كل الجهود من أجل فرض تطبيق قرار محكمة العدل الدولية والجمعية العامة للأمم المتحدة (تموز/يوليو 2004) بشأن جدار الخنق والضم الاستعماري الإسرائيلي... وفضح مناورات شارون (خطة الإنفصال) للالتفاف على الشرعية الدولية ومواصلة سياساته الدموية والتوسعية في الإراضي الفلسطينية المحتلة

قامت قوات الاحتلال الاسرائيلية منذ أواخر آذار/مارس 2002، أبان إعادة احتلال مدن الضفة الغربية، بعدد من الاجتياحات لمقر مركز المسار للدراسات والنشر في رام الله، والذي تصدر عنه صحيفة "المسار"، وقامت بتدمير ومصادرة الأرشيف وبعض الأجهزة الرئيسة. وقد توقفت الصحيفة منذ ذلك الحين عن الصدور كصحيفة نصف شهرية توزع في أنحاء الأراضي الفلسطينية، بعد أن صدر منها 118 عدداً بانتظام منذ نيسان/أبريل 1997 وحتى آذار/مارس 2002. ومنذ ذلك الحين، يصدر مركز المسار للدراسات والنشر هذه الصفحة على شبكة الانترنت.



الرؤية الصهيونية تحول دون قراءة صائبة للتاريخ و"كوارثه"

    نايف حواتمة
    (الأمين العام
    للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين)

    الحرب العالمية الثانية انتهت قبل ستين عاماً باستسلام ألمانيا النازية أولاً ثم اليابان بعدها بأشهر قليلة. وقد حقق الصهاينة خلال هذه الأعوام الكثير من "الانتصارات". وعلى وقع إحيائهم سنوياً لذكرى "الكارثة"، أقاموا دولتهم، ووسّعوها، على حساب حقوق الشعب الفلسطيني وأرضه ووجوده وحقه في الحياة.

    ستون عاماً من المجازر والكوارث الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني، وما تزال إسرائيل والصهيونية العالمية قادرتين على استخدام "آلام الكارثة" للتغطية على ممارساتهما اللاحقة. ويقول الصهاينة عادة بأن "إسرائيل القوية والمهابة" بنيت لمنع تكرار "الكارثة" بعد أن "سيق ضحاياها كالخراف إلى المذابح وأفران الغاز" في ألمانيا الهتلرية، وذلك من خلال تربية "أجيال من المقاتلين الإسرائيليين الأشداء". فلا غرابة، إذن، أن نجد الخطاب الإسرائيلي الصهيوني ينطلق مما جرى قبل ستين عاماً ونيّف لتبرير كل ما جرى بعدها. هنا انتهى فصل من التاريخ بالسقوط الأخلاقي لأوروبا الاستعمارية والإنسانية جمعاء، وبدأ تاريخ آخر عليه أن يبرر أفعال محاربي إسرائيل، التي تقف فوق الحق والأخلاق والشرعية الدولية .

    ستون عاماً على انتهاء الحرب العالمية الثانية، وعلى تحرير معتقلي المعسكرات النازية، وما يزال الخطاب الإسرائيلي المنطلق من السردية التاريخية الصهيونية الملفقة يقدم "كارثة يهود أوروبا" كحالة فريدة في التاريخ، جاعلاً من ذلك المقياس الوحيد لأخلاقية البشرية، ورافضاً مقارنتها بمجازر مشابهة سبقتها أو جاورتها، أو جاءت بعدها زمنياً. وبرأي الصهاينة، فإن المجازر التي ارتكبت بحق الهنود الحمر، وشعوب المستعمرات الأوروبية، والأرمن، والغجر، والروس، والفيتناميين والكمبوديين .. الخ ما هي إلا "أفعال قتل عظيمة الأبعاد لشعوب خاضعة للاحتلال ولأقليات قومية تصحب التاريخ الإنساني على طوله إلى أيامنا هذه"، كما تقول المؤرخة الإسرائيلية عنات بيري. وهذا ما يعتبره المؤرخ الأمريكي ديفيد ستنارد "تعبيراً عن الأيديولوجية الأوروبية ـ الأمريكية للعنصرية البيضاء". وغني عن القول بأن الفهم الذي تقدمه المؤرخة عنات بيري يسحبه أكثر المؤرخين الإسرائيليين على المجازر التي ارتكبت، وترتكب، ضد الشعب الفلسطيني.

