في الأول من آذار/مارس 2005، تم في مدينة مونتيفيديو، عاصمة جمهورية أوروغواي الأميركية الجنوبية، تنصيب تاباري رامون فاسكيس رئيساً للجمهورية، بعد أن انتخب بأغلبية الأصوات منذ الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية متعددة المرشحين التي جرت في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي.
أول رئيس يساري لأوروغواي...والـ"توباماروس" في السلطة
وبذلك، يكون فاسكيس الرئيس اليساري الأول الذي يصل الى رأس السلطة في هذا البلد، الذي تقاسم الحكم فيه خلال أكثر من قرن ونصف القرن من الزمن حزبان تقليديان (بلانكوس وكولورادوس) اتبعا سياسة محافظة داخلياً وخاضعة للولايات المتحدة خارجياً. وذلك في مرحلة تاريخية ساد فيها "مبدأ مونرو"، المبدأ الذي يحمل اسم أحد الرؤساء الأميركيين في مطلع القرن التاسع عشر، والقاضي باعتبار مجمل القارة، بشمالها ووسطها وجنوبها، منطقة نفوذ للولايات المتحدة.
والرئيس الجديد لأوروغواي جاء على خلفية موجة من الإستياء الشعبي العارم بسبب الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي عصفت بالبلد وبمعظم القارة الجنوبية بين العامين 1999 و2003 بفعل سياسات "الليبرالية الجديدة" والعولمة الرأسمالية التي تتبناها وتنصح بها وصفات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.
والى جانب الرئيس الجديد لأوروغواي، نجحت في انتخابات أواخر العام المنصرم أحزاب يسارية، بعضها مارس الكفاح العنيف في الماضي، في السيطرة على مجلسي الشيوخ والنواب، من خلال ما سمي بـ"الجبهة العريضة"، التي ضمت الشيوعيين والاشتراكيين وورثة حركة "توباماروس"، التي اشتهرت في ستينات ومطلع سبعينات القرن المنصرم بأعمالها العنيفة في المدن ضد الفاسدين وسلطتهم ولمصلحة الفئات الفقيرة والمستغلة من الشعب، التي كانت توزع عليها الأموال والمواد العينية التي يجري الاستيلاء عليها في عمليات فدائيي هذا التنظيم.
وبهذا الانتصار الانتخابي الواسع لتكتل اليسار، أصبح خوسيه موهيكا، الذي أمضى 15 عاماً في سجون الرجعية والدكتاتورية وقضى قسماً منها في بئر ماء قديم، أصبح رئيساً لمجلس الشيوخ... في حين أصبحت نورا كاسترو، من قيادات حركة التحرر الوطني "توباماروس"، رئيسة لمجلس النواب. والأخيرة، وهي أول إمرأة تحتل هذا الموقع في تاريخ البلد، صرحت لصحيفة "لوموند" الفرنسية في عددها الصادر في 1/3/2005 بأنها لا زالت من "توباماروس"، بالرغم من أن هذا التنظيم غيّر من أساليب عمله وتقدم للانتخابات النيابية تحت اسم آخر هو "حركة المشاركة الشعبية". وقد تمكن من تحقيق أفضل النتائج بين أحزاب "الجبهة العريضة" المؤتلفة حيث حصل وحده على 30% من أصوات الناخبين.
