كل الجهود من أجل فرض تطبيق قرار محكمة العدل الدولية والجمعية العامة للأمم المتحدة (تموز/يوليو 2004) بشأن جدار الخنق والضم الاستعماري الإسرائيلي... وفضح مناورات شارون (خطة الإنفصال) للالتفاف على الشرعية الدولية ومواصلة سياساته الدموية والتوسعية في الإراضي الفلسطينية المحتلة

قامت قوات الاحتلال الاسرائيلية منذ أواخر آذار/مارس 2002، أبان إعادة احتلال مدن الضفة الغربية، بعدد من الاجتياحات لمقر مركز المسار للدراسات والنشر في رام الله، والذي تصدر عنه صحيفة "المسار"، وقامت بتدمير ومصادرة الأرشيف وبعض الأجهزة الرئيسة. وقد توقفت الصحيفة منذ ذلك الحين عن الصدور كصحيفة نصف شهرية توزع في أنحاء الأراضي الفلسطينية، بعد أن صدر منها 118 عدداً بانتظام منذ نيسان/أبريل 1997 وحتى آذار/مارس 2002. ومنذ ذلك الحين، يصدر مركز المسار للدراسات والنشر هذه الصفحة على شبكة الانترنت.

ابقة هامة على قرار المحكمة الأخير بشأن الجدار الإحتلالي الإسرائيلي: ناميبيا... من قرار محكمة العدل الدولية عام 1971 الى الاستقلال
    مركز المسار للدراسات
    يوم 21 حزيران/يونيو 1971، أصدرت محكمة العدل الدولية في لاهاي قراراً يؤيد، من وجهة نظر قانونية، قرارات منظمة الأمم المتحدة باعتبار وجود القوات والإدارة الجنوب أفريقية في جنوب غرب أفريقيا (ناميبيا) غير شرعي، استناداً الى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2145 للعام 1966 ثم قرار مجلس الأمن الدولي رقم 276 للعام 1970 بانهاء الانتداب الذي منحته عصبة الأمم (الهيئة الدولية التي أنشئت بعد الحرب العالمية الأولى واعتبرت منظمة الأمم المتحدة وريثاً لها) بعد الحرب العالمية الأولى لدولة جنوب أفريقيا على جنوب غرب أفريقيا التي كانت قبل الحرب مستعمرة ألمانية، ودعوة حكومة جنوب إفريقيا الى سحب إدارتها من هذا البلد.. وكان مجلس الأمن الدولي قد أحال سؤالاً في قرار صدر عنه عام 1970 هو القرار رقم 284 الى محكمة العدل الدولية حول النتائج القانونية لاستمرار وجود جنوب افريقيا في ناميبيا.

    لكن حكومة جنوب أفريقيا العنصرية (التي كانت قد اعتبرت أن محكمة العدل الدولية لا صلاحية لها للبت في هذا الموضوع، وساقت في ما ساقت من حجج امتناع دولتين دائمتي العضوية في مجلس الأمن عن التصويت على القرار 284، والدولتان هما الولايات المتحدة وبريطانيا)، اعتبرت أن الأمم المتحدة غير ذات صلاحية بشأن جنوب غرب افريقيا وواصلت جهودها لإقامة بانتوستانات (معازل، أو مناطق متجانسة عرقياً) للسود الأفارقة في تلك المنطقة، على غرار ما كانت تفعل في جنوب إفريقيا نفسها. كما أجرت الحكومة العنصرية انتخابات في بانتوستان اوفامبولاند عام 1973 قاطعتها حركة التحرر الناميبية "سوابو"، ثم عقدت مؤتمراً دستورياً في العام 1975 وقررت تأجيل البت في مصير جنوب غرب أفريقيا (ناميبيا). لكنها، تحت الضغط الدولي، أعلنت أنها ستمنح الاستقلال لهذا البلد في أواخر العام 1978، وبعد ذلك أعلنت مسبقاً عن عزمها الاحتفاظ بالسيطرة على السياسة الخارجية لهذا البلد بعد استقلاله. وكان مجلس الأمن الدولي قد أصدر قراراً هو القرار رقم 435 في العام 1976 دعا الى إجراء انتخابات لجمعية تأسيسية في ناميبيا بإشراف من الأمم المتحدة. وفي كل الأحوال لم تلتزم حكومة جنوب إفريقيا حتى بإعلانها عزمها منح الاستقلال لناميبيا، ولو شكلياً، في العام 1978.

