المقولة أو الركيزة الثالثة "أن لقرارات الشرعية الدولية دوراً استئناسياً غير ملزم"، بمعنى أن أي حل لن يلقى القبول الإسرائيلي إذا لم يأخذ بعين الاعتبار "الحقائق على الأرض"، وبمعنى آخر الإقرار بالمطلب الإسرائيلي القائل بأن سنوات الاحتلال وعمليات الاستيطان أوجدت وقائع على الأرض لا يمكن الرجوع عنها، وبالتالي فإن هدف العملية السياسية هو الوصول إلى حل متفق عليه، وليس تطبيق قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، خصوصاً في ما يتعلق بالانسحاب الإسرائيلي الكامل من المناطق الفلسطينية المحتلة حتى حدود الرابع من حزيران 1967، والتفكيك الكامل للمستوطنات، وحل قضية اللاجئين الفلسطينيين على أساس القرار الدولي 194، وهذا الشرط الإسرائيلي الأخير لقي دعماً أمريكياً معلناً في خطاب بوش الأخير لشارون بعد سنوات طويلة من تواطؤ أمريكي عطّل تطبيق كل قرارات الشرعية الدولية في ما يخص الصراع العربي والفلسطيني ـ الإسرائيلي.
***
بناء على ما سبق، فإننا نرى بأن الموقف الفلسطيني يجب أن يستند في تعاطيه مع الانسحاب من غزة إلى ما يلي:
إن انسحاب قوات الاحتلال من أي أرض فلسطينية هو إنجاز نضالي بفضل المقاومة المشرفة والمتواصلة التي خاضها الشعب الفلسطيني بكل تياراته وقواه الحية على امتداد مسيرته الكفاحية الطويلة منذ النكبة الفلسطينية الكبرى 1948. وبالتالي، فإن الانسحاب الإسرائيلي هو ثمن متوجب على المحتل الإسرائيلي دفعه للخروج من مأزقه المتفاقم، وبأن محاولة المحتل التعايش لفترة أطول مع خسائره وإطالة عمر الاحتلال عبر خطة الفصل الأحادي المعدلة مناورة محكومة بالفشل الذريع. ونحذر هنا من أنه، في اللحظة التي يوافق فيها الطرف الفلسطيني على إعطاء ثمن لهذا الانسحاب، سيميل ميزان الربح والخسارة لصالح الإسرائيليين.
وإدراكاً منا لكون نجاح الممانعة الفلسطينية يتطلب استعداداً فلسطينياً يستطيع تثمير وتوظيف النصر التكتيكي الذي سيتحقق برحيل الاحتلال عن أي جزء من الأراضي الفلسطينية المحتلة، يجب أن يتوافق الجميع (فصائل وسلطة) على أنه من الخطأ التعامل مع فرض السلطة الفلسطينية لسيطرتها الأمنية على قطاع غزة كتحصيل حاصل، بل كثمرة توافق وطني أساسه حل الخلافات السياسية الأساسية كشرط لبناء استراتيجية سياسية جديدة. وهذا ما يوفره برنامج رام الله (30 آذار/ مارس 2004) الذي ينتظر التوقيع عليه من قبل الجميع حتى تبدأ الخطوات العملية لتطبيقه، ببناء قيادة وطنية موحدة وحكومة اتحاد وطني، وتوحيد كل طاقات الشعب الفلسطيني وتجاوز السلبيات التي وقعنا فيها، وتصحيح منهج المقاومة ـ لا خنقها ـ لتكون ضد قوات الاحتلال وميليشيات المستوطنين بما يبطل ادعاءات حكومة شارون في تبريراتها لاستمرار بناء جدران الضم والفصل العنصرية وسياسات الاجتياح والاغتيالات وهدم البيوت واستهداف المدنيين الفلسطينيين.