هذا، وشارك في الاحتفال بتنصيب الرئيس الجديد لأوروغواي رئيس فنزويلا، أوغو تشافيس، الغني عن التعريف بسبب جرأته وشعبيته الاستثنائية، التي جعلته ينتصر في تسع معارك انتخابية في ظرف سبع سنوات، ودفاعه عن فقراء شعبه ومواجهاته المتكررة والمتصاعدة مع سياسات الولايات المتحدة. كما حضر رئيس البرازيل المجاورة، اليساري والنقابي السابق لويس إنياسيو داسيلفا المشهور بلقب "لولا"، وكذلك رئيس الارجنتين المجاورة اليساري أيضاً، نستور كيرشنير، وغيرهم من الجيل القيادي اليساري الجديد الصاعد في أميركا اللاتينية منذ أواخر القرن المنصرم. أما كوبا، الدولة التي شكلت مصدراً للوحي والمعاضدة لكل حركات اليسار في أميركا اللاتينية خلال العقود الماضية، فقد تمثلت في الاحتقال بوزير خارجيتها، بعد أن اعتذر الرئيس الكوبي فيديل كاسترو عن الحضور بسبب وعكة صحية.
ثلاثة أرباع أميركا الجنوبية في ظل أنظمة يسارية
وهكذا، يصبح ثلاثة أرباع سكان أميركا الجنوبية، وهم زهاء الـ370 مليون نسمة، يعيشون في ظل أنظمة يسارية، كلها جاءت عن طريق الانتخاب الديمقراطي، وبتأييد شعبي واسع، وتحت شعارات مكافحة الفقر ومواجهة سياسات العولمة الرأسمالية و"الليبرالية الجديدة" ووصفات البنك الدولي وصندوق النقد. وحتى تشيلي، التي يحكمها حالياً نظام تقدمي معتدل، من المتوقع أن يفوز اليسار فيها في الانتخابات القادمة، كما في بوليفيا، وحتى المكسيك، ثاني أكبر بلد في أميركا اللاتينية بعد البرازيل، والجار الجنوبي المباشر للولايات المتحدة.
ولا شك أن بإمكان الطبيب الارجنتيني الذي شارك في قيادة الثورة الكوبية، ارنستو غيفارا المعروف بلقب "تشي"، والذي استشهد في العام 1967على أيدي رجال المخابرات المركزية الأميركية وأعوانهم المحليين وهو يحاول تنظيم صفوف المناضلين ضد البؤس والفقر والاستغلال الخارجي الأميركي الشمالي في بلد أميركي جنوبي فقير، هو بوليفيا، بامكانه أن يستريح في قبره، ويعتبر أن تضحيته الكبرى وتضحيات العديد من الثوار مثله في هذه القارة المنكوبة طوال عقود عديدة بالتدخلات الأميركية الشمالية وبالديكتاتوريات العسكرية الدموية، هذه التضحيات لم تذهب سدى، والرسالة التي أراد إيصالها باستشهاده قد وصلت.
ولا يمكن أن نفصل هذا الانجاز لإرنستو تشي غيفارا ما بعد استشهاده عن الدور الكبير الذي لعبه ويلعبه في إبقاء جذوة اليسار وتطلعاته التحررية حية في هذه المنطقة رفيق سلاحه وقائد ثورة كوبا الأول، فيديل كاسترو، الذي استوعب متطلبات وشروط نجاح قوى اليسار والتقدم في عصر العولمة الرأسمالية، ولم يسع الى إعادة انتاج النموذج الكوبي الخاص، غير القابل للتكرار، والذي يكفيه فخراً هذا الدور التاريخي الذي لعبه باحتضان ودعم كل مدارس اليسار وحركاته المتجددة والجديدة وتشجيعها على ابتداع الأشكال المناسبة من النضال والتنظيم التي تتلاءم مع تطورات الأوضاع في القارة والعالم.
