كل الجهود من أجل فرض تطبيق قرار محكمة العدل الدولية والجمعية العامة للأمم المتحدة (تموز/يوليو 2004) بشأن جدار الخنق والضم الاستعماري الإسرائيلي... وفضح مناورات شارون (خطة الإنفصال) للالتفاف على الشرعية الدولية ومواصلة سياساته الدموية والتوسعية في الإراضي الفلسطينية المحتلة

قامت قوات الاحتلال الاسرائيلية منذ أواخر آذار/مارس 2002، أبان إعادة احتلال مدن الضفة الغربية، بعدد من الاجتياحات لمقر مركز المسار للدراسات والنشر في رام الله، والذي تصدر عنه صحيفة "المسار"، وقامت بتدمير ومصادرة الأرشيف وبعض الأجهزة الرئيسة. وقد توقفت الصحيفة منذ ذلك الحين عن الصدور كصحيفة نصف شهرية توزع في أنحاء الأراضي الفلسطينية، بعد أن صدر منها 118 عدداً بانتظام منذ نيسان/أبريل 1997 وحتى آذار/مارس 2002. ومنذ ذلك الحين، يصدر مركز المسار للدراسات والنشر هذه الصفحة على شبكة الانترنت.

اللجنة المركزية للجبهة الديمقراطية

    ( 1)
    الانتفاضة - الاستعصاء
    شكلت الانتفاضة رداً شعبياً صاخباً على وصول اتفاق أوسلو، في محطته الأخيرة في كامب ديفيد2، إلى الطريق المسدود، حين رفضت إسرائيل في تلك المفاوضات الماراثونية أن تستجيب للحد الأدنى من الحقوق الوطنية الفلسطينية، وأصرت بالمقابل على فرض رؤيتها للحل، مدعومة وبقوة من الجانب الأميركي.

    ورغم كل ما قيل عن «عروض سخية» تقدم بها رئيس الحكومة الإسرائيلية (آنذاك) ايهود باراك، إلا أن الوقائع التي تكشفت لاحقاً أوضحت أن المقترحات الإسرائيلية بقيت دون الانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران (67)، ودون الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني بدولة مستقلة ذات سيادة، ودون القبول بالانسحاب من القسم الشرقي للقدس، عاصمة الدولة الفلسطينية، وكذلك دون الاعتراف بحق اللاجئين في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم. أي أن باراك رفض في مفاوضات كامب ديفيد الالتزام بقرارات الشرعية (242 + 338 + 194) التي تشكل أساساً للتسوية المتوازنة للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي وأصر على الانطلاق من أحد مبادئ اتفاق أوسلو، ونصوصه القائلة بأن " ما يتم الاتفاق عليه بين الجانبين هو التطبيق العملي لقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بالحل".

    بالمقابل لم يمتلك الجانب الفلسطيني المفاوض أوراق القوة الضرورية التي تمكنه من إحداث توازن، ولو نسبي. إلى طاولة المفاوضات، في عرض الاقتراحات ومشاريع الحلول. إذ سبق للجانب الفلسطيني المفاوض أن فرط في العديد من المناسبات بالكثير من أوراق القوة الفلسطينية و خاصة غياب برنامج القواسم المشتركة والوحدة الوطنية في مؤسسات السلطة و شلل مؤسسات م.ت.ف.

    فهو من جهة استمر في سياسة الاستفراد والاستئثار بالقرار الفلسطيني، رافضاً الاستجابة لجهود إعادة بناء الائتلاف الوطني داخل منظمة التحرير الفلسطينية على أسس سياسية واضحة تكون محصلة لتوافق سياسي بين مجمل أطراف منظمة التحرير، وعلى قاعدة التمسك بالحقوق الفلسطينية الوطنية المشروعة غير القابلة للتصرف، كما أقرتها المجالس الوطنية الفلسطينية واعترفت بها الأمم المتحدة ومؤسساتها المختلفة.

    وهو من جهة ثانية استمر في سياسة شق الصفوف الفلسطينية وشرذمتها من خلال تمسكه باتفاق أوسلو وملحقاته، ورفضه تجاوزه لصالح تطبيق ما تمّ الاتفاق عليه في الحوارات الفلسطينية من توجهات سياسية تفتح الباب لإعادة توحيد الصف الفلسطيني، وبما يؤهل منظمة التحرير لدخول مفاوضات الحل الدائم وهي تمسك بأوراق القوة، وفي مقدمها ورقة الوحدة الوطنية، وهي تمسك بالمقابل بما يمكنها من مقاومة الضغوط التي ستمارس عليها، دولياً من قبل الولايات المتحدة، وإقليمياً من قبل بعض العواصم العربية المعروفة، لدفعها للقبول بما يعرض عليها من مشاريع حلول مختلة لصالح الطرف الإسرائيلي، ومغايرة لما نصت عليه قرارات الشرعية الدولية.

    الانتفاضة التي اندلعت في 28/9/2000 جاءت في سياق الرد على حالة العجز التي يعاني منها الجانب الفلسطيني المفاوض، وعلى حالة الانقسام في الصف الفلسطيني بفعل إصرار الجانب المتنفذ في السلطة ومنظمة التحرير على المضي في طريق التفرد وتجاهل ضرورات الوحدة الداخلية، كما جاءت الانتفاضة في سياق الرد على حالة التفكك و التراجع من قبل الحالة الحاكمة العربية. كذلك اندلعت الانتفاضة في إعلان واضح وصريح يرفض مشاريع الحل الإسرائيلي، ويدعو لمقاومة ضغوط الولايات المتحدة وإدانة انحيازها الفاقع لصالح السياسات الإسرائيلية.

    إذن نجحت الانتفاضة في قلب الطاولة في وجه الجميع، وأعادت خلط الأوراق وبعثرتها في كل اتجاه، وتحولت، بفعل الزلزال السياسي الذي أحدثته في ساحة الفعل السياسي، إلى "استعصاء"، يقف في وجه كل المسارات وكل السياسات، ويدعو الجميع إلى إعادة صياغة حساباته وفقاً للمستجدات. ورغم أن الانتفاضة لم تطرح برنامجاً سياسياً، وصيغة كفاحية تعيد توحيد الحالة الفلسطينية ـ لقصور في أدوار القوى السياسية نفسها بتياراتها الثلاث (الوطنية، الديمقراطية، السياسية الدينية ) ـ إلا أنها أكدت في المقابل أن الجميع مدعو إلى إعادة تنظيم أوراقه، وضبط و تطوير حركته السياسية و قواه في الميدان وفقاً للمستجد الكبير.

    ( 2)
    الولايات المتحدة : محاولة فاشلة لاحتواء الاستعصاء

    الولايات المتحدة، من موقعها كراعية للعملية التفاوضية بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، بادرت إلى التحرك لاحتواء "الاستعصاء" الذي مثلته الانتفاضة. وقد ارتكز التحرك الأميركي إلى المرتكزات التالية:

    • تطويق الانتفاضة سريعاً وقبل أن يشتد عودها وتمتد جذورها، وتحدث ارتجاجا في الحالة السياسية، بما يفتح في المجال لقوى دولية أخرى في الدخول على خط التسوية من موقع المنافس للاستفراد الأميركي والشريك للولايات المتحدة في رعايتها للعملية التفاوضية.
      وليس مفاجئاً أن تحرص الولايات المتحدة على منع أي من الأطراف الدولية الدخول على خط التسوية في مرحلتها الدائمة، وهي التي حرصت على الاستفراد بالعملية السياسية في الشرق الأوسط، من مؤتمر مدريد وحتى مفاوضات الحل الدائم كامب ديفيد 2(تموز/يوليو 2000) و مقترحات كلينتون.

    • الإسراع في تطويق الانتفاضة وإجهاضها، قبل أن تتحول إلى قوة فاعلة موحدة بيد الجانب الفلسطيني، يحدث بها توازناً جديداً، يحد من الخلل القائم لصالح الجانب الإسرائيلي.
    • حرص الرئيس الأميركي كلينتون على إسدال الستار على ولايته الثانية بخاتمة سعيدة تتمثل في وصول الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، بوساطة وإشراف مباشر منه، إلى اتفاق على الحل الدائم للصراع.
      لذلك بادرت واشنطن إلى التحرك السريع والفوري وعقد مؤتمر دولي ـ إقليمي في شرم الشيخ في 17/10/2000، أي بعد أيام قليلة على اندلاع الانتفاضة، لتطويق الحدث الفلسطيني الكبير، واجهاضه عبر الدعوة، في بيان رئاسي تلاه كلينتون شخصياً دعا إلى ثلاث قضايا رئيسية:

    • الأولى وقف كل أشكال العنف أي وقف الانتفاضة فوراً ودون إبطاء.
    • الثانية التزام الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي بعدم الإقدام على أية خطوات من جانب واحد، في إشارة واضحة للجانب الفلسطيني بعدم تجاوز العملية التفاوضية، والإعلان من طرف واحد، عن بسط السيادة على كامل أراضي الدولة الفلسطينية المستقلة بحدود الرابع من حزيران يونيو 1967.

    • الثالثة دعوة الطرفين إلى استئناف العملية التفاوضية باعتبارها الوسيلة الوحيدة للاتفاق على حل يضع حداً للصراع بين الجانبين ( ).

      وانطلاقاً مما تم التوصل إليه في شرم الشيخ في 17/10/2000، واصلت الولايات المتحدة رعايتها للمفاوضات الثنائية الفلسطينية ـ الإسرائيلية بالاستناد إلى مشروع للحل تقدمت به واشنطن تحت عنوان «مقترحات الرئيس كلينتون» التقى في الغالبية الساحقة من بنوده مع رؤيا باراك وحكومته للحل. ولهذا الغرض عقدت مفاوضات طابا( ).

    ورغم صحة ما قيل من أن الولايات المتحدة حرصت على تغذية مفاوضات طابا، لاسناد وضع باراك المهتز، وتلبية لرغبة جامحة لدى الرئيس الأميركي ليكون القابلة التي يولد على يديها الحل، فإن من أهداف الولايات المتحدة في إدامة مفاوضات طابا، كان استكمال تطويق الانتفاضة ومحاصرتها، وإزاحتها كاستعصاء شديد التعقيد يضغط بكل قواه ليعطل المشروع الأميركي ـ الإسرائيلي للحل، ويهدد بطرح مشروع بديل يأخذ بالاعتبار المصالح العليا الفلسطينية.

    ورغم أن الرئيس كلينتون قد ابلغ الفلسطينيين ـ والإسرائيليين بإن الإدارة القادمة ستكون متحررة من اقتراحاته والتزاماته، إلا أن انتقال الإدارة إلى الجمهوريين برئاسة الرئيس بوش الابن، لم تعنِ على الإطلاق أن الأميركيين تجاهلوا الحالة الفلسطينية. فقد التزمت إدارة المحافظين الجدد المشروع الشاروني في التعاطي مع الاستعصاء الفلسطيني متمثلاً في الانتفاضة، حين دعمت «خطة المئة يوم» التي رفع لواءها شارون، تحت شعار «دعوا الجيش ينتصر» متعهداً بوضع نهاية لهذا "الاستعصاء" خلال ثلاثة اشهر.

    واستمرت الإدارة الأميركية في دعمها لسياسة حكومة شارون، وقد وضعت لها ثلاثة خطوط حمر تتمثل في منع المس بالرئيس عرفات، ومنع تجاوز خطوط المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية، ومنع المس بأجهزة السلطة ومؤسساتها. أي بتعبير آخر، كان المستهدف بخطة «المئة يوم» هي الانتفاضة الفلسطينية بما هي تطور عطل المشروع الإسرائيلي - الأميركي للتسوية. والتالي فإن السياسة الأميركية كانت، إلى جانب إعطاء الضوء الأخضر لحكومة شارون للقضاء على الانتفاضة، مطالبة السلطة الفلسطينية نفسها بالعمل بالاتجاه نفسه، لإدراك الإدارة الأميركية أن الإجراءات العدوانية الإسرائيلية ليست كافية وحدها لإنجاز مثل هذه المهمة( ).

    11 أيلول / سبتمبر وتحولات سياسة إدارة بوش الابن :

    تفجيرات 11/9/2001 في واشنطن ونيويورك، وإعلان الولايات المتحدة الحرب على ما أسمته بالإرهاب، ورفعها شعار «من ليس معنا فهو ضدنا».. شكل خطوة انعطافية في سياسة إدارة المحافظين الجدد، أفسحت في المجال أمام الولايات المتحدة للاندفاع عسكرياً في محاولة تكريس نفسها القطب الأوحد المقرر لمصير العالم.

    وفي هذا السياق، كشف الرئيس بوش في 2/10/2001 عن أن قيام دولة فلسطينية كان دوماً جزءاً من " رؤيا vision " الولايات المتحدة للحل ما دام حق إسرائيل في الوجود محترماً. وأكد أن المفاوضات هي السبيل الوحيد لولادة هذه الدولة. ثم عاد وزير خارجيته كولن باول في خطابه الشهير في جامعة لوي فيل في ولاية كنتاكي وأكد على الموقف ذاته.

    وبعد أن وصم الانتفاضة والمقاومة بالإرهاب دعا القيادة الفلسطينية ممثلة في السلطة إلى اعتقال ومحاكمة الذين يمارسون «الإرهاب» وأن تتحمل مسؤولياتها في وقف العنف. وما كان للرؤيا الأميركية أن تولد بهذا الشكل، في الدعوة إلى حل يقوم على دولتين لشعبين، تعيشان جنباً إلى جنب، بما في ذلك دولة فلسطينية قابلة للحياة، لولا الدور الذي لعبته الانتفاضة بتضحياتها وصمودها، في إحداث توازن جديد في المنطقة، ولو نسبي، وصحيح أن رؤيا الرئيس بوش لم ترق إلى مستوى المبادرة السياسية المتكاملة والمحددة كتلك التي تقدم بها الرئيس الأميركي السابق كلينتون في 23/12/2000 في نهاية عهده، لكن الصحيح أيضاً أنه وبفعل تأثير الانتفاضة لم يستطع الرئيس بوش أن يلتزم طويلاً بنصائح مستشاريه، بإبقاء نفسه بعيداً عن قضية الشرق الأوسط، وعدم الغوص فيها. ولعلّ ما دفع الرئيس بوش لتجاوز نصائح مستشاريه هو فعل الانتفاضة ودورها "كاستعصاء" في وجه المشروع الأميركي ـ الإسرائيلي، كواحد من العوامل البارزة في التأثير على رسم ملامح السياسة الأميركية في المنطقة( ).