    ذلك أن تطوراً هاماً طرأ على المنطقة في أواسط السبعينات الماضية، يتمثل في الثورة اليسارية في البرتغال في أيار/مايو 1974 التي أطاحت بالنظام الفاشي المهترئ في البلد، كما قررت إنهاء الاستعمار البرتغالي في أفريقيا ومناطق أخرى في أنحاء العالم. فنالت أنغولا، الواقعة شمال ناميبيا والغنية بالثروات العديدة، ومنها النفط والماس، استقلالها في نيسان/أبريل 1975، واستلمت السلطة في انغولا حركة يسارية هي الحركة الشعبية لتحرير أنغولا (م.ب.ل.أ.)، متفوقة على حركتين أخريين كانتا موجودتين في مناطق مختلفة من البلد والمناطق المحاذية له، إحداها هي حركة "أونيتا" – "الاتحاد الوطني من أجل الاستقلال الكامل لأنغولا"- التي كان يقودها جوناس سافيمبي، الذي تحوّل بعد وصول منافسيه الى السلطة في البلد المستقل الى مطية وحليف تابع للولايات المتحدة ونظام جنوب إفريقيا العنصري.

    وقامت قوات جنوب إفريقيا في العام ذاته 1975 باجتياح أنغولا واحتلال أجزاء واسعة من البلد في جنوبه المتاخم لناميبيا وشماله الغني بالنفط في حركة لمحاصرة العاصمة الأنغولية لواندا والانقضاض على النظام التقدمي هناك. وفي مبادرة منها، قامت كوبا آنذاك بارسال قوات الى أنغولا لمساندة النظام التقدمي، ودارت معارك عديدة في السنوات التالية بين القوات الكوبية والأنغولية من جهة وقوات جنوب أفريقيا وعصابات "أونيتا" من جهة أخرى، تكبدت قوات نظام جنوب إفريقيا في بعضها خسائر جسيمة. وعام 1978 تبنت الأمم المتحدة قراراً جديداً يدعو الى وقف القتال وإجراء انتخابات حرة في ناميبيا بإشراف الأمم المتحدة، لكن جنوب إفريقيا لم تستجب للقرار. وعموماً تحولت الساحة الجنوب أفريقيةالى ساحة من ساحات الصراع الدولي في إطار ما كان يسمى بـ"الحرب الباردة"، حيث وقفت الولايات المتحدة بقوة الى جانب "أونيتا" وعملياً الى جانب نظام جنوب إفريقيا، في حين وقف الاتحاد السوفييتي الى جانب أنغولا والقوات الكوبية فيها. وزاد الدعم الأميركي للجانب المناهض لأنغولا المستقلة في عهد الرئيس الأميركي رونالد ريغن (1981-1989)، الذي وصف عصابات "أونيتا" القبلية بأنها من "المقاتلين من أجل الحرية" ودعا زعيمها سافيمبي الى واشنطن حيث استقبله كرئيس دولة.

    وبعد تمنع وتلكؤ، وافق حكام جنوب أفريقيا البيض على قرارات وخطة الأمم المتحدة المتضمنة في قرار مجلس الأمن رقم 435 للعام 1978، وشاركوا في اجتماع تمهيدي عقد بغرض دراسة تطبيقها، وذلك في مدينة جنيف السويسرية عام 1981. لكنهم لم يقبلوا في حينه بمطلب وقف اطلاق النار. فتجمدت المفاوضات، خاصة بعد أن أضاف حكام جنوب أفريقيا شروطاً جديدة، منها ربط استقلال ناميبيا بانسحاب القوات الكوبية من أنغولا. وفي العام 1985 تم الاتفاق على النظام الانتخابي المفترض في ناميبيا، لكن حكام جنوب إفريقيا عملوا على تشكيل حكومة عميلة مؤقتة. وأدانت منظمة الأمم المتحدة تلكؤ وإجراءات جنوب إفريقيا في عدة قرارات قوية، من بينها قرار الجمعية العامة في 20/9/1986 الذي أبدى دعماً قوياً لحركة "سوابو" ودعا الى استخدام كل أشكال الضغط على نظام جنوب إفريقيا بما في ذلك العقوبات التي ينص عليها الفصل السابع من شرعة الأمم المتحدة، مندداً بالتعطيل الذي تمارسه دولتان غربيتان دائمتا العضوية في مجلس الأمن (والمقصود طبعاً الولايات المتحدة وبريطانيا) للجوء الى هذا الفصل. كما أكد القرار على رفض طلب جنوب إفريقيا الربط بين مسألة استقلال ناميبيا وانسحاب القوات الكوبية من أنغولا.