فقد أثبت كاسترو، رغم الانهيارات التي وقعت في الاتحاد السوفييتي السابق ودول أوروبا الشرقية والتي كلّفت كوبا الكثير من المصاعب الاقتصادية والمعيشية بعد أن اعتمدت طويلاً على التبادل والتكامل الاقتصادي مع هذه الدول في المنظومة التي عرفت باسم "كوميكون"، أن التاريخ لم ينته في أميركا اللاتينية بانتصار الولايات المتحدة في "الحرب الباردة"، وأن شعوب القارة الفقيرة والمستغلة من جارها الشمالي المتجبّر قادرة على التأقلم مع الظروف الدولية الجديدة، ليس بمعنى الرضوخ والتسليم بواقع جديد، مؤقت حتماً، هو واقع التفرد الامبراطوري الأميركي بالنفوذ الكوني، وانما بمعنى ابتداع أشكال جديدة من التنظيم والعمل النضالي لمواصلة مهمات التحرر والتطور وانتصار الانسان في المعركة ضد الظلم والاستغلال والجشع حتى تتحقق أهداف شعوب القارة بالحرية الحقيقية وديمقراطية الغالبية الساحقة من الشعب وليس القلة الثرية المتنفذة.
***
فهل تشهد مناطق أخرى من العالم تحولات شبيهة بتلك التي حصلت في السنوات الأخيرة في أميركا اللاتينية؟
إذن، "نهاية التاريخ" لم تقع!
وهكذا يتبين أن الواقع، كما نراه اليوم في هذا العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، مختلف تماماً عما استخلصه بعض منظّري اليمين الأميركي وغير الأميركي (من نمط فرانسيس فوكوياما، صاحب كتاب "نهاية التاريخ"، الذي صدر في مطلع التسعينات الماضية) من أن نهاية "الحرب الباردة" وانهيار الاتحاد السوفييتي وحلفائه في أوروبا الشرقية شكّلت انتصاراً نهائياً للنموذج السياسي والاقتصادي الرأسمالي الليبرالي الغربي، السائد في شمال القارة الأميركية ومعظم اوروبا وبعض البلدان الأخرى المتطورة اقتصادياً في العالم.
فالصورة التي تعطيها أوضاع الخارطة العالمية الآن، كما رأينا بالنسبة للقارة اللاتينية، بعيدة تماماً عن ذلك التنظير المتسرع والسطحي لديمومة وثبات النظام الاقتصادي – السياسي الرأسمالي، كما تبلور في نهايات القرن العشرين.
فالحروب التي شنتها الإدارة الأميركية تحت يافطة "القضاء على الإرهاب" في افغانستان والعراق، وبأشكال متنوعة أخرى في مختلف أنحاء العالم، كما الحروب الداخلية والإقليمية التي انتشرت وتنتشر في أنحاء الكرة الأرضية، مترافقة مع تفاقم الفقر والبؤس في مناطق عديدة من العالم، بدء بأفريقيا السوداء، وحتى في البلدان الرأسمالية المتطورة نفسها، حيث تفاقمت نسب البطالة وحالات التهميش الاقتصادي والاجتماعي، فيما تكدست الثروات وتزايدت في أيدي عدد قليل ويزداد قلة من الناس في هذه البلدان، كلها تؤشر الى أن التاريخ لا زال "مفتوحاً"... وأن صراعاته ما زالت قائمة، إن لم تكن تتفاقم، بعد انهيار النموذج السوفييتي للتطور الاشتراكي وتفرد الولايات المتحدة بالنفوذ والقوة الكونية على امتداد الكرة الأرضية.
ومن يراقب تطورات السنوات القليلة الأخيرة يدرك أن لا صحة، بالتأكيد، للرأي القائل بقدرة الولايات المتحدة على إحكام سيطرتها على أوضاع العالم الراهن ومناطقه الاستراتيجية، كما يتضح مما يجري اليوم في أفغانستان والعراق... خاصة، ونحن نرى بوادر صعود قوى عالمية جديدة، وفي المقدمة الصين، الى جانب تحولات ملموسة في روسيا ما بعد الاتحاد السوفييتي باتجاه استقلالية أكبر عن المشروع التابع للغرب الذي ساد في مطلع التسعينات، علاوة على ظواهر العداء الشعبي العالمي المتزايد للمشروع والسياسات الامبراطورية التوسعية الأميركية، كما ظهر ابان التظاهرات المناهضة للحرب على العراق، وكما يظهر في استطلاعات الرأي المتلاحقة، حتى في البلدان التي تتحالف حكوماتها مع واشنطن في الحرب العراقية، مثل بريطانيا وإيطاليا.