    تداعيات الحرب الأميركية ضد «الإرهاب» على المستوى الدولي، وتصاعد العمليات الفلسطينية ضد الاحتلال و العمليات في وسط التجمعات المدنية داخل الخط الأخضر، وعدم تجاوب السلطة الفلسطينية لضغوط الجانب الأميركي للعمل على تصفية الانتفاضة والمقاومة، تحت شعار مقاومة الإرهاب وإعلان الانتماء إلى العالم المتحضر نقلت السياسة الأميركية إلى مستوى جديد، حين أسقطت خطوطها الحمر الثلاث، وأعطت الضوء الأخضر لحكومة شارون لتنفيذ عملية السور الواقي العدوانية، في 29 آذار (مارس) 2002 بعد ساعات على انتهاء أعمال قمة بيروت العربية. بعدها أعادت الإدارة الأميركية صياغة «رؤيتها» لحل الدولتين، مشترطة لتنفيذ ذلك القيام ما أسمته بإصلاح شامل في أوضاع السلطة يقود إلى قيام قيادة فلسطينية «جديدة» مختلفة، مهمتها الرئيسية هي «شن حرب متواصلة على «الإرهابيين» وتدمير بنيتهم التحتية». وهكذا بلورت السياستان الأميركية والإسرائيلية سياسة جديدة تحت وقع الانتفاضة تشترط وقف كامل «للعنف والإرهاب»، وإجراء إصلاحات في بنية السلطة، وقيام قيادة فلسطينية جديدة، كمقدمة ضرورية لاستئناف العملية التفاوضية التي يفترض بها أن تسفر عن قيام دولة فلسطينية ـ وإن بقي مضمون هذه الدولة وحدودها وعلاماتها السياسية موضع غموض.

    "الرؤيا" الأميركية لدولتين التقت مع فكرة سبق للاتحاد الأوروبي أن طرحها، ثم ما لبثت اللجنة الرباعية في اجتماعها في نيويورك في 16/7/2002 أن بلورتها في خطة شكلت نقطة توازن بين الموقفين الأميركي والأوروبي. وفي هذا السياق نشط الجانب الأوروبي لصياغة خطة (خارطة طريق) تتيح للأسرة الدولية التدخل لعمل سياسي يضع حداً للعنف في المنطقة. وأطلق الاتحاد الأوروبي «خطة للسلام» في 30/8/ 2002 تلتها طبعة أميركية نتج عنها طبعة ثالثة أنجزت في 20/12/2002، لكن الولايات المتحدة أصرت على إرجاء الإعلان عنها، وتأجيل فتح الملف الفلسطيني إلى ما بعد الانتهاء من الانتخابات الاسرائيلية المبكرة، و الملف العراقي، دون أن يمنع ذلك الولايات المتحدة من التلويح بخطة خارطة الطريق في إطار تكتيكات إقليمية، تطلبتها ضرورات صون التحالفات الأميركية ـ العربية والاصطفافات اللازمة لدخول الحرب ضد العراق.

    وهكذا التقت الرؤيا الأميركية عند نقطة توازن مع الرؤيا الأوروبية، في وثيقة للحل، لا تعني التوازنات النسبية في صياغاتها أنها ستبقى ملزمة للسياسة الأميركية( ).

    بعد الإطاحة بالنظام العراقي، واستحداث منصب لرئيس الحكومة في السلطة الفلسطينية، في إطار الاستجابة لضغوطات ما سمي بإصلاح أوضاع السلطة، أفرجت الولايات المتحدة عن خطة خارطة الطريق (29/4/2003) وعمدت إلى محاولة فرض رؤيتها لها، مستفيدة من التوازنات الجديدة التي أفرزتها الحرب على العراق ووقوعه في قبضة الاحتلال الأميركي ـ البريطاني. لذلك انصب الجهد الأميركي على الجانب الفلسطيني وحده للالتزام باستحقاقات خارطة الطريق، بدءاً من إصدار بيان ابتدائي بإعلان الموافقة عليها، والاعتراف بحق دولة إسرائيل في الوجود وصولاً إلى وقف الانتفاضة والمقاومة تحت ما يسمى «تفكيك البنية التحتية للإرهاب». أما على الصعيد الإسرائيلي فقد أبدت الولايات المتحدة، على لسان وزير خارجيتها كولن باول، ومستشارة الرئيس بوش لشؤون الأمن القومي كونداليزا رايس تفهماً لتحفظات حكومة شارون التي صاغتها في 14 بنداً، تمّ الأخذ بثلاثة عشر منها، أفرغت الخطة من مضمونها الفعلي، وأعيد الحل إلى مساره الإسرائيلي ـ الأميركي السابق( ).

    كما شهدت قمتا شرم الشيخ والعقبة تطورين هامين في السياسة الأميركية.

    ? ففي شرم الشيخ (3/6/2003) جرى تغييب خارطة الطريق، ودفعت الولايات المتحدة المباحثات العربية الأميركية نحو إحداث دينامية سياسية إقليمية تحت وطأة النصر الأميركي في العراق. وإذا كان الرئيس بوش لم ينجح في دفع أطراف شرم الشيخ العربية للموافقة على فكرة المباشرة في تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، إلا أنه نجح، من جانب آخر، رغم تصاعد الانتفاضة و المقاومة في المناطق المحتلة، في نسف نتائج أربع قمم عربية عقدت منذ اندلاع الانتفاضة، حين أرغم الأطراف العربية في شرم الشيخ على التعهد بالعمل على تحسين الأجواء مع إسرائيل وإنجاح المنتدى الاقتصادي العالمي في الشونة ـ البحر الميت، بمشاركة عربية ـ إسرائيلية أعادت الأجواء الإقليمية إلى ما كانت عليه قبل اندلاع الانتفاضة.

    ? أما في قمة العقبة (4/6/2003)، فقد اندفع الرئيس بوش نحو تثبيت المفهوم الأميركي ـ الإسرائيلي لخارطة الطريق حين تبنى كامل التحفظات الإسرائيلية بما فيها الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية، بالمقابل غيب مسألة «إنهاء الاحتلال»، وتجاهل الإشارة إلى القرارين 242 و338، كما قفز عن الدعوة إلى وقف الاستيطان في الأراضي المحتلة. وبذلك تكون الإدارة الأميركية قد أوفت في قمة العقبة بالوعد الذي قطعته لإسرائيل باعتماد تحفظاتها على خطة خارطة الطريق، وحصر تطبيقات الخطة في جانبها الأمني، وهو الأمر الذي يعيد البحث إلى مربعه الأول، أي اشتراط العمل بالخارطة، وبأي مشروع سياسي للتسوية بوقف "الانتفاضة – الاستعصاء" (وقف العنف وتفكيك البنية التحتية للإرهاب). وبذلك تكون الولايات المتحدة، في جميع المحطات قد رسمت جوابها على "الاستعصاء الفلسطيني" متمثلاً بالانتفاضة. وإن كان هذا الجواب قد وجد بعض التلاوين الطفيفة، بين محطة وأخرى، إلا أنه كان يتمحور، في جميع الحالات على ضرورة المقايضة بين الانتفاضة والمقاومة (تحت مسمى مكافحة الإرهاب) والإطاحة بالقيادة الرسمية الحالية، أو تطويعها بالكامل (تحت مسمى إصلاح بنية السلطة الفلسطينية) مقابل «دولة فلسطينية قابلة للحياة» وردت تعريفاتها في «خارطة الطريق»، غير أن الولايات المتحدة ـ على لسان بوش ـ التقت مع إسرائيل على لسان شارون ـ في قمة العقبة على إعادة صياغة تعريف هذه الدولة، لتصبح في صورتها النهائية قريبة جداً من التسوية المؤقتة كما هي واردة في اتفاق أوسلو. وقد توضح ذلك في خطوات لاحقة، حين أبدت الولايات المتحدة تفهماً لدوافع بناء جدار الفصل العنصري. فبعد أن وصفه الرئيس الأميركي "بالثعبان الذي يتلوى في بطن الضفة الفلسطينية" عادت الولايات المتحدة ونظرت إلى هذا الجدار، باعتباره مجرد إجراء أمني لوقف العمليات ضد المدنيين، و طالبت بتعديل مسار الجدار في عدد من المقاطع حتى لا يضم أراضي فلسطينية واسعة و يعزل الفلسطينين عن حقولهم و مزارعهم، متجاهلة ما سوف يسفر عنه من وقائع ميدانية في مصادرة الأرض، والمياه، وتثبيت أوضاع المستوطنات، وعزل القدس عن الضفة، وتحويل الضفة نفسها إلى كانتونات، الأمر الذي سيحول مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة والقابلة للحياة إلى مجرد حلم صعب المنال، لا يجد المقومات الضرورية لقيامه، لافتقاده للأرض، وللتواصل الجغرافي، وللمقومات الضرورية للحياة( ).

    (3)
    إسرائيل : إجماع وتباين على رفض تطبيق قرارات الشرعية الدولية
    نظرت الانتفاضة الفلسطينية إلى وصول أريئيل شارون، على رأس حزب الليكود، إلى الحكومة، وتسلمه زمام الحكم في دولة إسرائيل، على أنه «الطلقة ما قبل الأخيرة» في جعبة العدو الصهيوني.

    غير أن قوى الانتفاضة و فصائل المقاومة لم تكن كلها مدركة لما سوف يقدم عليه شارون من مغامرات عسكرية، ليتسنى له فرض مشروعه السياسي، القائم على تحويل «الحل المؤقت» كما ورد في اتفاق أوسلو، إلى «حل دائم». و لم تكن بعض الفصائل على درجة الوعي و النضج لمخاطر الابتعاد عن ضرورة القواسم المشتركة السياسية و المنهج و الخط الموحد لمقاومة الاحتلال والاستيطان .

    لم تضبط قوى الانتفاضة بشكل موحد ايقاع خطواتها لتتناغم مع تحليلها لطبيعة حكومة شارون، خاصة في ظل تحالفه مع حزب العمل، بعد تجميد قادة الحزب مشروع باراك للتسوية النهائية، في ظل قناعة، لدى كبار الحزب، وعلى الأخص شمعون بيريس، وبنيامين بن اليعازر، بصعوبة بل ربما باستحالة الوصول مع الفلسطينيين إلى حل «الدفعة الواحدة» في مفاوضات ماراتونية، على شاكلة مفاوضات كامب ديفيد. والتقت قيادة العمل مع شارون وقيادة الليكود، على ضرورة "توفير التربة السياسية"، لفرض مشروع للحل، يعتمد على اتفاقيات جزئية على مراحل زمنية بعيدة نسبياً تشكل في مجموعها ما يسمى بالحل الدائم. وما من معنى لعبارة توفير التربة السياسية سوى اللجوء إلى القمع الدموي للقضاء على الانتفاضة والمقاومة، وتعميق انقسام الصف الفلسطيني ، وشل الإرادة السياسية لدى الجانب الفلسطيني ودفعه إلى حالة من اليأس السياسي ترغمه على القبول بكل ما يعرض عليه، باعتباره الحل الوحيد الممكن( ).

    في هذا السياق، ولد مشروع «المئة يوم» التي وعد شارون خلالها، بالتعاون مع وزير دفاعه، بن اليعازر، ووزير خارجيته بيريس، بالقضاء على "الانتفاضة – الاستعصاء"، وخلق وقائع ميدانية وسياسية جديدة، وفي السياق رفع شعار «دعوا الجيش ينتصر» بما يعنيه ذلك من إطلاق يد المؤسسة العسكرية الإسرائيلية لشق الطريق أمام خطوط الأساس لائتلاف الليكود / العمل و الذي يميل لصالح مشروع شارون وإزالة العقبات والعقد التي تعطل انطلاقته، وتعيق مسيرته.

    الانتفاضة ردت من جانبها على مشروع شارون وشعاراته بالدعوة إلى عزله فلسطينياً وعربياً، وتعزيز مقومات الصمود السياسي والمجتمعي في مواجهة أدوات القمع الاسرائيلي، وتحويل مشروع «المئة يوم» إلى مشروع فلسطيني يسقط شعارات شارون، يفقد الجانب الإسرائيلي طلقته ما قبل الأخيرة، بحيث لا يبقى أمامه، بعد الاقتناع بفشل الحل العسكري، وفرض الحل السياسي الشاروني بالقوة، سوى اللجوء إلى مفاوضات تعترف للفلسطينيين بحقوقهم الوطنية المشروعة.

    انتهت فترة «المئة يوم» وتبين فشل حكومة شارون في تحقيق أهدافها، رغم ما ألحقته في صفوف الفلسطينيين من خسائر بشرية ومادية موجعة ، فادحة، ورغم الاختلال الفاقع لموازين القوى لصالح الجانب الإسرائيلي، فالهدف السياسي، أي القضاء على الإرادة السياسية للفلسطينيين لم يتحقق. لذلك ألحق شارون خطة «المئة يوم» بخطة أورانيم ـ جهنم لاستئصال الانتفاضة» مستنداً في ذلك إلى عدد من العوامل المساعدة:

    • العامل الأول: غياب أي بديل سياسي إسرائيلي لما يطرحه شارون مدعوماً من حزب العمل. إذ تلاشت أوضاع المعارضة الإسرائيلية التي يمكن أن تسائل شارون على مشاريعه وإجراءاته.