    وتواصلت المعارك على الأرض، حيث حققت القوات الكوبية- الأنغولية إنجازات ملموسة وحاسمة بفرض تراجع القوات الجنوب إفريقية خارج أنغولا، الى أن أعلن الأمين العام للأمم المتحدة، في العام 1987، عن حل كافة القضايا الرئيسة، بما في ذلك مسألة اعتماد النظام الانتخابي الذي سيطبق في ناميبيا، باستثناء مسألة ربط الاستقلال بانسحاب القوات الكوبية من أنغولا. وهو الأمر الذي تمت معالجته في مفاوضات ثلاثية بين انغولا وكوبا وجنوب أفريقيا في مقر الأمم المتحدة، انتهت في الأيام الأخيرة من العام 1988. حيث التزمت جنوب أفريقيا بتسهيل استقلال ناميبيا وتسهيل اجراء انتخابات حرة ونزيهة، في الوقت الذي وقّعت فيه كوبا وأنغولا على اتفاق يقضي بانسحاب القوات الكوبية من أنغولا على ضوء زوال الاستعمار الجنوب افريقي لناميبيا.

    ***
    وبدئ بتنفيذ خطة الاستقلال يوم 1/4/1989، حيث توافدت قوات دولية من 124 جنسية قوامها 7500 عسكري، ومعهم 2000 موظف مدني دولي، وذلك للاشراف على وقف اطلاق النار بين "سوابو" وقوات جنوب أفريقيا، وعلى العملية الانتخابية، وعلى انسحاب القوات العسكرية من البلد. وأضيف 1000 مراقب دولي للاشراف لاحقاً على العملية الانتخابية. وبدأ تسجيل الناخبين يوم 3/7/1989 واستمر حتى 23/9 من العام ذاته، حيث تم تسجيل حوالي سبعمئة ألف ناخب، كما تم تأمين عودة المهجرين الذين كانوا قد اضطروا الى الانتقال الى الدول الافريقية المجاورة، وذلك باشراف مفوض الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

    ونظمت الانتخابات للجمعية التأسيسية باشراف الامم المتحدة بين 7 و11/11/1989، وجرى انتخاب 72 عضواً في الجمعية، بمشاركة عالية من 97 بالمئة من الناخبين المسجلين. وحصلت "سوابو" على 41 مقعداً، أي على أغلبية المقاعد.

    ويوم 22/11، غادرت آخر مجموعات القوات الجنوب أفريقية أرض ناميبيا، بعد يوم واحد من التئام الجمعية التأسيسية المنتخبة. ثم جرى لاحقاً اقرار الدستور الجديد بالاجماع يوم 9/2/1990. ويوم 16/2 من العام ذاته، انتخبت الجمعية سام نوجوما، زعيم "سوابو"، رئيساً للبلاد لمدة خمس سنوات. وأعلن يوم 21/3/1990 يوم استقلال ناميبيا. ويوم 23/4/1990 أصبحت ناميبيا الدولة 160 في منظمة الأمم المتحدة.

    ***

    ويلفت الانتباه في قرار محكمة العدل الدولية بشأن ناميبيا أن الفقرة التي تقول:

    "نظراً لكون التواجد المستمر لجنوب إفريقيا في ناميبيا غير قانوني، فإن جنوب إفريقيا ملزمة بسحب إدارتها من ناميبيا فوراً، وبذلك وضع حد لاحتلالها لهذا البلد"، هذه الفقرة صوّت الى جانبها 13 قاضياً وعارضها اثنان.
    أما الفقرة التي تقول:

    "إن الدول الأعضاء في الأمم المتحدة ملزمون بالإعتراف بعدم شرعية الوجود الجنوب إفريقي في ناميبيا وعدم صلاحية ونفاذ اجراءاتها في ناميبيا أو بشأنها، وملزمون بالامتناع عن أية أعمال وبشكل خاص عن أية تعاملات مع حكومة جنوب إفريقيا توحي بالاعتراف بمشروعية هذا الوجود أو هذه الإدارة، أو تقدم الدعم والمساعدة لها"، هذه الفقرة صوّت لصالحها 11 قاضياً وضدها 4 قضاة.

    هذا، في حين كان التصويت على القرار الخاص بالجدار الاستعماري الاسرائيلي أكثر إجماعية، حيث لم يعترض عليه سوى قاضٍ واحد، لم يكن بالأساس معترضاً على مبدأ إحالة المسألة الى المحكمة الدولية العليا، وهو الموقف الذي اتخذته اسرائيل وكذلك الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية في الجمعية العامة للأمم المتحدة أواخر العام 2003 حين مناقشة إحالة المسألة الى المحكمة الدولية.