ويمكن للمراقب المدقق في الوضع والمعطيات العالمية الحالية أن يرى بوضوح شديد بأن الوضع القائم منذ العام 1991 لم يحقق، خلاف ما روّجت الإدارة الأميركية في حينه، "نظاماً دولياً جديداً" مستقراً لفترة من الزمن قائماً على سيطرة دولة كبرى وحيدة. فالاستقرار العالمي النسبي كان أقوى وأفعل بين العامين 1945 و1991، حين كانت الثنائية القطبية الأميركية – السوفييتية هي مصدر التوازن واحتواء الأزمات الدولية الكبرى واعتماد اللجوء الى المؤسسات الدولية الجامعة، وخاصة منظمة الأمم المتحدة، لمعالجتها أو منع مساسها بالسلام العالمي، بالرغم من حدوث العديد من الحروب المحلية والثورات والتدخلات العسكرية والمخابراتية الأميركية في بلدان العالم، من كوريا وغواتيمالا وإيران الى فييتنام وإندونيسيا وتشيلي وغيرها وغيرها. كما كان أفعل أيضاً ذلك الاستقرار النسبي الذي شهده النظام العالمي خلال معظم القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين بعد هزيمة الفرنسي نابليون بونابارت في العام 1815 في معركة واترلو وحتى اندلاع الحرب العالمية الأولى في العام 1914، وهي حقبة تميزت بدور مؤثر لبريطانيا، لكن مع حضور ومشاركة قوى أوروبية وعالمية أخرى في تقاسم النفوذ، بما في ذلك في عملية التوسع الاستعماري الكبير الذي حصل في تلك الحقبة.
تناقضات النظام السائد بعد الانهيار السوفييتي لم تنحسر، بل تفاقمت
وهكذا، يبدو واضحاً أن التناقضات العديدة في النظام الرأسمالي العالمي، التي قادت الى الأزمات الاقتصادية والسياسية الداخلية والى الثورات والحروب الكبرى في القرنين الماضيين، لم تتبخر أو تختف أو تتراجع حدّتها، بحيث تنحسر وتتلاشى تدريجياً التيارات والقوى المعارضة للنظام الرأسمالي أو لبعض إفرازاته الأكثر فجاجة، من مواقع يسارية، كما كان يأمل منظّرو "النظام العالمي الجديد".
فاذا كان انهيار التجربة السوفييتية وتجارب الدول الأوروبية الشرقية الحليفة له في محاولة بناء نموذج بديل عن النظام الرأسمالي السائد عالمياً قد أدى، بلا شك، الى الكثير من الإرباك والإحباط في صفوف قطاعات واسعة من قوى وتيارات اليسار في العالم، وخاصة في عالمنا الثالث الذي شكّل وجود الإتحاد السوفييتي عنصر توازن مهم بالنسبة له في مواجهة الهجمات والمطامع الإستعمارية والامبريالية طوال سبعة عقود ونيّف، فإن غياب التوازن الراهن لم يجعل غالبية شعوب وقطاعات العالم أكثر حماساً للنظام الرأسمالي، خاصة مع اتضاح الأوهام التي بنيت على إمكانيات التنمية في العالم الثالث في ظل العولمة المتزايدة لهذا النظام وسيادة النموذج الاقتصادي الذي بدأ "مبشّرو الليبرالية الجديدة" (وخاصة مارغريت ثاتشر البريطانية ورونالد ريغن الأميركي) بتطبيقه والترويج له في الربع الأخير من القرن العشرين.
