يقول المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس في مقابلته الشهيرة مع الصحفي آري شافيت والمنشورة في صحيفة "هآرتس" بتاريخ 9/1/2004: "إن كانت نهاية القصة ستكون سيئة من وجهة النظر اليهودية، فإن سبب ذلك يعود إلى أن بن غوريون لم يكمل الترانسفير عام 1948، لأنه أبقى مخزوناً ديموغرافياً كبيرا ومتفجراً في الضفة وغزة وداخل إسرائيل نفسها"...

قامت قوات الاحتلال الاسرائيلية منذ أواخر آذار/مارس 2002، أبان إعادة احتلال مدن الضفة الغربية، بعدد من الاجتياحات لمقر مركز المسار للدراسات والنشر في رام الله، والذي تصدر عنه صحيفة "المسار"، وقامت بتدمير ومصادرة الأرشيف وبعض الأجهزة الرئيسة. وقد توقفت الصحيفة منذ ذلك الحين عن الصدور كصحيفة نصف شهرية توزع في أنحاء الأراضي الفلسطينية، بعد أن صدر منها 118 عدداً بانتظام منذ نيسان/أبريل 1997 وحتى آذار/مارس 2002. ومنذ ذلك الحين، يصدر مركز المسار للدراسات والنشر هذه الصفحة على شبكة الانترنت.



الأسناد الضروري لنضال فلسطينيي 1948 دفاعاً عن الأرض والحقوق

    نايف حواتمة
    (الأمين العام
    للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين)

    يقول المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس في مقابلته الشهيرة مع الصحفي آري شافيت والمنشورة في صحيفة "هآرتس" بتاريخ 9/1/2004: "إن كانت نهاية القصة ستكون سيئة من وجهة النظر اليهودية، فإن سبب ذلك يعود إلى أن بن غوريون لم يكمل الترانسفير عام 1948، لأنه أبقى مخزوناً ديموغرافياً كبيرا ومتفجراً في الضفة وغزة وداخل إسرائيل نفسها".

    ويضيف في إجابته على سؤال لاحق : "إن عرب إسرائيل هم قنبلة موقوتة، وانزلاقهم نحو فلسطنة كاملة حولتهم إلى امتداد للعدو في داخلنا. ومن حيث القدرة، فإنهم طابور خامس ديموغرافي وأمني على حد سواء ويمكنهم تقويض الدولة. وهكذا، إذا وضعت إسرائيل مرة أخرى في وضع تتعرض فيه لخطر وجودي كالذي كان عام 1948، يمكن أن تضطر للعمل مثلما فعلت آنذاك .... فإن الإبعاد يغدو مبرراً ".

    وبعيداً عن لاأخلاقية ما قاله بيني موريس، فإن أخطر ما فيه أنه يؤشر إلى ما يخطط له إسرائيلياً ضد الفلسطينيين الذين تمكنوا من البقاء على أراضيهم المحتلة في العام 1948 تحت دعوى "حق إسرائيل المزعوم في الحفاظ على طابعها كدولة يهودية". وخطر فلسطينيي 48 من وجهة النظر الصهيونية (الإسرائيلية) كامن في سعيهم للحفاظ على هويتهم القومية المتميزة. وقد تمكنوا من ذلك بامتياز على مدار ستة وخمسين عاماً، وتركيز نضالهم على المطالبة بحق المساواة القومية تحت شعار " دولة لكل مواطنيها "، وكذلك في مؤشرات التحول الديمغرافي الذي سيعصف بإسرائيل مستقبلاً في ظل زيادة سنوية بنسبة تقدر بـ 1.4% لليهود مقابل 3.4% لفلسطينيي 48، وذلك حسب التقرير السنوي الصادر عن دائرة الإحصاء المركزية (الإسرائيلية) للعام 2002. في حين، وحسب نفس التقرير، بلغ صافي عدد المهاجرين 12600 فقط، وهو ناتج المقاصة بين عدد الوافدين (33600) والهجرة المعاكسة (21000)، وفي هذا تراجع بنسبة 23% عن العام الذي سبقه.

    لقد بدأت المخططات الإسرائيلية لتذويب الشخصية الوطنية لفلسطينيي 48 منذ اللحظات الأولى لإقامة دولة إسرائيل على حساب الحقوق التاريخية المشروعة لشعب فلسطين. وأقدمت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على مصادرة أكثر من مليون دونم من أراضي القرى العربية المتبقية في المثلث والجليل، فضلاً عن مصادرة أراضي النقب، وذلك عبر العشرات من القوانين والأوامر العسكرية التي منعت أيضاً الفلسطينيين من البناء والتوسع الطبيعي في أرضهم. كل هذه الممارسات الإسرائيلية دفعت إلى المواجهة الحتمية، التي وقعت فعلاً، وكانت ذروتها في الثلاثين من آذار 1976. لكن السبب المباشر وراء انتفاضة يوم الأرض كان قرار وزارة المالية الإسرائيلية الصادر بتاريخ 29/2/1976 والقاضي بمصادرة 21 ألف دونم من أراضي فلسطينيي الجليل، لإقامة ثماني قرى صناعية يهودية عليها، تطبيقاً لخطة الحكومة الإسرائيلية المسماة بخطة "تطوير الجليل" (اقرأ تهويد الجليل)، والصادرة في العام 1975. ولم تتورع وزارة الزراعة الإسرائيلية من الإعلان صراحة أن الهدف الأول من وراء خطة التطوير هذه هو تغيير الوضع الديمغرافي لمنطقة الجليل، بما يُمَكّن من إيجاد أكثرية يهودية فيها.