    إن التعاطي الإسرائيلي الصهيوني مع هذه المسألة يشكّل واحدة من أكبر عمليات التزييف المفضوح والمقصود في وقائع التاريخ الحديث. فالرواية التاريخية تمت إعادة كتابتها وتقديمها مرات عديدة بشكل متناقض، دون أن تنسخ أي من هذه الكتابات سابقاتها، أو تفقدها قيمتها التعبوية. ففي الخطاب الإسرائيلي ـ الصهيوني الموجه لأوروبا، يتم التركيز على المسؤولية الأخلاقية الأوروبية عن المجازر النازية بحق اليهود، وإغفال المجازر النازية بحق الشعوب الأوروبية المختلفة، والتي ذهب فيها عشرات الملايين من الضحايا. وهنا ليس المقصود التقليل من قيمة الضحايا اليهود من بينهم.

    ورغم ما سبق، فإن تحميل أوروبا الرأسمالية المسؤولية الأخلاقية، لا يحول دون أن يقدم الخطاب الإسرائيلي ـ الصهيوني نفسه كجزء من الخطاب المركزي الأوروبي، بغية تحقيق جملة من الأهداف. فما يريده الخطاب الصهيوني ـ الإسرائيلي من تحميل أوروبا للمسؤولية الأخلاقية هو استمرارها في لعب دور الراعي الكولونيالي لإسرائيل، ولما تدعيه إسرائيل بأنها نموذج مصغر عن الديمقراطية الرأسمالية الغربية. وهذا يحقق لإسرائيل، في آن واحد، تبرير كل سياساتها الدموية والعنصرية بحق الفلسطينيين، بتقديمها الفلسطينيين كـ " شعب متخلف"، ما يزال خارج زمن الحداثة، يحتاج إلى عملية " ترقية" على أيدي الاحتلال الإسرائيلي، الذي يقوم بذات الدور الاستعماري الذي قامت به الدول الاستعمارية الأوروبية في أنحاء العالم، وبنيت عليه الثقافة المركزية الأوروبية. وتبعاً لذلك، يتم تقديم مقاومة الشعب الفلسطيني كتعبير عن" ثقافة وحشية خاصة تم تطويرها فوق أرض مهجورة، هي نوع من الثقافات الوطنية التي غذّتها أخلاق الصحراء وعقيدة الحرب والانتقام". وبالتالي، لم تقدم الأدبيات الصهيونية بشكل حاسم الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي كصراع بين "قوميتين" إلا في مرحلة متأخرة جداً، على أبواب الحقبة الأوسلوية، دون أن يترتب على ذلك الاعتراف بالحقوق القومية للفلسطينيين.

    أما الخطاب الإسرائيلي الصهيوني حول "الكارثة" والموجه إلى الداخل الإسرائيلي، فإنه يعتمد على مقولة مختلفة جوهرياً مع الخطاب الموجه إلى أوروبا. فحسب رأي صحيفة "هابوعيل هاتسعير" الناطقة بلسان حركة إعادة النظر (جابوتنسكي)، مثلاً، فإن "اضطهاد اليهود الألمان يعتبر عقاباً لهؤلاء الذين حاولوا الاندماج في المجتمع الذي لا ينتمون إليه"، ودفعوا ثمن رفضهم التهجير إلى فلسطين، للمساهمة في بناء دولة إسرائيل. والعبرة المستقاة من ذلك ضرورة الانتماء إلى دولة إسرائيل فقط.