فالأزمات التي شهدتها آسيا الشرقية والجنوبية الشرقية في السنوات الثلاث الأخيرة من القرن العشرين، والتي أدت الى انهيار اقتصاد عدد من الدول التي كانت تسمى بـ"النمور الآسيوية"، مثل اندونيسيا، ثم الانهيارات المالية التي شهدتها بلدان أميركا اللاتينية (الأرجنتين، بعد المكسيك، وبلدان أخرى غيرهما)، وتفاقم الفقر والهوة الاجتماعية في معظم هذه البلدان، وحتى، وإن بشكل أقل مأساوية، في البلدان الرأسمالية المتطورة نفسها... فتحت كلها المجال أمام تنامي أشكال متنوعة من المعارضات المتنامية للنظام الرأسمالي المعولم والنموذج الاقتصادي النيو- ليبرالي. وهو ما ظهر بجلاء في السنوات الأخيرة من القرن المنصرم مع البروز الصاخب للحركات المناهضة للعولمة الرأسمالية في مناطق واسعة من العالم.
وحركات مناهضة العولمة الرأسمالية تنامت ووسعت تحركاتها
وبغض النظر عن التنوع الكبير في المشارب الفكرية والسياسية والاجتماعية لهذه الحركات، وبمعزل عن تعدد الاهتمامات وزوايا الرؤية للوضع السائد في العالم، فهي، أي مجمل هذه الحركات الاعتراضية هي، عملياً وموضوعياً، جزء لا يتجزأ، وجزء متزايد الأهمية، من الحركة اليسارية العالمية المناهضة للنظام الرأسمالي المعولم.
وحتى حركات أنصار البيئة، "الخضر"، التي برزت بشكل صاخب أيضاً قبل زهاء العقدين من الزمن، في ألمانيا الغربية بأشكالها الاولى المرئية، حتى هذه الحركات، التي كانت في البداية بعيدة عن ربط تدهور البيئة البشرية الكونية بالنظام السياسي والاقتصادي السائد، أي كانت تبتعد عن التصنيفات السياسية الرائجة حين ظهورها، حتى هذه الحركات لا يمكن إلا أن تعتبر شكلاً جديداً من أشكال الاعتراض التقدمي على النظام الرأسمالي.. خاصة بعد أن شهد العالم في ما شهد في الأعوام الأخيرة بلداً بحجم وثراء الولايات المتحدة يختار مصالح احتكاراته وأثريائه الكبار على حساب مصلحة البشرية وأجيالها القادمة، عندما رفضت واشنطن، مثلاً، التوقيع على بروتوكول كيوتو (1997) القاضي بالحد من انبعاث الغازات الضارة والصناعات الملوثة للبيئة والتي تهدد بالمساس بغلاف الكرة الأرضية الطبيعي وزيادة حرارة الأرض، وهو ما بدأت بوادره الأولى بالظهور في أنحاء العالم في السنوات الأخيرة في جملة من الكوارث الطبيعية غير المألوفة.
***
ولا بد من القول، في المحصلة، أن رأسمالية اليوم المعولمة، والتي طوّرت بشكل هائل وسائل الانتاج والمواصلات والاتصالات، وسخّرت الاكتشافات العلمية الواسعة لتحقيق أهدافها، وخاصة خلال القرن الأخير، هذه الرأسمالية ما زالت، رغم كل هذه التطورات الهائلة، تحتفظ بسماتها الرئيسية التي تحدث عنها العالمان الألمانيان كارل ماركس وفريدريش انغلز قبل زهاء القرن ونصف القرن من الزمن في كتاباتهما الشهيرة، وخاصة في ما يتعلق بمركزية زيادة الربح بالنسبة لأصحاب رأس المال وبالتالي حتمية مواصلة وتفاقم استغلال القوة البشرية لتحقيق هذه الزيادة على حساب أصحاب هذه القوة، أي الغالبية الساحقة من البشر الذين لا يملكون رأس المال ويضطرون لبيع قوة عملهم لتأمين وسائل عيشهم.