    إن إعلان وزارة الزراعة الإسرائيلية يفضح ويعري سياسات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة حيال فلسطينيي 48، والتي قامت على ركائز عنصرية أبرزها :

    ** تدمير منهجي للمجتمع الفلسطيني، ومنع تطوره، وتدمير بنيته الاقتصادية التحتية، التي يغلب عليها الطابع الزراعي، وتحقيق هذا من خلال مصادرة الأرض. وفي هذا السياق يندرج أيضاً منع التوسع العمراني بما يتناسب مع حاجات الزيادة السكانية، ومنع تطوير البنية التحتية ومرافق الخدمة العامة، وبالتالي تحويل قوة العمل لفلسطينيي 48 إلى قوة عمل مأجورة في سوق العمل الإسرائيلية، لا تجد فرصتها إلا في قطاعات الإنتاج والخدمات الهامشية. وهذا كله أثّر ويؤثر في النهاية على بلورة هوية وطنية مستقلة وفاعلة، تقود إلى نضال من أجل انتزاع حقهم في المساواة القومية مع اليهودالإسرائيليين.

    إن شرط بقاء بنية مجتمعية متماسكة تبلور هوية وطنية، وتنتج ثقافة هو استقرار وتواصل تؤمنهما العلاقة مع الوطن – الأرض. لذلك، فإن نزع الأراضي المتبقية في ملكية عرب 48 يقوض أساس كيانيتهم وهويتهم القومية المستقلة، ويجعل مواطنتهم منقوصة حكماً. عندها ينصرف حقهم إلى حق بالإقامة دون حق بملكية الأرض، أي تحويلهم إلى "مواطنين من الدرجة الثانية"، أقرب في الحقوق توصيفاً برعايا دولة أجنبية لهم حق الإقامة الدائمة. وحتى هذا الحق محفوف بخطر الإسقاط.

    المخططات الحكومية الإسرائيلية الموضوعة حتى العام 2020 تحكم الخناق تماماً على المدن والقرى والتجمعات العربية الفلسطينية في الجليل والمثلث والنقب والساحل الفلسطيني، ولا تدرجها في قائمة المستفيدين من مشاريع التطوير.

    ومعظم السلطات المحلية العربية لا تجد الأموال اللازمة لتقديم الخدمات الأساسية، بما عكس نفسه على مستوى خدمات التعليم والصحة والخدمات الأخرى. وهناك خطر انهيار عدد واسع من السلطات المحلية العربية، في حين تُمنح السلطات المحلية اليهودية دعماً يتعاظم سنويا بغية استكمال تهويد الأراضي الفلسطينية. والخيار المطروح أما م الكثير من السلطات المحلية العربية هو الانضواء في إطار سلطات محلية يهودية، أي تحولها إلى مجرد معازل في مناطق مهوّدة تماماً ، بما يعني تفكيك البنيان الداخلي للمجتمع الفلسطيني ونسف مقومات تماسك هويته الوطنية.

    يتم استقدام المهاجرين اليهود الجدد وتوطينهم تطبيقاً لما يسمى بـ "قانون العودة" اليهودي، في حين تواصل السلطات الإسرائيلية رفضها مجرد البحث في حل مشكلة الفلسطينيين المهجرين من أراضيهم إلى مناطق أخرى داخل إسرائيل والذين تقدر أعدادهم بمئات الألوف. والمفارقة أن السلطات الإسرائيلية رفضت الأخذ بقرارات قضائية إسرائيلية قضت بمشروعية عودتهم إلى قراهم التي هجروا منها (إفرت وكفر برعم في شمال الجليل مثلاً)، وجرى تعطيل القرارات القضائية بقرارات عسكرية، بما يعني رفض تمدد الفلسطينيين خارج التجمعات المحصورين فيها حالياً. وهنا نلاحظ بأن قوانين الطوارئ تطبق على فلسطينيي 48 دون سواهم من السكان اليهود في دولة إسرائيل، وهذا يؤشر إلى أن إسرائيل تتعامل وكأنها في حالة حرب مع فلسطينيي 48، وهي في حقيقة الأمر كذلك، حتى تجردهم من كل أراضيهم.

    منذ قيامها في العام 1948، ترفض دولة إسرائيل الأخذ بمبدأ علمانية الدولة (الفصل بين الدولة ويهوديتها)، وتعتبر أن أساس وجودها هو حفاظها على طابعها كـ "دولة يهودية ـ ديمقراطية".

    إن التركيز على طابع "يهودية الدولة" يلغي حق الأقلية العربية الفلسطينية (فلسطينيي 48) في المساواة القومية تطبيقاً لديمقراطية الدولة.