    إن التناقض الذي يحمله تقديم الخطاب الإسرائيلي الصهيوني لنفسه كجزء من الثقافة المركزية الأوروبية، وبانتمائه الأخلاقي لها، وتقديمه لنفسه كضحية لهذه الثقافة بتعبيراتها القومية الشمولية المتطرفة في آن، قد تم حله بطريقة انتهازية، تعبر عن حقيقة المواقف غير الأخلاقية للصهيونية. فالقول بأن "إسرائيل تشكل نقطة الاستناد الوحيدة التي تنتمي لأوروبا، وستنتمي لها دائماً"، ربطاً مع الخطاب الداخلي الإسرائيلي لتفسير أسباب اضطهاد اليهود في أوروبا، يجعل، كما ذكر سابقاً، الإدانة الأخلاقية لأوروبا ليست إدانة من حيث المبدأ، بل لكونها استهدفت بشكل خاطئ اليهود الأوروبيين، الذين يشكلون الجسم الرئيسي لليهود المندمجين عضوياً في الثقافة المركزية الأوروبية. وبالتالي، فإن تصحيح هذا الخطأ التاريخي الشنيع يكون بمواصلة الدعم الأوروبي لـ "إسرائيل اليهودية"، وهو ما يشكل جزء من المصالحة والمراجعة الذاتية اللتين قامت بهما أوروبا، كخلاصة لتجربة وأهوال الحرب المريرة. وهذه المقولة أدركها الخطاب الصهيوني باكراً. فهو مع أوروبا المنتصرة، أياً كانت هويتها الثقافية والأيديولوجية.

    ما سبق عبّر عنه في أربعينيات القرن الماضي الإرهابي أبراهام شتيرن ـ ارتبط اسم منظمته الإرهابية باسمه ـ، حين ميّز بين عدو ومُضطهِد ( بكسر الهاء ). فالفلسطينيون ـ حسب ما رآه شتيرن ـ عدو همجي، أما هتلر فهو ليس إلا مضطهِد قوي ( بكسر الهاء ). وحتى لا يكون هناك أي لبس في المعنى الذي ينصرف إليه القول السابق، فإن برنامج منظمة شتيرن الإرهابية ينص بالحرف: "ليس من الضروري أن تكون هناك أكثرية، لأن العالم مقسم بين أجناس مقاتلة ومهيمنة من جهة، وأجناس منحطة من جهة أخرى". وتدل الكثير من الوثائق التاريخية أن موقف فصائل الحركة الصهيونية من النازية (وخصوصاً المعتمدة على مبدأ إعادة النظر ـ جابوتنسكي ـ) قد جاهر بعدائه للنازية فقط بعد أن تأكدت هزيمة ألمانيا الهتلرية. "ففي العام 1941، اقترح قادة منظمة شتيرن الإرهابية على الزعماء الوطنيين الاشتراكيين الألمان (النازيين) إقامة تحالف معهم بقصد النضال المشترك ضد الإنكليز، وحمل الاقتراح الإرهابي إسحاق شامير". هذا ما فضحه عمانوئيل رايتي في كتابه "محاربو إسرائيل". بل، وأكثر من ذلك، فإن "نص أنقرة"، الاسم الشائع للاقتراح الذي عرضه المبعوث السري لمنظمة شتيرن (الإرهابي لوبتشك) في العام 1941 على ألمانيا، والداعي إلى إقامة حلف بين شتيرن وحكومة الرايش الثالث الألمانية يحدد نقاط التلاقي بين الصهاينة والرايش في ثلاث نقاط أساسية : "هناك مصالح مشتركة بين نظام أوروبي جديد مبني على المفهوم الألماني، وبين الطموحات الوطنية للشعب اليهودي، كما تدافع عنها حركة شتيرن ... وهناك تعاون ممكن بين ألمانيا الجديدة وجماعة يهودية متجددة ومموَّلة ... كما إن إقامة الدولة اليهودية على أسس وطنية وشمولية، وإشراكها بمعاهدة الرايش الألمانية يساهم في تقوية الوجود الألماني في الشرق الأوسط". أما منظمة الهاغاناه الإرهابية، فقد أبقت على علاقة منظمة ودائمة مع المخابرات الألمانية، سهلت من خلالها تهجير اليهود الألمان إلى فلسطين.

