتغيرة.
لكن ذلك، كما وآفاق استنهاض الفكر اليساري ومجمل دور اليسار في ساحتنا الفلسطينية في المرحلة القادمة، هو موضوع آخر، شيّق وهام بالتأكيد، لكنه يحتاج الى حيز آخر.
* المقالة صياغة مطورة لمداخلة جرى تقديمها مؤخراً في ندوة دراسية عقدت في مدينة البيرة في الضفة الفلسطينية المحتلة حول تجربة اليسار الفلسطيني.