    • العامل الثاني: الدعم الأميركي غير المشروط لسياسة شارون الدموية فالولايات المتحدة ما زالت حتى اللحظة تراهن على القوة العسكرية الاسرائيلية، مدعومة بتعاون أمني مفترض من قبل السلطة الفلسطينية وسيلة للقضاء على الانتفاضة وإزالتها من الطريق كاستعصاء سياسي.
    • العامل الثالث: حالة التردد و الضياع السياسي التي تعيشها السلطة الفلسطينية والتي وفرت لشارون ـ موضوعياً ـ الفرصة لمواصلة عملياته الدموية.
      فعين السلطة كانت من جهة على الانتفاضة كورقة قوة تفاوضية، وكانت من جهة أخرى على موقعها في المعادلة السياسية الإقليمية كما ترسمها الولايات المتحدة.
    • العامل الرابع: افتقاد الانتفاضة إلى برنامج سياسي واضح لسلام متوازن، يقدمها إلى المجتمع الدولي و الاقليمي و التأثير داخل المجتمع الاسرائيلي و الأحزاب الاسرائيلية كمشروع قادر على الاستقطاب، لذلك اعتمدت الانتفاضة على القدرة الشعبية على الصمود (وهي قدرة فاقت كل تصور) وعلى قدرتها على تحويل نفسها إلى حرب استنزاف طويلة ضد العدو وقواته. وهذان العاملان رغم افتقادهما إلى البرنامج السياسي أكسبا الانتفاضة القدرة على تعزيز موقعها في وجه المشروع الشاروني المستند إلى خطوط الأساس لائتلاف اليمين و اليمين المتطرف الواسع، والضغط على المجتمع الدولي ليوازن ـ بشكل نسبي ـ في مواقفه بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي( ).

    تفجيرات 11/9/2001 في الولايات المتحدة، وما تلاها من تطورات في السياسية الأميركية، وفرت لشارون وائتلافه الحكومي الفرصة للاستفادة مما جرى، عبر الإعلان عن انتمائه إلى "محور الخير"، مقابل انتماء الانتفاضة والمقاومة ومجمل الحالة الفلسطينية إلى "محور الشر"، وأعاد تقديم عملياته ضد المقاومة والشعب الفلسطيني، واغتيالاته للقيادات السياسية والعسكرية على أنها تندرج في إطار الحرب العالمية التي أعلنتها الولايات المتحدة على «الإرهاب الدولي». الدعم الأميركي بدوره وفر لمشروع شارون الدموي غطاء سياسياً، خاصة حين مارست إدارة المحافظين الجدد على السلطة الفلسطينية ضغوطات شديدة لتظهر موقفها من مسألة الإرهاب، حين دعتها إلى العمل بموجب توصيات تقرير ميتشل، وورقة تينيت، والتي أعاد المبعوث الأميركي انتوني زيني صياغتها في ورقة حملت اسمه، وقد دعت هذه الورقة صراحة، السلطة الفلسطينية إلى تولي مهمة تصفية الانتفاضة والمقاومة، أو السماح لقوات الاحتلال نفسها بدخول مناطق السلطة لإنجازها هذه المهمة. وأياً كان رد السلطة الفلسطينية فإن ورقة زيني فتحت الباب أمام جيش شارون لتنفيذ «حملة السور الواقي»( ).

    «حملة السور الواقي» شكلت نقلة في العمل العسكري الإسرائيلي ـ المدعوم أميركياً ـ ضد الانتفاضة ومجمل الحالة الفلسطينية. فهي تمت بقرار أميركي ـ إسرائيلي، وبغطاء سياسي من الولايات المتحدة، وعلى لسان الرئيس بوش نفسه، وهي في السياق أسقطت ثلاث خطوط حمر هي: عدم التعرض لرئيس السلطة، ودعم المساس ببنى السلطة، ومؤسساتها، وعدم السماح بعودة الاحتلال إلى المناطق (أ) التي تحولت إلى قاعدة آمنة للانتفاضة وهذا تحول كبير في السياسة الأميركية أعطت شارون الضوء الأخضر لإعادة الاعتبار لشعاره المعروف «دعوا الجيش ينتصر».

    بعد عملية «السور الواقي» وتداعياتها أطلق جيش الاحتلال ما أسماه حملة «الطريق الحازم»، في ظلها واصل اجتياحاته للمدن والقرى والمخيمات في الضفة الفلسطينية (بعد سقوط الخطوط الحمر الثلاث) وفرض الحصار على الأخ ياسر عرفات في مقره في المقاطعة في رام الله، وواصل الضغط على قطاع غزة معتمداً أسلوب «الضرب الوقائي» و«الإحباط الموضعي» (أي اغتيال كوادر المقاومة) دون أن يجرأ على اقتحام القطاع، على غرار ما فعل في الضفة (لأسباب يدركها جيداً قادة العدو)، ودون أن ينجح، في الوقت نفسه بإلحاق الهزيمة، بخط المواجهة التي رفعته الانتفاضة والمقاومة، ولم يفتقد القادة العسكريون في اسرائيل إلى القدرة على تبرير سياستهم وفشلهم في الوقت نفسه في القضاء على الانتفاضة فرئيس الأركان السابق وزير الحرب الحالي شاؤول موفاز يعترف أن عملية «السور الواقي»، وعلى أهمية ما ألحقته في صفوف الفلسطينيين من خسائر بشرية ومادية، «لم تحدث تغيراً استراتيجياً على الوجهة الفلسطينية في مواصلة المقاومة المسلحة (20/6). أما خلفه موشيه يعلون (15/7) فيدعي بالمقابل، وخلافاً لما كان شارون يروج له بأن «النصر (على الفلسطينيين) سيحرز بالنقاط وبالتأثير وبالتراكم وليس بالضربة القاضية، وكان الجانب الإسرائيلي بتصريحاته هذه، تخلى عن أسلوبه العسكري المعهود في حروب الحركة والحسم السريعين، لصالح أسلوب الاستنزاف البطيء، والذي كما يبدو، استعاره مرغماً من الانتفاضة في حربها المديدة ضد الاحتلال( ).

    أما في الجانب السياسي فقد توحد الموقف الاسرائيلي مع الموقف الأميركي في اشتراطه، للبدء في المفاوضات تنفيذ ثلاث خطوات فلسطينية كبيرة ألا وهي: فرض تهدئة شاملة (أي القضاء على الانتفاضة - الاستعصاء) إجراء إصلاحات واسعة في بنى السلطة (أي عزل القيادة الحالية لصالح قيادة بديلة ومطواعة) والقبول بالحل القائم على خطوات مجزؤة لفترات زمنية طويلة. (أي ما يسمى بـ «الدولة المؤقتة» دون الدخول في آلياتها وتحديداتها).

    الطريق أمام حكومة شارون لم يكن معبداً بل كان على العكس من ذلك، مليئاً بالألغام والعقبات.

    * فمن جهة ورغم التصعيد اليومي للعمليات العدوانية فشل جيشه في القضاء على الانتفاضة والمقاومة في الضفة الفلسطينية. وهذا ما شكل نقطة ضعف في موقفه. وهو يدعو السلطة الفلسطينية إلى «القضاء على الإرهاب» في مناطقها، بعدما عجز عن تقديم النموذج القادر بجيوشه وآلياته على إنجاز هذه المهمة:

    • ومن جهة ثانية تراجع عن قراره في اقتحام قطاع غزة للقضاء على بنية المقاومة والقيادات الوطنية فيه، لإدراكه المسبق بفداحة الخسائر التي سوف يتكبدها جيشه، وفداحة الجرائم التي سوف يرتكبها هذا الجيش. وهما قضيتان لا تستطيع حكومة شارون ـ لأسباب داخلية ودولية ـ أن تتحمل تبعاتهما.
    • ومن جهة ثالثة لم تكن السياسة الأميركية تمتلك الإرادة السياسية (وبالتالي الخطة الواقية) لوضع حد للصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي بخطة سياسية متوازنة بل كان جل ما تهدف إليه احتواء هذا الصراع، وتبريد حرارته حتى الحد الأدنى، نظراً لتداعياته على مجمل الوضع الإقليمي، وبما يتيح لها بالمقابل التفرغ لملفات إقليمية أخرى، يبدو حلها أكثر سهولة، من بينها الملف العراقي( ).

    • ومن جهة رابعة، ورغم أن الأطراف الدولية (كأوروبا وروسيا الاتحادية على سبيل المثال) وقفت موقفاً مخيباً للآمال في عملية «السور الواقي» وغيرها من العمليات العدوانية إلا أن تداعيات الحدث الفلسطيني، على المستوى الإقليمي والدولي، لعبت دوراً في إعادة تحريك العوامل الخارجية والتي مثلت بشكل أو بآخر، كابحاً نسبياً لحالة الجموح الإسرائيلية.

      ولعل الواقعة التي تختزن في طياتها الكثير من الدروس كانت هبة 20/9/2001 حين كسرت الجماهير الفلسطينية بصدورها العزلاء قرارات منع التجول، ونزلت إلى شوارع الضفة الفلسطينية تتحدى دبابات العدو وآلياته دفاعاً عن الأخ ياسر عرفات، وعشرات المناضلين، المحاصرين في «المقاطعة» والذي هددت قوات الاحتلال باقتحام المقر لإلقاء القبض عليهم، بذريعة أن في صفوفهم عدداً ممن تسميهم قوات الاحتلال بالمطلوبين.

      بدورها وجدت الولايات المتحدة نفسها بحاجة إلى شيء من الهدوء النسبي الذي يتيح لها العمل، في الشرق الأوسط، لأجل التحضير «لمعالجة» الملف العراقي عبر اجتياح البلاد واحتلالها وإسقاط نظام صدام حسين. وقد التقى موقف الولايات المتحدة في ذلك مع موقف أوروبي دعا في الطبعة الأولى لخارطة الطريق إلى البحث عن خطة لحل سلمي في المنطقة.

      لذلك انصب الضغط على جانبه السياسي تحت شعار الإصلاح في محاولة دؤوبة من قبل الولايات المتحدة ـ وإسرائيل ـ لإعادة صياغة الوضع القيادي في السلطة الفلسطينية، عبر الحد، مما أمكن من صلاحيات الرئيس عرفات وتعيين وزير «موثوق» للمالية بمواصفات مهنية محددّة ، واستحداث منصب وزير للداخلية توافق عليه الولايات المتحدة وإسرائيل، تتوحد تحت قيادته أجهزة الأمن الفلسطينية.

      ووصل الضغط إلى إحدى محطاته الفاعلة في 12/2/2003 حين أبلغ عرفات من قبل مبعوثي الاتحاد الأوروبي بضرورة استحداث منصب لرئيس الوزراء وإلا فقد «أصدقاؤه» الأوروبيون القدرة على توفير الغطاء الدولي له.

      مع ولادة منصب رئيس الحكومة، وسقوط بغداد بيد التحالف الإنغلو ـ سكسوني، وافقت الولايات المتحدة على الإفراج عن خارطة الطريق، بطبعتها الثالثة، وبذلك تكون المسيرة الإسرائيلية في معالجة «الاستعصاء» الفلسطيني، ممثلاً بالانتفاضة و المقاومة قد دخلت مرحلة جديدة.

      تكتيك شارون مع خارطة الطريق :

      أخذت حكومة شارون تتعامل مع خارطة الطريق باعتبارها وسيلة سياسية للضغط على الجانب الفلسطيني، تضاف إلى الوسيلة العسكرية ممثلة بآلة القمع الدموية. وفي هذا الجانب استعارت حكومة شارون حكمة رابين السياسية القائلة: «نتعامل مع العنف وكأنه ليست هناك مفاوضات، ونتعامل مع المفاوضات وكأنه ليس هناك عنف». لذلك بدت واضحة مماطلة شارون في الموافقة على خارطة الطريق، وحتى حين أزفت لحظة الحقيقة لجأت حكومته إلى بيان غامض، لا يشتم منه الموافقة الواضحة والصريحة على «الخارطة». ثم ألحقت ذلك بوثيقة تضمنت 14 تحفظاً على الخارطة، كفيل أن يجري تبنيها لأن يعيد صياغة الخارطة، ويفرغها من مضمونها السياسي كما هو في النص.

      وتركز الضغط العسكري الإسرائيلي على عمليات التوغل في الضفة الفلسطينية، ومواصلة العمليات المسماة «وقائية» (أي الاغتيالات) في قطاع غزة، مع مماطلة واضحة ووقحة في رفض الالتزام بأي من استحقاقات الفصل الأول من خارطة الطريق. بالمقابل واصلت الولايات المتحدة الضغط على الجانب الفلسطيني كي يتقدم بالتزاماته من جانب واحد، بما في ذلك«فرض التهدئة عبر استئصال الظاهرة الإرهابية وتدمير بنيتها التحتية» في مناطق السلطة، والاعتراف بإسرائيل دولة يهودية، والتخلي مسبقاً عن حق اللاجئين في العودة، مقابل وعد بدولة مستقبلية مجهولة المضمون والحدود وملامح السيادة. وحتى عندما توصلت قوى المقاومة في 29/6/2003 إلى اتفاق على تعليق العمليات العسكرية، أدارت حكومة شارون ظهرها لاستحقاقات هذه المحطة وكأن الأمر لا يعنيها.

      ذروة الضغط الأميركي والإسرائيلي تمثل على التوالي في قمتي شرم الشيخ (3/6) والعقبة (4/6) حين حاولت الولايات المتحدة دفع الدول العربية لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل، ووقف مساعداتها للانتفاضة وقواعدها الشعبية ومؤسساتها الاجتماعية، على النقيض من قرارات القمم العربية الثلاث : القاهرة / عمان / بيروت، تحت ذريعة محاصرة الإرهاب وتجفيف مصادر تمويله.

      أما في العقبة فقد تجاهل الطرفان الأميركي والإسرائيلي خارطة الطريق، واعترف الرئيس بوش بإسرائيل دولة لليهود (أي أسقط حق العودة نزولاً عند الطلب الإسرائيلي، وقفز عن حق المساواة في المواطنة بين اليهود والعرب داخل اسرائيل)، وحوَّل تفكيك المستوطنات المقامة منذ آذار (مارس) 2001 إلى تفكيك بعض العربات المتنقلة الموضوعة على بعض التلال الفلسطينية دون تعهد واضح وصريح بوقف الاستيطان.