لا بل إن هذه الرأسمالية ازدادت عدوانية وشراسة واستغلالاً لشعوب العالم وقطاعاته الأفقر في ربع القرن الأخير خاصة، في العصر الذي اصطلح على تسميته بالعولمة، والذي عبّرت عنه بجلاء سياسات رئيسة الوزراء البريطانية منذ العام 1979 مارغريت ثاتشر والرئيس الأميركي رونالد ريغن (1981-1989) الاقتصادية الـ"نيوليبرالية" الداعمة للشركات العملاقة المتعدية للحدود والجنسيات. فقد ازدادت نسبة الفقر والبؤس في انحاء العالم الثالث، كما رأينا بالنسبة لأميركا اللاتينية. ووصل الوضع في افريقيا السوداء الى حد انهيار وتفكك دول ومناطق كاملة وغرقها في حروب ومجازر داخلية واقليمية ومجاعات وأوبئة متفاقمة.
وحتى في البلدان الرأسمالية المتطورة نفسها، ازداد الأثرياء ثراء فيما انتشرت واتسعت نسبة البطالة والتهميش الاجتماعي لقطاعات واسعة من جماهير العمال والموظفين الذين قذفتهم ماكينة الربح الأقصى على قارعة الطريق وهامش المجتمع. وقد أقرّ بعض محللي مؤسسات رأسمالية كونية مثل البنك الدولي بهذه الحقيقة، عندما اعترفوا في بعض تقاريرهم بأن نسبة الفقر والبطالة ازدادت في البلدان التي شهدت تطبيقاً للوصفات النيوليبرالية، في العالم الثالث خاصة.
يقول فاوستو بيرتينوتّي، الأمين الوطني (الأمين العام) لحزب إعادة التأسيس الشيوعي في إيطاليا، في مقال نشره في صحيفة "ذي غارديان" البريطانية في شهر آب/أغسطس من العام 2003:
" إن العولمة الرأسمالية تحتوي بالعمق على عناصر تراجعية تدفع باتجاه أزمة حضارية حقيقية. والرد الوحيد الممكن ليس إصلاحياً، وانما إعادة تشكيل جذرية للسياسات كعملية على مستوى العالم كله، وبالتالي إعادة بناء أداة التغيير: إعادة توصيف الطبقة العاملة... لقد انتصر اليمين في أنحاء العالم لأن لديه هيمنة استراتيجية. فإدارة بوش في الولايات المتحدة تعتمد على التدخلات العسكرية والنيوليبرالية المفرطة والأصولية الدينية. والحرب لم تعد حدثاُ استثنائياً خارجاً عن المألوف، حيث تحولت الى عنصر بنيوي و"لا نهاية له"... والإمكانية الوحيدة لمواجهة التطرف اليميني تكمن في توفير البديل: بديل السلام ضد الحرب، ونموذج جديد لمجتمع بديل ضد النيوليبرالية. وهو ما لا يعني ضرورة وضع برنامج مفصل، أو توحيد قوى سياسية قائمة... بل يعني البدء من المصدر الرئيسي المتوفر، وهو الحركة المناهضة للعولمة الرأسمالية."
ويضيف: "إن الحركة المناهضة لهذه العولمة هي الحركة الأولى التي تشكل قطيعة مع القرن العشرين بكل حقائقه وأوهامه. وحالياً، هي المنبع الرئيسي لسياسات البديل عن اليمين الكوني"... ويستشهد بتظاهرات 15/2/2003 ضد الحرب الأميركية، المتوقعة آنذاك، على العراق، وهي التظاهرات التي شارك فيها مئة مليون انسان في انحاء العالم، واعتبرتها صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية في تعليق لها مؤشراً على "ميلاد قوة عظمى جديدة"، هي الشارع والرأي العام العالمي.