ويجب علينا رفض الشروط الإسرائيلية للانسحاب من غزة وعدم الوقوع في خديعة تزيينها بالإدعاء أن القبول بها سيساعد على جعل خطة الانسحاب من غزة جزء من "خارطة الطريق" ومدخلاً لتطبيقها. فهذا يحصر الدور الدولي، ومن ضمنه الإقليمي العربي، في زاوية الضغط على الفلسطينيين من أجل تلبية الشروط الأمنية الإسرائيلية، دون توفر ضمانات إسرائيلية وأمريكية بأي التزامات إسرائيلية تقبل بقيام عملية سياسية لتحقيق تسوية متوازنة وشاملة للصراع العربي والفلسطيني ـ الإسرائيلي على أساس قرارات الشرعية الدولية.
وهذا ما سيغرقنا في جزئيات تضيّع الجوهر، ويترتب عليها تآكل وضياع الكثير من حقوقنا الوطنية المشروعة. ومن المفيد الإشارة هنا بأنه، حتى ولو تم ربط خطة الفصل الأحادي بـ"خارطة طريق" اللجنة الرباعية الدولية من هذا المدخل، فإننا، عملياً، سنكون أمام "خارطة طريق" جديدة أمريكية ـ إسرائيلية تستند إلى الشروط الإسرائيلية الأربعة عشر التي تنسف جوهر الخطة الدولية.
إن الخطة الشارونية المعدلة للانسحاب الأحادي الجانب تركت كل شيء في المجهول، لأنها تحولت إلى أربع مراحل حتى نهاية العام 2005، تقرّر حجمها وتوقيتها وتنفيذها أو إيقافها الحكومة الإسرائيلية بناء على معطياتها ومصالحها الخاصة. والمعروف أنه، ومنذ البداية، جعل شارون قضية الانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة وتفكيك المستوطنات قضية داخلية إسرائيلية. ووصل به الأمر أن علّق مصير خطته (في الاستفتاء عليها) بأيدي المستوطنين الذين يشكلون أغلبية القواعد الحزبية لليكود. كل هذا لأن إسرائيل حتى الآن لا تعترف بأنها قوة احتلال على الشعب الفلسطيني وأرضه، بل تفصل بين الشعب الفلسطيني وأرضه تحت ادعاءات توراتية ميثولوجية زائفة. وحقيقة ما هو مطروح حتى الآن على الفلسطينيين لا يعدو كونه حكماً ذاتياً للسكان دون الأرض، لا يفتح على الاستقلال، مع إبقاء السيطرة الأمنية الإسرائيلية على كل المعابر والحدود والمجال البحري والجوي الفلسطيني، في الوقت الذي تتواصل فيه أعمال الاستيطان لنهب ما تبقى من الأرض الفلسطينية في القدس والضفة الفلسطينية. وهذه، بالضبط، خلاصة وحصيلة سنوات أوسلو المرة وحلولها الجزئية والمجتزأة.
في موضوعة استمرار المقاومة بمختلف أشكالها، بما فيها المسلحة، فإن أي توافق وطني لن يتحقق إلا إذا بني على ضمان حق كل أبناء الشعب الفلسطيني في النضال ضد المحتل الإسرائيلي حتى رحيل الاحتلال والاستيطان عن آخر متر مربع من الأرض الفلسطينية المحتلة. وغير هذا سيقودنا في النهاية إلى تجزئة نضالات شعبنا وتجزئة قضيته الوطنية وحقوقه الثابتة والمشروعة.
***
وأخيراً، نقول: حتى لا يبقى كل شيء معلقاً بإرادة معسكر اليمين الإسرائيلي، علينا أن نوحد شعبنا تحت سقف برنامج سياسي موحد وواقعي وعملي، يستند إلى قرارات الشرعية الدولية، ويقدم شعبنا للعالم بقيادة وطنية موحدة وحكومة ائتلافية ذات صلاحيات كاملة. بهذا نفرض الحصار على مناورات معسكر اليمين الإسرائيلي وفذلكات السفاح شارون.
إن شرط تعاطينا مع أي خطة سياسية هو ضمان الاستقلال والأمن والسيادة الفلسطينية أولاً، وحل قضية شعبنا اللاجئ على أساس القرار الدولي رقم 194.
أواسط 2004