    لأن المساواة تعني تعطيل كل القوانين والقرارات العسكرية، التي تمت بموجبها مصادرة أراضي فلسطينيي 48، وتضعهم على قدم المساواة القومية مع اليهود الإسرائيليين، وهذا سيشرع لاحقاً على ضوء التحولات الديموغرافية تحولها إلى "دولة ثنائية القومية"، دولة علمانية لكل مواطنيها.

    في تعاملها مع مجتمع فلسطينيي 48 أوجدت إسرائيل فرزاً خاصاً يهدف إلى تكريس مبدأ التعامل مع الفسيفساء الدينية والطائفية المكونة لهذا المجتمع كمجموعات منفصلة.

    فهي تقسمهم إلى عرب، وهذا يشمل مسلمي ومسيحيي الجليل والمثلث، ودروز وبدو وشركس. ويلاحظ هنا تطبيق قانون الخدمة العسكرية الإلزامية على الدروز والبدو دون غيرهم من مكونات مجتمع فلسطينيي 48، ليصبح الحديث هنا عن أقليات دينية وطائفية متفاوتة الاندماج في المجتمع الإسرائيلي، وليس عن اقلية قومية فلسطينية عربية. وأهداف هذه السياسة ضرب الوحدة الكيانية والهوية القومية المتميزة لفلسطينيي 48.

    لقد رأت حكومة اليمين الإسرائيلي المتطرف في أحداث الحادي عشر من ايلول/ سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة فرصة مناسبة للدفع بسياساتها العنصرية حيال فلسطينيي 48 إلى مراحل متقدمة أكثر غلواً، بما صعّد من حجم المخاطر التي تهدد وجودهم وحقوقهم. وأكبر هذه المخاطر ما صدر في قمة العقبة (4/6/2003) من مواقف، أكثرها خطورة وغرابة موقف محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية الحالي، الذي كان وقتها رئيساً لوزارة السلطة الفلسطينية، حيث أقر عباس حينها في خطابه في قمة العقبة بحق إسرائيل في الحفاظ على طابعها "كدولة يهودية"، وهذا يشرّع صراحة لحق إسرائيل المزعوم في مواصلة اضطهادها القومي لفلسطينيي 48، ويضعهم مرة أخرى أمام رياح الترانسفير والتهجير، التي ينادي بها اليمين الإسرائيلي المتطرف، كما هو معبر عنه في مقابلة بيني موريس.

    وجاءت وثيقة جنيف (3 كانون الأول/ ديسمبر 2003) لتزيد من هذه المخاطر، بافتراضها قبول الفلسطينيين بمبدأ "تبادل الأراضي"، وهذا ما تلفقته حكومة شارون لتؤسس عليه طرحها بمبادلة أراضي من المثلث بسكانها الفلسطينيين مقابل ضمها للتجمعات الاستيطانية الإسرائيلية الكبرى حول القدس وفي عمق أراضي الضفة الفلسطينية المحتلة (أريئيل، غوش عتسيون، معاليه ادوميم).

    إن دخول بعض أركان السلطة الفلسطينية على خط التكيّف مع الرؤية الإسرائيلية لشكل الحل، نزولاً عن قرارات الشرعية الدولية التي تضمن الحد الأدنى من الحقوق الوطنية الفلسطينية، بل وأبعد من ذلك تقديم تنازلات من وراء ظهر الانتفاضة والشعب، وبدون تفويض من أحد، تمس وتنتقص من حقوق فلسطينيي عرب 48، سينعكس سلباً على نضالاتهم في سبيل الحفاظ على هويتهم الوطنية وحقوقهم في أرضهم والعيش على قدم المساواة أخذاً بمبدأ "المساواة القومية". إن هذا المسلك الفئوي الانفرادي لبعض أهل السلطة الفلسطينية يضرب العلاقة الكفاحية القائمة على الإسناد المتبادل بين فلسطينيي 48 وباقي أبناء الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، والتي تجلت في أبرز صورها من انتقال المظاهرات والمواجهات من عرابة وسخنين وكفركنا إلى القدس ورام الله والخليل ومخيمات الشتات.

    واليوم، وأمام تصاعد التحديات، فإن وحدة كل أبناء شعبنا في مناطق الـ 48 هي شرط بناء سد الممانعة في وجه مشاريع تذويب هويتهم وإعادة تهجيرهم. ويبقى مطلوباً كل أشكال الإسناد من كل أبناء شعب فلسطين، ووقف سياسات التلاعب بالحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني، كمثل ما جرى في قمة العقبة (4/6/2003) ووثيقة جنيف (3/12/2003). ويكفي فلسطينيي 48 تعقيدات وضعهم وظروف نضالهم على مدار 56 عاماً في مواجهة حروب مصادرة الأرض والتذويب والتهجير.

    نيسان/ أبريل 2005



رجوع للصفحة الرئيسية





Since 1st July 2000

E- mail : almassar@p-ol.com
www.almassar.com
Al-Massar
Published by al - Massar Studies Center
P.O.B 1991 Ramallah ( Palestine )
Telefax 9722 - 2980162

How to view PDF files

Acrobat Reader

This site is designed by InterTech Co.