***
وبالفعل، تشهد الحركات المناهضة للعولمة الرأسمالية في عموم العالم اتساعاً ملحوظاً في نطاق نشاطاتها وتحركاتها الميدانية، التي ظهرت بقوة في الشارع منذ العام 1999 خاصة، مع التظاهرات العنيفة التي شهدتها مدينة سياتل في شمال غرب الولايات المتحدة في أواخر ذلك العام. كما تشهد ظهور أنماط جديدة من التنظيمات وأطر التنسيق في ما بينها، من نمط حركة "أتّاك" التي ظهرت في فرنسا قبل سبع سنوات ثم امتدت الى العديد من البلدان الأخرى، وكلها حركات، على تنوع مشاربها الفكرية والسياسية واهتماماتها، تصبّ، في المحصلة، في الاعتراض الواسع على مستوى الكون على النظام الرأسمالي المعولم وحروبه الاجتياحية وإفقاره المتزايد لشعوب وقطاعات واسعة من البشر في أنحاء العالم.
وإذا أضفنا الى تلك التحركات الواسعة هذه التجارب اليسارية الجديدة التي تحدثنا عنها في أميركا اللاتينية، وفي بلدان أخرى من العالم، كالهند، التي حققت فيها قوى اليسار (وفي المقدمة الحزب الشيوعي الماركسي وحلفاؤه) في الانتخابات الأخيرة التي جرت في ربيع العام 2004 نتائج متقدمة، جعلته يصبح حليفاً لا غنى عنه لحزب المؤتمر لتأمين الأغلبية الضرورية، وإن من دون الاشتراك المباشر في الحكومة. ومعروف أن حزب المؤتمر هو الذي قاد حركة تحرر شعوب الهند ضد الاستعمار البريطاني في النصف الأول من القرن العشرين، وهو الذي حكم الهند منذ استقلالها في العام 1947 بشكل شبه متواصل، مع بعض التقطعات من نمط حكم اليمين الهندوسي المتطرف الذي مثّله حزب "بهاراتيا جاناتا" بين العامين 1998 و2004 والذي سعى الى تطبيق سياسات نيوليبرالية على الصعيد الاقتصادي والى جرّ الهند الى تحالفات دولية مختلفة عن تلك التي كانت قائمة منذ الاستقلال، وخاصة مع الولايات المتحدة.
***
الصراع يستمر، إذن، ويتخذ أحياناً أشكالاً مغلفة بأيديولوجيات تقليدية وغير ناضجة سياسياً ( تارة تحت يافطات دينية متشددة، وتارة أخرى تحت مظاهر قومية متعصبة، الخ...)، لكنها معبرة عن تفاقم التناقض بين نظام العولمة الرأسمالية العالمي، من جهة، وفي المقدمة الولايات المتحدة، من جهة، وغالبية شعوب الأرض وقطاعات واسعة من الحركة الديمقراطية الشعبية والقوى المتقدمة في المجتمعات الرأسمالية نفسها، من الجهة الأخرى.
***
لم تنضج بعد شروط تحقيق انتصارات حاسمة... ولكن الانجازات بالتراكم
لكن ينبغي القول أنه، رغم الانتصارات التي أشرنا إليها في أميركا اللاتينية ومناطق أخرى من العالم، لسنا بعد أمام نضوج شروط تحقيق انتصارات حاسمة لهذه الحركة الشعبية الكونية، وخاصة في منطقتنا العربية والشرق متوسطية، التي تشهد أشرس حروب الهيمنة الأميركية على ثروات شعوبها. فالنظام الرأسمالي العالمي ما زال قوياً ومدججاً بكل الأسلحة المادية والثقافية - الايديولوجية الفتاكة، وما زالت المعركة معه طويلة نسبياً... ولكنها معركة تتراكم فيها النقاط، وتنفتح في النهاية الآفاق لإنجازات أكثر ملموسية وأكثر وضوحاً. وإن كان الخيار الاشتراكي، بالمفهوم الذي انطلقت تحت رايته ثورة اكتوبر 1917، ما زال خياراً يحتاج الى عملية إنضاج ستأخذ حتماً بعض الوقت.