      وقد مورست على الجانب الفلسطيني ضغوط لتقديم تنازلات، أثمرت هذه الضغوط خطاباً فلسطينياً حمل المزيد من التراجعات الهابطة حتى عن سقف نصوص خارطة الطريق، زاد من إحراج رئيس الحكومة محمود عباس، وإضعافه، خاصة في ظل الحملة التي كان بعض الرموز الفتحاوية ينظمها ضده، والتي انتهت باستقالته من منصبه واعتكافه العمل السياسي( ).

      الخطوة الاستراتيجية التي خطتها حكومة شارون، في سياسة فرض الوقائع على الأرض، لمنع الانتفاضة و المقاومة من مراكمة مكاسب وانتصارات بفعل صمودها الأسطوري، كانت العمل على إنجاز المرحلة الثانية (وبعدها الثالثة) من جدار الفصل العنصري الذي كانت الحكومة الإسرائيلية، قد أقرت خطته في 16/ حزيران (يونيو) 2002، بدأ وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك بنيامين بن اليعازر ( زعيم حزب العمل ) بتنفيذها عبر إقامة ما سمي بالسياج المكهرب وجدران الفصل بين الضفة الفلسطينية وإسرائيل بطول 90 كلم في مقطع محافظة طولكرم. ورغم إدعاء حكومة شارون أن جدار الفصل العنصري لا يهدف إلى إعادة ترسيم الحدود بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وأنه مجرد إجراء أمني دفاعي ضد العمليات في مناطق 48، إلا أن الوقائع التي ظهرت لاحقاً، بموجب خطة الجدار، أوضحت أن الهدف النهائي من هذا الجدار، هو فرض مشروع شارون للتسوية الدائمة ميدانياً، بحيث يبتلع الجدار معظم أراضي الضفة، ويعزلها عن القدس، ولا يبقي منها، لقيام «دولة» فلسطينية سوى 42% من مساحة الضفة (منقوصاً منها القدس الكبرى). وحسب معطيات منظمات الأمم المتحدة العاملة في الضفة الغربية فإن المساحة المقتطعة من أراضي الضفة الغربية تساوي نحو 14.5% من مساحة الضفة في حال استكمال بناء المقطع الغربي فقط من الجدار، الذي يتوغل ما نسبته 90% من امتداده في عمق الأراضي الفلسطينية ويعزل نحو 122 تجمعاً سكنياً فلسطينياً يصل عدد سكانها نحو 375 ألف مواطن فلسطيني( ). وهو ما يؤكد أن الخطر المباشر الذي يتهدد مستقبل الحل السياسي مع الجانب الإسرائيلي يتمثل في جدار الفصل العنصري، خاصة وبعدما دخلت حكومة شارون سباقاً زمنياً مع الدعوى الدولية المرفوعة من قبل الأمم المتحدة إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي، لتبت بمصير الجدار من زاوية مبادئ القانون الدولي. إذ لجأت حكومة شارون إلى زيادة وتيرة بناء الجدار في أكثر من مكان في الضفة الفلسطينية شرقاً وغرباً وقدساً.

      شارون : خطاب هرتسليا ، مؤتمر الليكود ، خطاب الكنيسبت …

      في 18 كانون الأول (ديسمبر) 2003 خطا شارون خطوة جديدة في تطبيق مشروعه السياسي حين ألقى خطاب هرتسليا. ومؤتمر هرتسليا هو لقاء سنوي للنخبة الإسرائيلية السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية «للتشاور حول أوضاع الأمة». يتحاور فيه كبار المسؤولين الأمنيين وكبار رجال الاقتصاد والسياسة. ومنذ ثلاث سنوات يدور مؤتمر هرتسليا حول تثبيت وتعزيز تعريف الدولة الإسرائيلية «كدولة يهودية ديمقراطية». من زوايا النظر الأمنية والاقتصادية والسياسية. ولقد انعقد المؤتمر في هذا العام في ظل سيادة قناعة في المجتمع الإسرائيلي بضرورة «الانفصال الديمغرافي عن الفلسطينيين». وقد دار النقاش في هرتسليا تحت ضغط هذه الفكرة.

      منذ العام 1967 وإسرائيل تقف أمام معضلة البت بمصير الأراضي الفلسطينية المحتلة. فضمها إلى إسرائيل ليس ممكناً، برأي القيادات الصهيونية لأن الضم سيخلق واقعاً من اثنين: إما نظام عنصري يقوم على نوعين من المواطنة فيهما انفصال عن بعضهما البعض، وإما دولة ثنائية القومية ذات مواطنة متساوية. والخياران مستبعدان من حسابات الأحزاب الصهيونية. وجاءت تجربة أوسلو، كمحاولة للبحث عن حل ثالث يبقي على الاحتلال، دون الحاجة إلى الضم القانوني، ويتيح للفلسطينيين إدارة أنفسهم بنظام معين من أنظمة الحكم الذاتي. غير أن الانتفاضات والتعقيدات في التطبيق ومن ضمنها الانتفاضة و المقاومة( ) أوضحت للإسرائيليين، كما للأميركيين استحالة تطبيق هذا الحل لعدم واقعيته هو الآخر. وهو الأمر الذي دفع الإسرائيليين بتياراتهم المختلفة للاتفاق على مبدأ «الانفصال الديمغرافي». من هنا علينا أن نلاحظ، في السياق، أن فكرة جدار الفصل العنصري، هي بالأساس فكرة لحزب العمل، تبناها الليكود وعمل على تحويلها إلى خطة تدب على الأرض. وعلينا أن نلاحظ في السياق، أن الخلافات الإسرائيلية لا تدور حول فكرة الجدار نفسها، بل حول بعض مسارات الجدار ومتعرجاته هنا وهناك( ).

      خطاب شارون في هرتسليا، جاء ليضع خطة متكاملة للانفصال من جانب واحد «بما يرضي المصلحة الإسرائيلية ويفرض وقائع ميدانية لابد لأي حل دائم أن يأخذها بعين الاعتبار». وخطة شارون لا تستند إلى مبدأ الترانسفير (التهجير الجماعي) لأنه لم يعد ممكناً بفعل صمود شعبنا في الأرض واستخلاص دروس نكبة 48 و احتلال 67، و لم يعد ممكناً في الظروف الدولية الراهنة، كما لا تستند الخطة إلى مبدأ الانسحاب إلى خطوط حزيران /يونيو 67، لأن ثمة اتفاقاً إسرائيلياً عاماً، على رفض هذا المبدأ كأساس للحل.

      خطاب هرتسليا، الذي سمي بمشروع الانفصال من جانب واحد يضع الفلسطينيين أمام خيارين. إما القبول بشروط إسرائيل لتطبيق خارطة الطريق، مع تعديلها بالأخذ بشروط شارون الأربعة عشر. وإما لجوء شارون، من طرف واحد لتطبيق الخارطة بالشروط ذاتها( ). والفارق بين الخيارين بعض التحسينات النسبية جداً في التطبيق على سبيل المثال: في كلتا الحالتين سوف يستمر بناء جدار العزل العنصري. لكن الفارق، إنه إذا ما بني بالتوافق مع الفلسطينيين فإن معاملات العبور عبر بوابات الجدار سوف تكون «أكثر مرونة» مما لو أنه بني دون موافقتهم. وعلى سبيل المثال أيضاً فإن إعادة الانتشار لقوات الاحتلال لن تلتزم خطوط حزيران/يونيو 67، بل سوف تلتزم خطوطاً جديدة ترسمها هيئة الأركان الإسرائيلية. وفي حال شارك الفلسطينيون في المفاوضات حول هذه الخطوط «فمن المتوقع» أن تلجأ هيئة الأركان إلى خطوط أمنية «جديدة»( ).

      والخطة تدعو الفلسطينيين للقبول بتفسير شارون لخطة الطريق، والعمل، خلال ستة أشهر على تطبيقها. ما عدا ذلك فسوف يجد شارون نفسه مرغماً من طرف واحد. هذا في الخط العام. أما في التفاصيل فإن شارون أعاد التأكيد على النقاط الرئيسية التالية:

    • إسرائيل دولة يهودية «تشكل مركزاً روحياً وقومياً لكل يهود العالم» و«الهجرة هي الهدف المركزي لدولة إسرائيل».

    • استيعاب آلاف المهاجرين اليهود سنوياً تتطلب «خططاً اقتصادية»، ومشاريع «لتعليم الشباب»، وخططاً أخرى «لتعزيز التكتل الاجتماعي».

    • جوهر خارطة الطريق «الأمن» و«في إطار تفكك منظمات الإرهاب» وأنني لا أعتزم انتظارهم (أي الفلسطينيين) حتى القنوط. إسرائيل مستعدة خلال ستة أشهر للبدء من جانب واحد بتطبيق رؤيتها للخارطة.

    • لا مساومة في تطبيق مراحل الخارطة. إذا ما سلك الفلسطينيون «طريق القانون ومكافحة الإرهاب والتحريض وتصفية المنظمات الإرهابية». فإن إسرائيل على استعداد لمكافأتهم في تحسين شروط حياتهم «سترفع أطواقاً وإغلاقات وتخفض عدد الحواجز (..) كما ستسلم وفقاً للتنسيق الأمني (دوماً الأمن هو الجوهر) مدناً فلسطينية إلى المسؤولية الأمنية الفلسطينية».

    • إذا ما واصل الفلسطينيون بعد عدة أشهر عدم تنفيذ دورهم في خارطة الطريق عندها ـ ستبادر إسرائيل إلى خطوة أمنية من جانب واحد لفك الارتباط مع الفلسطينيين، بالتنسيق الأقصى مع الولايات المتحدة. خطة فك الارتباط ستتضمن إعادة انتشار لقوات الجيش الإسرائيلي في خطوط أمنية جديدة، وتغيير انتشار التجمعات السكانية بحيث يتقلص قدر الإمكان عدد الإسرائيليين المتواجدين في قلب السكان الفلسطينيين سنرسم خطوطاً أمنية مؤقتة وسيتوفر الأمن من خلال انتشار الجيش وجدار الأمن وعوائق مادية أخرى. خطة فك الارتباط ستقلص الاحتكاك بيننا وبينهم. والاستكمال السريع للجدار الأمني سيسمح للجيش الإسرائيلي برفع حواجز والتخفيف عن الحياة اليومية للسكان الفلسطينيين.

    إذن مشروع شارون واضح ولا يحتاج إلى الكثير من التفسير. إذا قبل الفلسطينيون بشروطنا، تعاونا معهم. وإذا رفضوا شروطنا، عملنا من جانب واحد على تطبيق خطتنا، وسلاحنا في ذلك الجيش، ومصادرة الأرض بالقوة. الموقف الإسرائيلي وجد ترحيباً من الولايات المتحدة إذ قيم الناطق باسم البيت الأبيض خطاب هرتسليا إيجاباً. إذ أشاد بالتزام شارون بخطة الطريق (متجاهلاً في السياق تحفظاته واشتراطاته عليها وقراءته الخاصة لها). لكن واشنطن في السياق أعادت تأكيد رفضها أية خطوات من جانب واحد، ودعت إلى لقاء فلسطيني _ إسرائيلي غير مشروط، وواضح أن المقصود بعبارة «غير مشروط»، أي لا يشترط الفلسطينيين على إسرائيل وقف بناء جدار الفصل العنصري، الذي لم تدرجه الولايات المتحدة في باب «الخطوات من طرف واحد»، بل دعت إلى التعود عليه، باعتباره إجراء أمنياً بحتاً، يدخل في باب الحق الإسرائيلي المشروع في الدفاع عن النفس. وبذلك يتجاوز الأميركيون انتقاداتهم لهذا الجدار، حين وصفه بوش ببلاغة غير معهودة لديه على أنه «ثعبان يتلوى في بطن الضفة الفلسطينية». ولم يجد شارون ما يختتم به خطابه في هرتسليا سوى جملة رئيس أول حكومة لإسرائيل دافيد بن غوريون، قالها في اليوم الثاني لقيام دولة إسرائيل مؤكداً فيه «إن حرب الاستقلال لم تنتهِ بعد».

    في هذه العبارة المكثفة يلخص شارون مشروعه في مواجهة الاستعصاء الفلسطيني المتمثل في الانتفاضة والمقاومة.. وواضح أن شارون يرى بوضوح أنه على نتائج مصير الانتفاضة والمقاومة، وقدرتها على شق الطريق للمشروع الوطني الفلسطيني يتوقف مصير دولة إسرائيل ومستقبلها. إن حرب «الاستقلال الإسرائيلي» لم تنتهِ بعد. لأن حرب إسرائيل ضد المشروع الوطني الفلسطيني لم تنتهِ بعد. و هو ما يعكس فشل " اليسار الصهيوني " في تقديم مشروع بديل لمشروع شارون و حكومته يمكن أن يشق طريقه ليصبح مشروع الأغلبية الاسرائيلية.

    وما قاله شارون في مؤتمر هرتسيليا ، أعاد التأكيد عليه في مؤتمر الليكود في 5/1/2004، وتناوله في خطابه في الكنيست في 12/1/2004، مؤكداً في السياق على عدد من القضايا الرئيسية أهمها:

  • اذا استجاب الفلسطينيون لدعوته إلى المفاوضات على قاعدة شروطه الأمنية المعروفة أي القضاء على ما يسمى " الارهاب" ( أي ازالة " الانتفاضة – الاستعصاء " من الطريق حتى لا تشكل ورقة قوة بيد الجانب الفلسطيني) فهذا أفضل لأجل تسوية بين الطرفين ، و إلا فسوف ينفذ خطته بشكل منفرد.
  • يتحدث عن تفكيك المستوطنات " غير الشرعية ( مما يؤكد في السياق وجود مستوطنات " شرعية")، وبعبارة اخف " غير القانونية " أو " غير المسموح بها " ، و يعتبر ذلك تنازلاً مؤلماً ،مع انه اعترف في مؤتمر هرتسيليا أن البحث في مصير المستوطنات دوافعه " رسم خط أمني ناجع لدولة اسرائيل" . وفي الحالتين ، بمفاوضات أو بدونها ، و بعد أن يضمن التخلص من الانتفاضة ، سيبقى مصراً على ابتلاع الأجزاء الواسعة من الضفة الفلسطينية بذريعة " الدواعي الأمنية" ، وهو الستار الذي يخفي خلفه الجانب الاسرئيلي التوسعي مشروعه لابتلاع الأرض لأجل استيراد المزيد من المهاجرين اليهود.