    يبقى أن يشار الى اختلاف المعطيات الدولية بين العام 1971، الذي اتخذ فيه قرار محكمة العدل الدولية بشأن ناميبيا، والعام 2004 الذي اتخذ فيه القرار الخاص بالأراضي الفلسطينية وبانطباق اتفاقية جنيف الرابعة عليها من مدخل إدانة بناء الجدار الإسرائيلي التوسعي في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ففي السبعينات الماضية، كانت "الحرب الباردة" في أوجها وكان الاتحاد السوفييتي قوة كبرى مؤثرة في مختلف مناطق العالم في حين أن الوضع الراهن يتميز بتفرد الولايات المتحدة بالنفوذ الكوني، عبر قوتها العسكرية الهائلة وامكانياتها الاقتصادية التي لا زالت متفوقة بمسافة على امكانيات دول العالم الأخرى.

    وهذا التمايز له جانبه السلبي المرئي، ولكن هذا الجانب السلبي ليس مطلقاً، لاعتبارات عديدة ظهرت بوضوح خلال السنوات الأخيرة. فغياب الصراع الكوني الثنائي الذي كان يجر نفسه على الصراعات الاقليمية وحركات التحرر بمجملها تقريباً، مما جعل الولايات المتحدة، مثلاً، تنظر الى مسألة مصير أنغولا وناميبيا من هذا المدخل، أي كمركزي نفوذ جديدين محتملين للاتحاد السوفييتي، هذا الغياب، من جانب، يضعف بالطبع كفة قوى التحرر والتقدم ويطلق العنان للنزعات العدوانية الكونية لليمين الإمبراطوري الأميركي، ولكنه، من جانب آخر، يجرد القوة الكبرى المنفردة من سلاح بعبع "الخطر الشيوعي"، ويعطي بالتالي، في مفارقة بينة، وزناً معنوياً أكبر للجانب القانوني مما كان أبان الصراعات الكونية المحتدمة في فترة "الحرب الباردة". وهو ما يفسر الإنزعاج الاسرائيلي الكبير من قرار المحكمة الدولية وذهاب المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية، ميني مزوز، الى حد الدعوة للنظر في مسألة انطباق اتفاقية جنيف الرابعة على الأراضي المحتلة عام 1967. صحيح أن عنصر القوة الميدانية والإقليمية والدولية ما زال مهماً، ولكن ردود الفعل الدولية على الاجتياح الأميركي – البريطاني للعراق وكذلك التصويت الواسع في الجمعية العامة للأمم المتحدة الى جانب قرار محكمة العدل الدولية بشأن الجدار التوسعي الإسرائيلي (150 دولة، بما فيها كافة دول الاتحاد الأوروبي، التي كان بعضها، وخاصة دول اوروبا الشرقية والبلطيق، يمالئ حتى فترة قريبة الموقف الأميركي – الإسرائيلي) تؤكد كلها أن قرار المحكمة الدولية شكّل حدثاً بارزاً في مسيرة التحرر الفلسطينية والصراع المتواصل مع المحتلين الاسرائيليين لإنهاء هذا الاحتلال وانتزاع حق تقرير المصير.

    وإذا كان ملفتاً للانتباه، مثلاً، أن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن ناميبيا في العام 1986 المشار اليه أعلاه لم يأت على ذكر قرار محكمة العدل الدولية في العام 1971، فذلك يعود الى كون المتغيرات الكبرى التي حدثت في القسم الجنوبي من إفريقيا خلال تلك الفترة الزمنية كما في أنحاء العالم جعلت مبدأ الاستقلال الناميبي مسلّماً به، حتى من حكومة جنوب إفريقيا منذ وقت مبكر، لكن التوقيت وصيغة الاستقلال وتأثيره على وضع النظام العنصري نفسه في جنوب إفريقيا بالإضافة الى الصراع الكوني والموقف الأميركي بقيت عرضة للأخذ والرد الى أن انتهى الأمر بحكام جنوب إفريقيا بالتسليم بحق شعب ناميبيا في تقرير المصير، وبعد ذلك بفترة وجيزة، التسليم بضرورة تجاوز النظام العنصري في جنوب إفريقيا نفسها.

    أوائل أيلول/سبتمبر 2004



رجوع للصفحة الرئيسية





Since 1st July 2000

E- mail : almassar@p-ol.com
www.almassar.com
Al-Massar
Published by al - Massar Studies Center
P.O.B 1991 Ramallah ( Palestine )
Telefax 9722 - 2980162

How to view PDF files

Acrobat Reader

This site is designed by InterTech Co.