    موقف شتيرن المذكور يتقاطع مع مواقف معظم تيارات الحركة الصهيونية، بما في ذلك تلك التي تسمي نفسها بالمعتدلة. ففي العام 1933، رفض مؤتمر الصهيونية العالمية اقتراحاً بالعمل ضد هتلر، بأغلبية 240 صوتاً مقابل 43 صوتاً فقط. وتبعاً لذلك، وقّع هتلر اتفاقاً مع البنك الإنكليزي ـ الفلسطيني، الذي كان يموّل كل النشاطات الاستعمارية الصهيونية في فلسطين، وهو ما دفع الحركة الصهيونية، آنذاك، إلى إلغاء مقاطعتها للنظام النازي.

    إن نظرة فاحصة للخطاب الإسرائيلي الصهيوني الراهن تؤكد بأن هذا الخطاب لم يتغير جوهرياً بعد سبعة وخمسين عاماً من إقامة دولة إسرائيل، دلالة على استمرار المنطلقات الأيديولوجية العنصرية للحركة الصهيونية، رغم كل المنعرجات التي مر بها الصراع الفلسطيني العربي ـ الإسرائيلي، والتغيرات الكبيرة التي طرأت على النظام العالمي.

    فالبنية المجتمعية الإسرائيلية ما زالت محكومة إلى نظام اضطهاد مركب يعيد إنتاج نفسه، اضطهاد احتلالي استعماري استيطاني يمارس ضد الفلسطينيين ويطال بأطماعه ونزعاته للهيمنة العرب عامة، واضطهاد قومي ضد فلسطينيي مناطق 1948على أساس عرقي وقومي وديني، واضطهاد إثني وعرقي وثقافي يمارسه "الأشكناز" على اليهود الإسرائيليين الشرقيين "السفارديم"، لأنهم، حسب الخطاب المركزي الأوروبي المؤسس عليه الخطاب الصهيوني، يشتركون مع الفلسطينيين في النظرة إليهم كـ "متخلفين عن العصر الحديث، تجب ترقيتهم". والسفارديم، بدورهم، يشكلون رأس حربة في اضطهاد الفلسطينيين. إن هرمية الاضطهاد الإسرائيلي المركب تولدها طبيعة المجتمع الإسرائيلي، بسبب من استمرار سعيه لتكريس نفسه كمجتمع كولونيالي ـ عرقي، كما دعت وتدعو الأيديولوجية الصهيونية، أنتج وينتج ذات الأفكار القومية الشوفينية التي برر بها كل العنصريين في العالم جرائمهم ضد الإنسانية، وتمارسها اليوم إسرائيل بحق الفلسطينيين. وهذا يغلق الباب أمام مراجعة تاريخية حقيقية وجذرية وضرورية للسردية التاريخية الصهيونية وخطابها التلفيقي. ويبدو أن اعتراف الصهيونية بمسئوليتها عما حاق ويحيق بالفلسطينيين من كوارث ما يزال بعيد المنال، لأنها باقية على وظيفتها التي خلقت من أجلها، إنتاج الكوارث لا منعها.

    أيار/مايو 2005



رجوع للصفحة الرئيسية





Since 1st July 2000

E- mail : almassar@p-ol.com
www.almassar.com
Al-Massar
Published by al - Massar Studies Center
P.O.B 1991 Ramallah ( Palestine )
Telefax 9722 - 2980162

How to view PDF files

Acrobat Reader

This site is designed by InterTech Co.