    الملاحظ في السياق أن شارون ، رغم ما قيل عن وجود معارضة لمشروعه ، في الليكود، وخارجه، نجح في ازاحة المعارضة الداخلية و شعاره في ذلك "أنا أقرر – أنا أنفذ"، كما نجح في الحفاظ على الأغلبية البرلمانية بعد خطابه في الكنيست رداً على مشروع حجب الثقة والذي تقدم به حزب العمل ، والذي طلب التصويت عليه بعد ما تجاهل ما طرحه في خطابي هرتسليا ومؤتمر الليكود عن المستوطنات وتعديل مسار بعض مقاطع جدار الفصل التصفوي . تحت ضغط مظاهرة اليمين الحاشدة في تل أبيب ( ميدان رابين / 120 ألف / مشاركة أكثر من نصف كتلة الليكود البرلمانية ومنها رئيس الكنيست ريفيلن) ، ثم عاد وطرح في تصريحاته مع هآرتس (2/2/2004) اخلاء (17) مستوطنة في غزة بالانفصال الاحادي الجانب) كل عدد المستوطنات في القطاع (17) ) وفق خطته ، وتعليق زعماء المعارضة (المسألة بالتنفيذ بعد أن اضاع شارون ثلاث سنوات بالاقوال)، وكشف تصويت الكنيست على الثقة بحكومة شارون الانقسام الواسع في المجتمع والكنيست (2/2/2004) تجاه الحلول السياسية وخطة شارون ، وقد سقط اقتراح حزب شاس بحجب الثقة على خلفية التناقض بين تصريحات شارون والمستوطنين في قضية اخلاء المستوطنات ، بفارق صوت واحد، حيث أيد الاقتراح 41 نائباً فيما عارضه 42 نائباً. كما اسقطت الكنيست بنسبة الاصوات ذاتها اقتراح حجب الثقة الذي قدمه حزب العمل على خلفية الاوضاع الاقتصادية المتدهورة للسلطات المحلية في "اسرائيل".

    ويشار هنا إلى ان نواب المفدال والاتحاد القومي واربعة من نواب الليكود ، تغيبوا عن الجلسة ، على خلفية تصريحات شارون لهآرتس (2/2/2004) بشأن خطة الانسحاب من مستوطنات غزة . وتمكنت حكومة شارون من اسقاط الاقتراحين بفضل نجاحها بإحضار نائب الليكود مجليِّ وهبة ، من البحر الميت ، على وجه السرعة للمشاركة في التصويت . كما نجت حكومة شارون بفضل غياب ستة من النواب العرب عن الجلسة بسبب عطلة عيد الاضحى . وهذا كله يؤشر على عمق الانقسام السياسي والاقتصادي ( الطبقي ) في المجتمع الاسرائيلي ، الذي يحتاج الى المشروع الفلسطيني السياسي الموحد لتعميقه وتطويره إلى أمام ، هذا فضلاً عن "اتهامات الرشاوي لشارون وأبنائه في قضايا الجزيرة اليونانية ، وأرض اللد، مع رجل الاعمال ديفيد أفل ، التي تهدد مصير شارون على رأس الحكومة والليكود " .

    وقد أوضحت استطلاعات الرأي التي أجريت على ضوء خطاباته، أن الليكود ما زال يحتل الموقع الأول في الشارع الاسرائيلي و أن العمل يحتل الموقع الثاني ، لكن بفارق كبير بين الاثنين (38 مقعداً للليكود مقابل 21 مقعداً للعمل فيما لو أجريت انتخابات الكنيست الآن). أما ميريتس فلم يحصل إلا على 6 مقاعد افتراضية ( هو يحتل الآن 6 مقاعد في الكنيست) بينما بقيت أحزاب شاس والاتحاد الوطني و يهودوت هتوراه في مواقع متقدمة عنه، الأمر الذي يشير إلى أن صوت اليمين مازال هو المسيطر على الشارع الاسرائيلي. (استطلاع للرأي اجرته معاريف في 11/1/2004). و هو ما يعكس فشل اليسار الصهيوني في تقديم مشروع بديل وموحَّد لمشروع شارون و حكومته يمكن أن يشق طريقه ليصبح مشروع الأغلبية الاسرائيلية .

    فحزب العمل مازال منشغلاً بأوضاعه الداخلية في ظل القيادة المؤقتة لشمعون بيريس. و قد حاول الأخير اطلاق مشروع سياسي للحل في مواجهة مشروع شارون ارتكز على فكرة "غزة أولاً" ، بحيث يخلي جيش الاحتلال القطاع، و يجلو عنه المستوطنون، و تتفكك فيه البنية الاستيطانية ، و بعدها ، (أي بعد الاختبار الأمني لمدى "انضباط " القطاع لشروط الهدنة – أي بتعبير آخر وقف الانتفاضة) تبدأ خطوات جزئية في الضفة، تستند إلى " المصالح الأمنية " لدولة اسرائيل ، بما في ذلك الاحتفاظ بالكتل الاستيطانية ، و بالقدس الموحدة عاصمة لدولة اسرائيل، و بتعديل الحدود (دوماً لأسباب أمنية), و لعلّ بيريس لم يقدم جديداً في مشروعه الذي لم يجد التفافاً حوله من قبل حزب العمل نفسه، فموقع بيريس "المؤقت" لا يوفر له القدرة على شق الطريق أمام مشروعه السياسي، فضلاً عن أن تردد هذا المشروع في حسم المواقف يفقده القدرة على اجتذاب قاعدة شعبية ، مازالت ترى أن " الحسم" في مشروع شارون هو " الضمانة الحقيقية" للهموم " الأمنية" كما يقدمها اليمين، و يتبناها في الوقت نفسه " اليسار الصهيوني" .

    تجربة أخرى " لليسار الصهيوني" تمثلت بتحركات بيلين – عبد ربه التي أثمرت اتفاقية " البحر الميت – جنيف" و التي استندت إلى تنازلات فلسطينية عما تم التنازل عنه في الجولات التفاوضية الماضية. و رغم ادعاء الجانب الفلسطيني أن أحد أسباب توقيعه على هذه الاتفاقية هو احداث حراك سياسي داخل المجتمع الاسرائيلي، إلا أن الملاحظ أن الطرف الاسرائيلي الذي شارك في الاتفاق لا يتمتع بقاعدة شعبية ذات نفوذ في المجتمع الاسرائيلي. و رغم محاولات بيلين ، الترويج للوثيقة اسرائيلياً، إلا أنه وجد نفسه يجول مع شريكه عبد ربه على العواصم الدولية ليقدما وثيقتهما كأساس للحل الدائم (ربطاً بأصحابه) في محاولة من الطرفين للاستقواء بالخارج على الداخل ( الفلسطيني الذي رفض الوثيقة لأنها قدمت تنازلات من حقوقه الوطنية «استطلاع المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية / رام الله / 4-9 كانون أول / ديسمبر 2003 في الضفة وقطاع غزة ) ، فضلاً عن الرفض الاوسع في اقطار اللجوء والشتات – اكثر من 50% من الشعب- يجري دائماً تجاهله في مراكز الاستطلاعات في رام الله ، نابلس ، بيت ساحور ، القدس - ، و الاسرائيلي لأنه لم يجد " تنازلات " كافية مقارنة ببرامج اليمين الاسرائيلي).

    لكن الملاحظ في السياق ، و بغض النظر عن مضمون المشاريع الثلاثة المقدمة اسرائيلياً (شارون – بيريس-بيلين) فانه ثمة اجماع صهيوني على ضرورة وقف الانتفاضة و المقاومة (معزوفة الارهاب)- أي ازالة " الاستعصاء الفلسطيني" كشرط لازم لبدء المفاوضات.

    (4)
    الحالة الفلسطينية : غياب المشروع الموحد ..
    غياب القيادة الموحدة

    "الاستعصاء" الذي شكلته الانتفاضة و المقاومة، وواجهت به مسيرة التسوية المختلة لصالح الجانب الإسرائيلي، وجد ردوداً عليه من قبل جميع الأطراف، إن على الصعيد الدولي (الأميركان ـ الأوروبيون ـ الروس - الامم المتحدة( )، أو على الصعيد الإقليمي( ) فماذا كان الرد الفلسطيني يا ترى؟ بداية لابد من التأكيد أن الرد الفلسطيني على "الاستعصاء الممثل بالانتفاضة و المقاومة "، يفترض به أن يشكل الحلقة الرئيسية في سلسلة الردود و المشاريع السياسية، لأنه هو صاحب القضية، وهو الممسك بقرارها، وعلى قاعدة موقفه، يتوقف القسم الأكبر لنجاح أي مشروع للتسوية. كما لابد من التأكيد، في السياق، أنه بسبب من التطورات التي دخلت على الحالة الفلسطينية، وآليات اتخاذ القرار السياسي، باتت السلطة الفلسطينية منذ اتفاقات أوسلو (وليس منظمة التحرير) هي الممسك الحقيقي والفعلي بزمام القرار السياسي، وباتت المسؤولية الكبرى، في توفير الرد الفلسطيني الائتلافي الموحد على " استعصاء الانتفاضة "، تقع على عاتقها أولاً، دون إعفاء الآخرين من المسؤولية، لكنها مسؤولية موزعة بموجب موازين وفرت للسلطة الباع الأكبر في اتخاذ القرار بالانفتتاح أو عدمه على برنامج موحد للقواسم المشتركة، و مغادرة الادمان على الانفراد الفئوي السلطوي بالقرار الذي لا يوصل الى اعادة بناء وحدة البرنامج المشترك و خطط التكتيكات من موقع المشاركة باتخاذ القرار على يد فصائل و قوى الانتفاضة و المقاومة، وبالتالي حملت السلطة، إلى حد كبير مسؤولية اتخاذ هذا القرار.

    مع الانتفاضة دخلت الحالة الفلسطينية مرحلة جديدة، اختلفت فيها وجهة النظر إزاء ما يجري. فالسلطة ـ كما أسلفنا ـ نظرت إلى الانتفاضة على أنها ورقة تكتيكية لتحسين الموقع التفاوضي الفلسطيني، وفق الآليات ذاتها التي قادت إلى الفشل في كامب ديفيد2 وطابا. القوى الحية في الساحة الفلسطينية انطلقت من أن الانتفاضة تشكل وسيلة لشق طريق جديد لتسوية متوازنة، تستجيب للحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني. وبات واضحاً أن الحالة الفلسطينية باتت تقف أمام مشروعين مختلفين، الأول تدعمه السلطة وتقدمه إلى المجتمع الدولي على أنه وجهة النظر الرسمية للحالة الفلسطينية وأنه خيارها السياسي، والثاني جرى تقديمه في أكثر من صيغة، نظراً لتعدد وجهات النظر في صفوف القوى الوطنية الفاعلة في الانتفاضة، وفشلها في الاتفاق على برنامج موحد( ).

    إذن، " الانتفاضة – الاستعصاء " كرد فعل على سيناريوهات ومشاريع كامب ديفيد2 وطابا، مشاريع اليمين بزعامة شارون ، مشاريع اليسار الصهيوني ، القرارات الدولية ، خارطة الطريق ، مبادرة السلام العربية ، المشاريع الاقليمية … الخ ، لم تكن مسلحة ببرنامج موحد يستجيب لطموحات الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية المشروعة. وفي ظل غياب الوحدة الوطنية السياسية والتنظيمية (برنامج موحد وقيادة وطنية موحدة) ابتدعت الانتفاضة ما اتفق على تسميته <<الوحدة الميدانية>> الذي شكل في البداية حلاً مؤقتاً للخلافات القائمة في صفوف الحركة الوطنية الفلسطينية، والذي تحول في وقت لاحق، إلى حالة من الجمود السياسي، وفرت المناخ الذرائعي للسلطة الفلسطينية للاستفراد بالقرار السياسي من موقعها التمثيلي للحالة الفلسطينية( ).

    الخيار العقلاني للخروج من دوامة <<الوحدة الميدانية>> إلى رحاب الوحدة الوطنية تمثل في الدعوات المتكررة إلى حوار وطني شامل يضم الأطراف الفلسطينية كافة، بمن فيها السلطة نفسها، وبما يتيح في نتائجه تسليح الانتفاضة بسلاح يرتكز إلى أساسات أربعة هي:
    برنامج سياسي موحد، قيادة وطنية موحدة، استراتيجية كفاحية موحَّدة لتصويب مسار الانتفاضة والمقاومة متفق عليها، وخطة للإصلاح الداخلي لأوضاع السلطة لتمتين القدرة الوطنية على الصمود( )، واستراتيجية تفاوضية جديدة في اطار قرارات سلام الشرعية الدولية .

    وبذلك شهدت الساحة الفلسطينية جولات من الحوار في رام الله، وفي غزة، وفي القاهرة. وقد برزت في هذا السياق ثلاثة اتجاهات رئيسية عبر كل منها في سلوكه وموقفه من الحوار عن برنامجه الخاص:

    الاتجاه الأول ـ السلطة الفلسطينية
    1) الاتجاه الأول: مثلته السلطة الفلسطينية التي تعاملت مع جولات الحوار برؤيا تكتيكية ضيقة، استهدفت من خلال ذلك إلى تأكيد شرعيتها وحقها في الاستفراد بالقرار السياسي (تحت شعار سلطة واحدة ـ قانون واحد ـ قرار واحد). لذلك كانت تعيق وصول عمليات الحوار إلى خواتمها الإيجابية، إما بعرقلتها، أو بالارتداد عن نتائجها( ):

    • ففي حوار غزة ، وبعد أن توصلت القوى الفلسطينية إلى الاتفاق على وثيقة آب (أغسطس) 2002( صياغة لجنة خماسية من فتح ، د ، ش ، حماس ، جهاد ) ، رفضت السلطة الفلسطينية، ممثلة بقيادة حركة فتح، التوقيع على الوثيقة (وهي التي شاركت في صياغتها) متذرعة بارتداد حركة حماس عن التوقيع وتقديمها بالمقابل وثيقة بديلة كأساس للاتفاق الوطني. وبذلك عطلت السلطة وصول فصائل م.ت.ف (كحد أدنى مقبول) للتوافق على وثيقة سياسية تشكل أساساً لصياغة برنامج عمل موحد و آليات التنفيذ وتشكيل قيادة وطنية موحدة.