وفي كل الأحوال، فإن النظام الاشتراكي المأمول، في حلته الجديدة، يجب أن يكون نظاماً متفوقاً على النظام الرأسمالي على كل الصعد، وليس فقط على صعيد العدالة النسبية في توزيع الثروة. حيث ينبغي أن يكون أرقى وأكثر تطوراً وحرية وديمقراطية من أكثر الأنظمة حرية وديمقراطية في العالم الرأسمالي، كما قال لينين في كتابه الشهير "الدولة والثورة". وفي هذا السياق، ينبغي النظر الى التجربة السوفييتية كما نظر كارل ماركس الى تجربة كومونة باريس في كتابه الشهير عنها بعد نجاح البورجوازية الفرنسية في القضاء الدموي عليها في العام 1871. أي أنه ينبغي العمل على دراسة التجربة السوفييتية بأدوات علمية صارمة، والتدقيق في عوامل النجاح والفشل في مراحلها المختلفة، واستخلاص العبر للتجارب القادمة، التي ستكون بالضرورة أكثر تطوراً ونضجاً، بهدف تحقيق البديل الانساني المتطور للنظام الرأسمالي الاستغلالي والعدواني السائد في مرحلة العولمة الراهنة.
ومع إبقاء هذا الهدف أمام الأعين كهدف طويل الأمد نسبياً، يبقى من الممكن والضروري تحقيق نتائج جزئية في الصراعات المستمرة والدائمة مع النظام الامبريالي العالمي، واتباع تكتيكات سياسية تراكم المكاسب لصالح الحركة الشعبية التحررية وحركة التقدم والاشتراكية، حتى تنضج الظروف لبزوغ نموذج متطور جديد لنظام اشتراكي يحقق للإنسان كل الحقوق والحريات الديمقراطية، وكل شروط الحياة الكريمة والحرة، وأقصى درجات العدالة الاجتماعية... في الطريق الى الحلم الأكبر للبشرية منذ عصور مديدة، حلم بناء المجتمع الخالي من التمييز والاستغلال والقهر، والذي تزدهر فيه كل طاقات الإنسان، كل إنسان، وتنعم البشرية أخيراً بحرية حقيقية، غير تلك الحرية المنافقة والمخادعة التي يروج لها "الرومان الجدد"، ويخوضون حروبهم العدوانية والنهّابة تحت يافطتها، لتضمن لهم وحدهم حرية استغلال ومصادرة حقوق الشعوب وإستنزاف سكانها لصالح احتكاراتهم ... حرية رأس المال وأصحابه في النهب والاستغلال، مقابل حرية ضحايا هذا النظام في المعاناة بلا حدود وبلا آفاق لتجاوز هذه المعاناة، تحت شعار نموذجية وكمال النظام السياسي الرأسمالي، و"نهاية التاريخ" عند نموذجه الأوحد للحياة على هذا الكوكب.
فلا تجاوز لبؤس الغالبية الساحقة من البشرية، سواء أكان البؤس مادياً معيشياً أو معنوياً، كما هو حال العاطلين عن العمل وقطاعات أخرى مهمشة في المجتمعات الرأسمالية المتطورة، إلا بتحقيق هذه "الجنة على الأرض"، كما كان شعار بعض منتفضي الحركات الشعبية في الستينات الماضية، الجنة للجميع وليس فقط لشريحة صغيرة من البشر تستمتع وحدها بثمرة تعب وجهد الغالبية الكبرى من شعوب العالم والشغيلة المنتجين، الذين بالكاد أحياناً يجدون ما يسد رمقهم ورمق عائلاتهم، ،إن لم يكونوا ضحايا المجاعات والأوبئة والإفقار المتزايد وحروب الجشع والهيمنة الامبراطورية.
آذار/مارس 2005
رجوع للصفحة الرئيسية