    • وفي وطأة الضغوط الأميركية والأوروبية لأحداث تعديلات في البنية السياسية للنظام الفلسطيني (تحت شعار الإصلاح) وأمام اقتراب موعد الاستحقاق العراقي وفقاً للأجندة الأميركية، لجأت السلطة إلى تكتيك إعادة تجميع القوى الفلسطينية، للاستقواء بها في مقاومة الضغوط الخارجية. والتصدي للتداعيات المحتملة. فدعت في شهر آذار (مارس) 2003 إلى إحياء وثيقة آب (أغسطس) 2002، وتم التوقيع عليها من قبل فصائل م.ت.ف، في 6/3/2003، وأعاد المجلس المركزي لمنظمة التحرير بدوره تبنيها في دورته المعقودة في 9/3/2003، لكن السلطة تملصت من الالتزامات السياسية الموحّدة و آليات التطبيق العملية المشتركة،والقرار بقي حبراً على ورق، بعدما انجلى الضباب عن الاستحقاق العراقي، واستحدثت السلطة منصب رئيس الحكومة، إلى جانب منصب رئيس السلطة (تحت الضغط الخارجي). لا بل أن اللجنة المركزية لحركة فتح، وفي مطلع نيسان (إبريل) من العام نفسه، أقرت ورقة عمل بديلة لوثيقة آب (أغسطس) المجمع عليها وطنياً داخل المجلس المركزي لمنظمة التحرير وخارجه.

      واعتبرت اللجنة المركزية ورقتها هي خطة العمل السياسي الملزمة لحكومة محمود عباس (أبو مازن)، وهي تلتزم خطة خارطة الطريق، كأساس للتسوية، وبرنامجاً لـ<<الإصلاح>> يستجيب لاشتراطات اللجنة الرباعية، ويتجاهل مشاريع الإصلاح الوطنية، بما فيها المشروع الذي كان أقره المجلس التشريعي بتكليف من الرئيس عرفات نفسه.

    • بدورها شكلت محطتا الحوار الأولى والثانية في القاهرة تجربة بالغة الدلالة. فالمحطتان عقدتا برعاية مصرية، وجرى التمهيد لهما بسلسلة لقاءات بين القاهرة والأطراف الفلسطينية الفاعلة. وبالتالي فإن الرعاية المصرية مثلت فرصة (عربية وإقليمية) أمام الحالة الفلسطينية، تتكئ عليها تتجاوز عقبات الوصول إلى توافق وطني يسلح الانتفاضة ببرنامجها السياسي الموّحد ويحولها من مجرد "استعصاء" أمام مشاريع التسويات المطروحة إلى مشروع وطني فلسطيني موحّد يشق طريقه بأساليب كفاحية متنوعة. في الجولة الأولى لم تقدم السلطة الفلسطينية من الضمانات والتأكيدات وآليات العمل ما يمكّن من دفع أمور الحوار إلى الأمام عن طريق التوافق الوطني، خاصة وأن السلطة سجلت على نفسها، قبل أسابيع قليلة من جولة القاهرة الأولى ارتدادها عن ورقة آب/اغسطس التوحيدية، بذريعة تراجع حركة حماس عنها. كما سجلت على نفسها عدم استعدادها لإعادة بناء ائتلاف م.ت.ف، وفق أسس ديمقراطية، تأخذ بالاعتبار المستجدات السياسية والاستحقاقات القادمة.

      أما في الجولة الثانية فقد استبقت السلطة موعد الحوار بالتشويش عليه عبر تنظيم حفل إشهار اتفاق <<البحر الميت ـ جنيف>> وتزويد الوفد الفلسطيني المشارك بكتاب تكليف من عرفات نفسه، الأمر الذي طرح تساؤلات حول جدية السلطة في حوارها مع الفصائل. كذلك شاركت السلطة بالحوار بوفد أكدت تركيبته، أنه لا يملك صلاحية اتخاذ القرار بالنيابة عن السلطة وعن فتح. كما أن الأسلوب الذي اتبعه وفد فتح في الحوار وانقلابه في ربع الساعة الأخير على ما تم الاتفاق عليه، وإصراره على "تفويض" لحكومة أبو علاء، "يعطيها صلاحية التفاوض" مع حكومة شارون، دون ضوابط وآليات للمراجعة والمساءلة الوطنية الشاملة. كل هذا، وغيره من الخطوات الأخرى، حالت دون أن تتوصل جولة الحوار الثانية إلى أهدافها المرسومة. رغم أن الأطراف كلها اتفقت في البداية على تجنب بحث القضايا الاستراتيجية، وتخفيض سقف الطموح من الجولة الحوارية، والاتفاق على تسميتها جولة حوار طوارئ، تقتصر وظيفتها على صوغ خطة عمل لسنة واحدة، تجابه فيها الحالة الفلسطينية استحقاقات عام الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، والذي يحمل في طياته إشارات تنبئ عن رغبة أميركية في تجميد الموضوع الفلسطيني حتى إشعار آخر، لصالح الانشغال بالموضوع العراقي وتداعياته الإقليمية( ).

    2) الاتجاه الثاني:
    ويمثله التيار السياسي الديني في الساحة الفلسطينية. وهو يشكل امتداداً عضوياً للإخوان المسلمين بتقاليد عملهم السياسي القائم على التفرد في تبني مشروع فئوي خاص، غير مشتق في أساسه واتجاهاته عن المشروع الوطني المشترك للقوى السياسية الفاعلة في الساحة الفلسطينية، يطرح نفسه بديلاً للحالة القائمة، لكنه يسعى في الوقت نفسه، في إطار مراكمة المكاسب الفئوية في المرحلة الراهنة، لتكريس ثنائية <<السلطة ـ حماس>>، بما يحوله إلى شريك للسلطة في مغانمها ومكاسبها، ويعفيه في الوقت نفسه من أية مسؤولية أمام تدهور الوضع الفلسطيني وتداعياته السلبية. يرفض في السياق الدخول في برنامج القواسم المشتركة، ويلقىا هذا الإتجاه في سياسات السلطة واستفرادها بالقرار، وتجاوزها لمفاهيم العمل الوحدوي وآلياته، مخزوناً ضخماً، يوفر له الذرائع الكافية للتملص من استحقاقات العمل المشترك، ومشاريع الوحدة الوطنية. ففي حوارات آب/اغسطس، على سبيل المثال، تذرع هذا الإتجاه بتفرد السلطة بالقرار، وتجاوزها للخطوط الحمر المتفق عليها وطنياً، لينقلب على وثيقة آب، لصالح ورقة بديلة بدت في ظاهرها أكثر تشدداً، لكنها في حقيقة أمرها، حفلت بالعديد من النصوص الغامضة التي تتيح لهذا التيار البحث عن توافقات <<ثنائية>> بينه وبين السلطة، وتتيح له مرونة واسعة في خط وتكتيك علاقاته الاقليمية وغيرها ، في إطار إدامة لعبة <<ثنائية سلطة ـ حماس>> بديلاً لمشروع الوحدة الوطنية باستحقاقاتها والتزاماتها المتعارضة في جوهرها وآلياتها مع مشروع السلطة، ومشروع الاتجاه السياسي الديني ، في آن( ).

    وفي جولة الحوار الأولى في القاهرة، تذرع هذا التيار بالحالة المهترئة لأوضاع م.ت.ف، وتهميش السلطة لها ولدورها في صناعة القرار السياسي ومشاركة الأطراف فيه، ليتملص من الدعوات إلى الدخول في المؤسسات الوطنية، بما فيها القيادة الوطنية الموحدة، مصراً على البقاء خارج أية آليات مشتركة ملزمة، مبدئياً في الوقت نفسه استعداده المبدئي للدخول مع السلطة في صفقات ثنائية تتجاوز الآخرين، وتوفر للطرفين، مكاسبهما الفئوية على حساب المصلحة الوطنية العليا( ).

    أما في جولة الحوار الثانية (في القاهرة أيضاً) فقد تذرع، إلى جانب اهتراء أوضاع م.ت.ف، بتوفير السلطة الغطاء السياسي لأصحاب <<البحر الميت ـ جنيف>>، وغيرها من الممارسات والسلوكيات، ليبرر لنفسه، رفض الدخول في البحث تشكيل القيادة السياسية، وآليات المشاركة في القرار الوطني، وشروط إعلان وقف إطلاق النار واستحقاقات هذه العملية على المستوى السياسي. وفي الوقت الذي كان فيه هذا التيار، يغلق الطريق أمام احتمالات الوصول إلى اتفاق ما في القاهرة، كان يدير في الوقت نفسه حواراً ثنائياً مع عرفات (عبر الجانب المصري) ومع الأميركيين (مباشرة في بيروت وغزة، وعبر الجانب القطري في الوقت نفسه) وصولاً لصفقات تؤمن له المكاسب الفئوية. فقد كشفت الوقائع اللاحقة أن رئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل كان يدير قناة الحوار مع عرفات، وقناة الحوار غير المباشر مع الجانب الأميركي عبر وزير خارجية قطر. كما كان في الوقت نفسه ممثل الحركة في لبنان، أسامة حمدان يدير هذا الحوار مع الأميركيين في بيروت، بينما، كانت قيادة حماس تستقبل في غزة المبعوثين الأميركيين، تتسلم منهم العروض، وتسلمهم مقابلها ردود قيادة الحركة واقتراحاتها( ). و آخر تكتيكات هذا الاتجاه تمثلت في تصريحات الرنتيسي (25 ك2/يناير 2004) "باستعداد حماس لهدنة مدتها عشر سنوات اذا انسحبت اسرائيل من الارض المحتلة عام 1967"، وعاد وأكد ذلك من جديد ( الحياة / 26 ك2/ يناير/غزة )، و دون أية اشارة لحل مشكلة اللاجئين بالعودة إلى ديارهم أو عملاً بالقرار الأممي 194( ).

    3) الاتجاه الثالث: ويضم تحت رايته اليسار الديمقراطي الثوري والقوى الديمقراطية الأخرى، وقد ساهم هذا الاتجاه مساهمة فعالة في إغناء الحالة الفلسطينية عبر تقديم برامجه الوطنية والخاصة للعمل المشترك. نشير من بينها إلى مجموعة المبادرات التي تقدمت بها الجبهة الديمقراطية، ونجحت، وباعتراف العديد من القوى، في أن تتحول إلى الخطاب السياسي والبرنامج الوطني المعتمدين في خطهما العريض من قبل مجموع القوى الديمقراطية في الحالة الفلسطينية، اشتقت منه برامجها الخاصة، في إطار مساهمتها في إغناء الحوار والنقاش لبلورة برنامج وطني جامع. ولم يقف دور هذه القوى عند حدود المساهمة السياسية المتقدمة، في صوغ المبادرات والبرنامج وأوراق العمل، بما في ذلك فتح الباب أمام آليات المشاركة في القرار السياسي، بل قدم اليسار الديمقراطي الفلسطيني في الانتفاضة والمقاومة ممثلاً في الجبهة الديمقراطية، النموذج المتقدم للمقاومة الواقعية الثورية، الداعية إلى ترشيد العمليات القتالية، عبر استهداف قوات الاحتلال وقطعان المستوطنين في فلسطين المحتلة ، وتسليح هذه المقاومة ببرنامج سياسي يقوم على القواسم / الجوامع المشتركة ، واضح وشفاف، وباستراتيجية كفاحية تجمع بين الانتفاضة والمقاومة من جهة، والعملية السياسية المتوازنة، والمستندة إلى قرارات الشرعية الدولية من جهة أخرى؛ وإسناد هذا كله بخطة للإصلاح الديمقراطي، لإعادة بناء السلطة، وم.ت.ف، على أسس ديمقراطية تفتح الباب لمشاركة الجميع في المؤسسات الوطنية الفلسطينية بما في ذلك تشكيل حكومة ائتلاف وطني، تكون معنية بتوفير مقومات صمود المجتمع الفلسطيني وتمتين بنيته الداخلية.

    في المحطات كافة، لعب اليسار الثوري والقوى الديمقراطية في الساحة الفلسطينية دوراً ملموساً ومميزاً، ومستقلاً عن اتجاه السلطة (ومنتقد له)، وعن الاتجاه السياسي الديني ( تسييس الدين و تديين السياسة)(ومنتقد له أيضاً) بروح الحوار التوحيدي ومشروع برنامج القواسم المشتركة (وثيقة آب / اغسطس ، برنامج الاصلاح والتغيير الديمقراطي ، حوارات الضفة / غزة / القاهرة ...) . لكن مشكلة هذا الاتجاه أنه لم يوفر لأطرافه المختلفة وقاعدته الجماهيرية مراكمة ومسارعة النفوذ الواسع بمسار الانتفاضة وفي المقدمة تطوير المقاومة المسلحة ونحو منهج وخط موحَّد ، والحضور اليومي البارز في العمل الجماهيري والعمليات الانتخابية الجامعية (الطلابية و الأكاديمية) والمهنية ، والخطوات الملموسة لأعرض الجماهير ببناء الأطر الوطنية التوحيدية في قواعد الانتفاضة ، بما يقدم للمجتمع الفلسطيني التيار الديمقراطي في سياق تكريس الدور السياسي التاريخي العريض لهذا التيار، وقطع الطريق على صيغة تصنيع ثنائية <<سلطة ـ حماس>> ، تداخلت فيها عوامل محلية و اقليمية و دولية طيلة عشرية التسعينات حتى يومنا، لصالح صيغة الائتلاف الوطني التوحيدي العريض الذي يشكل الأساس العملي و الموحّد لتجاوز أزمة السلطة و مأزق فصائل و قوى الانتفاضة والمقاومة و مجمل الحركة الوطنية الفلسطينية. كما لم يتمكن هذا التيار حتى الآن من تسريع وتكثيف مراكمة قواه ومكاسبه السياسية الوطنية وصولاً الى المستوى المطلوب من الشعب وقوى التحرر والتقدم الاقليمية والدولية ، في الميدان السياسي، وفي الميدان الجماهيري، أو في ميدان تقديم النموذج الوازن للمقاومة الواقعية الثورية ضد الاحتلال والمستوطنين. ويبقى هذا الاتجاه، مطالباً بالعمل على محورين:

      الأول: خوض معركة الوحدة الوطنية بالأسلوب الجماهيري الديمقراطي ، وفي المقدمة في قواعد الانتفاضة والعمليات الانتخابية الطلابية والمهنية والنسائية ... والقادم على الجميع من انتخابات بلدية وقروية وبرلمانية ورئاسية ، والحوارات العلنية ، وبين كل قوى الانتفاضة والمقاومة والسلطة .
      الثاني: خوض معركة بناء التيار الديمقراطي العريض في الميدان والتحالفات، بما يعزز من طروحاته السياسية والبرنامجية والكفاحية.

    إن خوض هذه المعركة يتطلب مراكمة القوى الذاتية واستنهاض كل الطاقات، وتجنيد المزيد من الطاقات الاجتماعية في الساحة الفلسطينية، التي مازالت تنتظر دوراً أفضل للقوى الوطنية الثورية الواقعية، قوى الديمقراطية و الحداثة و برنامج القواسم المشتركة و الوحدة الوطنية الائتلافية، لدفع اتجاه السلطة والاتجاه السياسي الديني نحو برنامج القواسم المشتركة والائتلاف الوطني الوحدوي( ).

    (5)
    السلطة الفلسطينية : سياسة الفرص الضائعة

    اتباع السلطة لسياسة مزدوجة تحاول فيها الحفاظ على التوازن بين الحفاظ على موقعها في المعادلة السياسية الإقليمية للولايات المتحدة، عبر تلبية اشتراطاتها السياسية (حيث أمكن) والمناورة حولها والمماطلة إزاءها (حيث لا يمكن تلبيتها)، من جهة، وبين الحفاظ على جسورها الممتدة داخل الانتفاضة ونفوذها فيها، مع الحرص على شدها إلى الخلف، والحؤول دون إطلاق طاقاتها السياسية والكفاحية كاملة.. هذه السياسة وضعت السلطة في حالة من الإشكالية السياسية تحول دون التقدم بالحالة الفلسطينية إلى الأمام نحو المشروع الوطني الموحد، ونحو "إطلاق المشروع الفلسطيني الموحَّد للسلام المتوازن في مواجهة المشاريع الإسرائيلية ـ الأميركية".

    وفي ظل هذه السياسة المزدوجة أضاعت السلطة، خلال الفترة الماضية العديد من الفرص التي كان بالإمكان الإفادة منها لانتشال الحالة الفلسطينية من مأزقها، وتخليصها من إشكاليتها، والاندفاع بها إلى الأمام:

      1) الفرصة الأولى جاءت مع وصول جميع فصائل الانتفاضة و المقاومة الى وثيقة آب / أغسطس 2002. وحتى توقيع جميع فصائل م.ت.ف عليها (6/3/2003) و لكن احجام السلطة عن التقدم خطوة عملية واحدة إلى أمام باتجاه تنفيذ وثيقة آب / أغسطس أضاع الفرصة الذهبية الأولى و الكبرى لاعادة بناء مكونات القوة الفلسطينية الموحدة ببناء الائتلاف الوطني الواسع تحت سقف برنامج القواسم المشتركة والاصلاح الديمقراطي لمؤسسات السلطة و منظمة التحرير.

      2) وفي كانون الأول (ديسمبر) 2002، وعشية الانتخابات التشريعية الإسرائيلية ولدت أمام السلطة الفلسطينية فرصة <<خوض الانتخابات الإسرائيلية>> عبر التلويح للمجتمع الإسرائيلي بالبرنامج الفلسطيني الموحَّد للسلام المتوازن، بكل ما يقتضيه هذه البرنامج من إعادة تنظيم الصفوف الفلسطينية الداخلية، وإعادة صياغة العملية الكفاحية الفلسطينية. لكن السلطة الفلسطينية، كما هي في فرص مماثلة ذات صلة بالانتخابات التشريعية الإسرائيلية، راهنت على حزب العمل، كمشروع للسلام الإسرائيلي، وجيشت طاقاتها تدعو من خلالها المواطنين العرب في إسرائيل لانتخاب حزب العمل باعتباره صاحب مشاريع السلام في الحالة الإسرائيلية، مستندة في دعواها ايضاً إلى أوراق عمل توصلت لها شخصيات فلسطينية (ذات صفة ملتبسة، من جهة هي رسمية ومن جهة أخرى هي غير رسمية) كسري نسيبة مع شخصيات إسرائيلية معروفة، كعامي إيالون، حملت في طياتها تنازلات خطيرة عن الحقوق الفلسطينية. إن ما دعا السلطة للمراهنة ـ الفاشلة ـ على حزب العمل والأطراف الأخرى في الساحة الإسرائيلية والإحجام عن تقديم البرنامج الفلسطيني الموحَّد والمنشود للسلام، هو ترددها بين محاولة الانسجام، بشكل أو بآخر، مع المشروع الأميركي للحل، وبين حفاظها على دورها وموقعها في الانتفاضة. مثل هذا التردد، بما يحمله في طياته من خلفيات سياسية واجتماعية، واستهدافات عاجزة عن الإفصاح علناً عن نفسها، هو في حد ذاته تعبير فاقع عن طبيعة الأزمة التي تعيشها السلطة الفلسطينية( ).

      3) الفرصة الأخرى التي أضاعتها السلطة الفلسطينية نتيجة أزمتها الداخلية، هي لحظة الحوار الأولى في القاهرة في كانون الثاني (يناير) 2003. كانت السلطة تدرك ، كما يدرك اليسار الديمقراطي، جيداً ما هو الاستحقاق الإقليمي التي ستقبل عليه المنطقة حين ستغزو الولايات المتحدة العراق، وتستولي عليه، كما كانت تدرك ما في هذه الاستحقاق الإقليمي من تداعيات على مجمل الحالة العربية بما فيها الحالة الفلسطينية. وأكدت الوقائع اللاحقة صحة الموقف الداعي إلى إعادة ترتيب الحالة الفلسطينية ـ قبل سقوط العراق ـ وإعادة تقديمها إلى المجتمع الدولي بالشكل الذي يفترض أن تكون عليه، أي بما هي حركة تحرر وطني لشعب تحت الاحتلال، تكفل له الشرعية الدولية ممارسة كل أشكال الكفاح والنضال لنيل استقلاله وحريته وسيادته الوطنية على أرضه. كان يمكن لهذه الخطوة أن تخلق توازناً سياسياً على المستوى الإقليمي، يمكن الحالة الفلسطينية من استقبال تداعيات الحالة العراقية، بخسائر أقل، خاصة وأن الولايات المتحدة، حين أفرجت عن خطة خارطة الطريق، بعد سقوط العراق و حل الدولة العراقية، انطلقت من كونها منتصرة في حربها في المنطقة، و(إسرائيل اعتبرت نفسها هي الأخرى منتصرة في هذه الحرب( )) بكل ما لهذا الانتصار من تداعيات على التفسير السياسي لنصوص خطة خارطة الطريق، وعلى الموقع <<المميز>> للولايات المتحدة في اللجنة الرباعية، خاصة في مواجهة الاتحاد الأوروبي، وروسيا الاتحادية، اللذين وقفا ضد الحرب الأميركية على العراق. إن إحجام السلطة الفلسطينية عن القيام بمبادرة سياسية، من وزن المبادرة التي اقترحت على طاولة الحوار في القاهرة، وبقاءها في خانة التردد، بين محاولة الانسجام مع المشروع الأميركي وبين محاولة الحفاظ على موقعها في الانتفاضة، هو تعبير آخر عن حقيقة الأزمة التي تعصف بالسلطة.

      4) بدورها شكلت تجربة وقف إطلاق النار في 29/6/2003، هي الأخرى محطة حملت في طياتها العلامات الدالة على طبيعة الأزمة التي تعانيها السلطة الفلسطينية. فبعد الفشل في الوصول في جولة حوار القاهرة الأولى إلى توحيد الحالة الفلسطينية، وجدت القوى المقاتلة نفسها مرغمة في 29/6 إلى الإعلان، كلاً على حدة، عن قرارها وقف إطلاق النار، وبصيغ ودوافع وأهداف مختلفة.

      • فالسلطة الفلسطينية (ومن خلفها فتح وكتائب شهداء الأقصى) قدمت قرارها في سياق الالتزام بخطة الطريق. وفي ظل حالة التفكك الفلسطينية، صادرت السلطة الفلسطينية عنوان م.ت.ف، واستفردت به في بيان صادر عنها يلتزم، باسم المنظمة بقرار وقف إطلاق النار، دون استشارة باقي أعضاء المنظمة المعنيين، خاصة الأطراف المقاتلة منهم.

      • أما حركة حماس، والتي كانت في حوار القاهرة قد رفضت أي شكل من أشكال وقف إطلاق النار، فقد وجدت نفسها، (على وقع الزلزال العراقي، والخطوة الفلسطينية باستحداث منصب رئيس الحكومة، والخطوة الدولية بالكشف عن خارطة الطريق) وجدت نفسها أمام ضغوط إقليمية (سعودية) ودولية (أوروبية) تضعها أمام خيارين.

        فالرياض أبلغت حماس أن المماطلة في رفض وقف إطلاق النار قد وصلت إلى خطها الأحمر، وأن الظروف الإقليمية، بما في ذلك تبني خارطة الطريق باتت تحتم على الجميع تقديم تنازل معين، سقفه الإعلان عن وقف لإطلاق النار. بدورها أبلغت قطر حركة حماس أن القمة الأوروبية سوف تنعقد في 30/6/2003، وأن ثمة توافقاً لدى أطراف الاتحاد على إدراج الجناح السياسي لحركة حماس (والجهاد) على لائحة القوى المتهمة بالإرهاب إن هي لم تعلن وقفاً لإطلاق النار. وقد <<نصحت>> الدوحة حركة حماس (كما كانت نصحتها الرياض) بضرورة <<تفويت الفرصة على الأوروبيين>> من هنا يتضح لماذا ولد قرار <<تعليق العمليات>> يوم 29/6، أي في الساعة الأخيرة قبل انعقاد القمة الأوروبية. الملاحظ في السياق نفسه، أن قرار حماس (والجهاد) بوقف إطلاق النار، لم يندرج في أي إطار سياسي وأعلن الشيخ أحمد ياسين ان وفوداً من حماس بحثت هذا القرار مع القاهرة والسعودية وقطر. بل تمّ، كما ورد في البيان نزولاً عند نصائح الأصدقاء وتمنياتهم. وهو ما حوّل هذا القرار إلى خطوة مجانية في الهواء، لا قيمة سياسية لها. وهو الأمر الذي دفع أطرافاً حليفة لحماس، كالجبهة الشعبية ـ القيادة العامة، لانتقاد الأسلوب الذي صدر به قرار وقف إطلاق النار، والتأكيد في السياق، إنه لو تم القبول بالمبادرة المصرية في حوار القاهرة في كانون الثاني (يناير) 2003 لكان الموقف أفضل، ولكان بالإمكان استثمار القرار السياسي بطريقة مفيدة( ).

      • من جانبها أعلنت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين قرارها بوقف إطلاق النار، دون سقفه زمنياً، وأدرجته في سياق سياسي يربط القرار بأهداف الانتفاضة الآنية والمباشرة، باعتبارها تفتح في وقت لاحق على الأهداف الأبعد، أي شق الطريق أمام عملية تفاوضية متوازنة، تكفل للجانب الفلسطيني حقوقه الوطنية المشروعة. لذلك دعت الجبهة الديمقراطية في بيانها، إلى التزام إسرائيل باستحقاقات وقف إطلاق النار، بما هو إطلاق سراح المعتقلين والأسرى، ووقف الاستيطان، وتفكيك المستوطنات المقامة بعد آذار (مارس) 2001، وفك الحظر عن المؤسسات الفلسطينية في القدس، وفك الحصار عن الشعب الفلسطيني والعودة إلى خطوط 28/9/2000.

      • من جانبها اتخذت الجبهة الشعبية موقفاً خاصاً، حين لم تعلن وقفاً لإطلاق النار لكنها في الوقت نفسه أكدت التزامها بوحدة الموقف الفلسطيني. وبالتطبيق العملي التزمت الشعبية بقرار وقف إطلاق النار، كما التزمت به الأطراف الأخرى، لكن دون وضع هذا الموقف في سياق سياسي ملزم باستحقاقاته للجانب الإسرائيلي. الحكومات الفلسطينية والتجربة المرة 5) ومن التجارب المهمة التي تؤشر لطبيعة الأزمة التي تعيشها الحالة الفلسطينية بفعل سياسة السلطة، وتعطيلها لمحاولات شق الطريق أمام الوحدة الوطنية، كانت تجارب حكومات محمود عباس (أبو مازن) وأحمد قريع (أبو علاء).
      • لم يولد منصب رئيس الحكومة في سياق برنامج للإصلاح الديمقراطي تبنته السلطة، بل تحت ضغط اللجنة الرباعية، التي أبلغت الرئيس عرفات، في 12/2/2003، عبر الموفدين الأوروبيين، أن استمرار توفير التغطية السياسية لموقع الرئاسة، أمام التهديدات الإسرائيلية رهن بالموافقة على استحداث منصب رئيس الحكومة. هذه الولادة الملتبسة، هي في حد ذاتها علامة جديدة من علامات أزمة السلطة، التي يصر رئيسها على الاحتفاظ بكل الصلاحيات لنفسه، في سياسة استفراد القرار، ليس فقط على مستوى م.ت.ف، وبالعلاقة مع الفصائل الأخرى، وليس فقط على مستوى السلطة، وبالعلاقة مع مؤسساتها ودوائرها، بل حتى أيضاً على مستوى فتح نفسها ممثلة بلجنتها المركزية التي باتت عاجزة عن اتخاذ القرار الملزم، وصارت هي الملتزمة بقرار عرفات. في هذا السياق نشب خلاف حاد بين عرفات وأبو مازن، عند مناقشة التشكيلة الأولى للحكومة، حين لاحظ رئيس السلطة أن الكثير من صلاحياته بدأ يتسرب من بين أصابعه، بما في ذلك صلاحياته الأمنية. إذ التزم، أبو مازن، في تشكيلته المقترحة، بالشروط الأميركية بضرورة توحيد الأجهزة الأمنية تحت قيادة <<موثوقة>>. (سبق لحكومة عرفات التي سلمت الراية لحكومة أبو مازن أن التزمت هي الأخرى بإصرار أميركي، حين عينت سلام فياض، القادم من أروقة صندوق النقد الدولي ـ وزيراً للمال، باعتباره شخصاً <<موثوقاً>> وقد خطا فياض خطوات بعيدة على طريق الحد من صلاحيات عرفات المالية، وتدخلات الأجهزة الأمنية بالشأن المالي والعبث به). وإذا كان عرفات وأبو مازن قد نجحا في الاتفاق لاحقاً على تشكيلة حكومية بديلة للأولى إلا أن مسار حكومة أبو مازن بقي يصطدم طوال فترة ولايتها، بالحواجز الإسمنتية التي كان ينصبها لها عرفات أو يقذفها في طريقها. وقد مرت حكومة أبو مازن بأكثر من أزمة في العلاقة مع عرفات (دوماً في إطار النزاع على رسم الصلاحيات وتقاسمها) إلى أن اضطرت للاستقالة أمام المجلس التشريعي، بعدما اتهمت من قبل متظاهرين فتحاويين بالخيانة ( راجع تجربة أبو مازن في كراسه – تجربة الحكومة في مائة يوم – صدر في غزة بعد الاستقالة في 6 أيلول/سبتمبر 2003 ) . لقد أبرزت تجربة أبو مازن مدى تفاقم أزمة السلطة الفلسطينية، خاصة حين وجد نفسه مرغماً على الاستقالة من اللجنة المركزية لحركة فتح، يتمترس خلف حكومته لمواجهة عرفات الذي تمترس هو الآخر خلف اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، التي أعاد عرفات إحياءها في سياق استخدامي بحت، دون أي أفق يشير إلى رغبة جادة في إصلاح أوضاع المنظمة أو أوضاع السلطة، وكذلك إصلاح الحالة السياسية.

      • التجربة الثانية: والتي لا تقل مرارة عن الأولى، كانت حكومة أبو علاء. ولعلّ من أولى علامات الأزمة أن الحالة الفلسطينية لم تجد بديلاً لأبو مازن، سوى رئيس المجلس التشريعي نفسه، الذي أبقى منصبه، على رأس المجلس خاوياً، (ومجمداً) إلى أن ضمن الثقة بحكومته.

    لقد اصطدم أبو علاء في تجربة حكومته الأولى بحاجزين عطلاه عن الحركة.

      - الحاجز الأول، اشتراطات عرفات في انتقاء الوزراء، خاصة وزير الداخلية، الذي سيتولى الإشراف على أجهزة الأمن وتوحيدها. - الحاجز الثاني تمثل في موجة الاستيزار التي اجتاحت حركة فتح، الأمر الذي برر لأبو علاء اللجوء إلى صيغة (غير قانونية) هي صيغة حكومة الطوارئ، وما رافقها من إعلان لحالة الطوارئ.

      وبعد انقضاء ولايتها القانونية (شهر واحد فقط لا غير) عادت المشكلة إلى المربع الأول من نزاعات وخلافات، أنتجت في الختام حكومة احتلت قيادات فتح معظم مقاعدها، ووزعت باقي المقاعد على من تعتبرهم قيادة فتح <<حلفاء لها>>. رافق ولادة هذه الحكومة نزاع حاد حول منصب وزير الداخلية وحدود صلاحياته إلى أن توصل <<الفريقان>> إلى حل توافقي، وزعت فيه مسؤولية الأجهزة الأمنية على وزير الداخلية (يحسبونه على عرفات) وعلى مجلس الأمن القومي (برئاسة عرفات نفسه) وبدا

    • بو علاء كمن استسلم لواقع الحال مدركاً فداحة الظرف السياسي.

    • تجربة الحكومة الثانية حملت هي الأخرى في طياتها إشارات عن تفاقم الأزمة السياسية في السلطة الفلسطينية، أدت حتى إلى إبقاء رئيس الحكومة "عملياً" في حالة من البطالة السياسية، والتي لم ينجح بالتستر عليها في زياراته إلى عدد من العواصم العربية. فمنذ وصوله إلى رئاسة الحكومة (وحتى نهاية الشهر الأول من العام الجديد) وخط اللقاءات الفلسطينية الإسرائيلية مغلق. إذ ليس لدى الجانب الفلسطيني ما يقدمه لنظيره الإسرائيلي، خاصة بعد التجربة المريرة لحكومة أبو مازن، الذي فشل في إحراز أي نجاح مع الجانب الإسرائيلي، مع أنه توصل مع فصائل المقاومة إلى قرار لوقف إطلاق النار في 29/6/2003. حكومة أبو علاء، في ظل غياب التوافق الفلسطيني على برنامج عمل موحد، لا تملك من أوراق القوة ما يمكنها من أن تمارس دورها السياسي إن مع الجانب الإسرائيلي أو مع الجانب الأميركي. ولقد فشلت حكومة أبو علاء، في حوار القاهرة في كانون الأول (ديسمبر) 2003 من الحصول على تفويض من فصائل المقاومة، والأمر الذي مازال يحول دون تمكينها من التحرك السياسي. ولا يمكن، كما أثبتت التجربة أن تحصل هذه الحكومة (وكل حكومة لاحقة) على ما يسمى "بالتفويض"، إلا عندما تستقيم شروط التوافق السياسي على برنامج عمل موحد، يفتح للانتفاضة أفقاً سياسياً جديداً. وعبر التجارب، كما عرضناها، فإن السلطة الفلسطينية هي التي تملك مفتاح هذا التوافق عندما تحسم ترددها لصالح الوحدة الوطنية الائتلافية ، لصالح الانتفاضة والمقاومة المسؤولة أمام شعبنا و العرب و الرأي العام العالمي، وتتخلى عن السياسة المزدوجة: الانشداد إلى المعادلة الأميركية واستحقاقاتها، والعمل في الوقت نفسه على الحفاظ على موقعها في صف الانتفاضة.

    (6) سياسات العبث المجاني بالحقوق الفلسطينية في محاولة منها لتقطيع الوقت، والعمل في الوقت نفسه على توجيه رسائل ذات مضامين مختلفة، إلى الجانب الإسرائيلي والمجتمع الدولي، أخذت السلطة الفلسطينية تلجأ إلى سياسات لا تؤدي في نتائجها سوى إلى العبث المجاني بالحقوق الفلسطينية. من هذه السياسات، الدفع بعناصر رسمية (على أنها غير رسمية) لإجراء مباحثات مع أطراف إسرائيلية، والوصول معها إلى اتفاقات على غرار اتفاق <<البحر الميت ـ جنيف>>، أو التلويح بحلول <<غير واقعية>>، كالدولة ثنائية القومية التي دعا إليها أبو علاء، أو التهديد (غير الجدي) بإعلان الدولة المستقلة ذات السيادة على غرار الموقف الذي حمّل للجنة التنفيذية في م.ت.ف:

      1) إن مفاوضات <<البحر الميت - جنيف تمثل شكلاً من أشكال الفوضى السياسية التي تتخبط فيها السلطة الفلسطينية متجاهلة ما يترتب على ذلك من إلحاق أفدح الأضرار بالنضال الفلسطيني، وتعميق الانقسام في الصف الوطني وتخفيض سقف المطالب والحقوق الوطنية الفلسطينية في أية مفاوضات حول قضايا الوضع الدائم. لقد شكلت وثيقة <<البحر الميت ـ جنيف>> مصدر خلاف عميق في الصف الوطني لما انطوت عليه من تنازلات مجانية مست الثوابت والحقوق الوطنية الفلسطينية. إن إدعاء الموقعين على الوثيقة من الجانب الفلسطيني بأنها تثير حركة جدل في المجتمع الإسرائيلي وتعمق الخلافات حول نهج وسياسة حكومة شارون هو إدعاء مبالغ فيه، فضلاً عن أنه " يتجاهل أساساً للعوامل الحقيقية الأهم و الأفعل التي تثير حركة الجدل هذه وتعمق الخلافات حول سياسة ونهج حكومة شارون " وتحاول طمسها من أجل الترويج لوثيقة زادت في الأساس من حدة الخلافات والانقسامات في الصف الوطني الفلسطيني.

      إن ما نشر من هذه الوثيقة هو الجزء الظاهر من جبل الجليد، وهذا الجزء الظاهر ينطوي على تنازلات مجانية فادحة تطال حقوق اللاجئين في العودة إلى ديارهم وفقاً لقرارات الشرعية الدولية وحقوق الشعب الفلسطيني في القدس ومحيطها باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينية المحتلة بعدوان 1967، ويسلم بتحويل القدس إلى غيتو في محيط استيطاني قام على أساس مخالف لقرارات الشرعية الدولية وحقوق الشعب الفلسطيني في السيطرة والسيادة على مصادر ثرواته الطبيعية وخاصة الحوض المائي الجوفي، وأجوائه الإقليمية، ويسلم بانتهاكها على أيدي قوات الاحتلال وتحديداً في القدس وعلى المعابر الحدودية. تنازلات كثيرة وخطيرة انطوت عليها هذه الوثيقة خاصة عندما تقرر أن ما يتم التوصل إليه " ينهي جميع المطالب ويشكل تنفيذاً وتطبيقاً لقرارات الشرعية الدولية "، الأمر الذي يعني أن تسوية الصراع لا تقوم على أساس قرارات الشرعية الدولية وضرورة تجنيد عوامل الضغط المحلية والإقليمية للضغط على دولة إسرائيل ودفعها لاحترام هذه القرارات باعتبارها الأساس الوحيد المقبول لتسوية شاملة ومتوازنة لهذا الصراع. إن خطورة هذه الوثيقة لا تتجلى فقط في هذا الجزء الظاهر الذي يطفو على السطح من جبل الجليد بل وكذلك في القضايا الشائكة التي أحالتها الوثيقة على الملحق الذي لم ينجز التفاوض والاتفاق على صيغته بعد. " ففي الوثيقة وردت الإشارة إلى الملحق، أكثر من أربعين مرة " وهذا يعني أن تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في القسم المعلن من الوثيقة لن يكون تلقائياً بل سيكون رهناً بما يتم الاتفاق عليه في القضايا العالقة في الملحق وهو ما يكرر تجربة أوسلو البائسة ويشرع الأبواب أمام جميع الاحتمالات بما فيها احتمالات بقاء الاحتلال لسنوات تتجاوز ما نصت عليه الوثيقة العلنية واحتمالات تواصل النشاطات الاستيطانية بوتائر أعلى من تلك التي كانت عليه بعد التوقيع على اتفاقية أوسلو وما تلاها من اتفاقيات.

      يضاف إلى هذا كله أن الذين أنجزوا هذه الوثيقة ووقعوا عليها من الجانب الفلسطيني لم ينصبوا أنفسهم أوصياء على الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة ومناطق اللجوء والشتات وحسب بل وأوصياء على أبناء الشعب الفلسطيني في دولة "إسرائيل" كذلك، فالاعتراف بدولة إسرائيل دولة للشعب اليهودي تجاوز خطير على حقوق أكثر من 20 بالمئة من مواطني هذه الدولة يشكلون أقلية قومية تناضل من أجل حقها في المواطنة وفي المساواة في الحقوق السياسية والمدنية والديمقراطية ويشكل هذا التجاوز " تنازلاً فاق في أبعاده وانعكاساته السلبية التنازل الذي انطوى عليه الاعتراف المتبادل بين منظمة التحرير الفلسطينية ودولة إسرائيل عام 1993".

      ومن مخاطر <<البحر الميت ـ جنيف>> التي يفترض ألا تغيب عن البال أن الذين انخرطوا في محادثاتها، وتوصلوا إلى الاتفاق المذكور، إنما ذهبوا بتكليف رسمي من السلطة الفلسطينية، وهم يحتلون مواقع رسمية في الطوابق العليا منها. فأربعة منهم هم وزراء في حكومة أبو علاء. ورئيس فريق وثيقة البحر الميت – جنيف عضو في اللجنة التنفيذية في م.ت.ف. واحتل موقعه كوزير للإعلام في معظم الحكومات الفلسطينية منذ قيامها حتى الآن. ومن بينهم أيضاً محافظ في السلطة، ومستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي و عدد من أعضاء المجلس الثوري لفتح( ). ولا يكفي أن يغسل رئيس الحكومة يديه مما جرى بالإدعاء أن الوزراء الذين شاركوا إنما فعلوا ذلك بصورة شخصية، وأنهم لا يمثلون الحكومة. ففضلاً عن أن هذا التبرير لا ينطبق على الواقع، لأنه لا يرسم الحدود بين ما هو شخصي وما هو رسمي، ولأنه يتجاهل أيضاً أن ما قام به الوزراء إنما هو عمل سياسي من الطراز الأول، فإن الفريق الفلسطيني (200 عضو)، الذي شارك في حفل الإشهار في جنيف، إنما ذهب بتكليف رسمي من رئيس السلطة نفسه( ) ، وهذا ما يسقط كل المبررات التي تحاول أن تعتم على دور السلطة في هذا الاتفاق، أو أن تعفيها من مسؤولية ما جرى.. في كل الأحوال، ما جرى التوصل إليه، أياً كانت صفته (رسمية أم غير رسمية) لا يمكن لأية عملية سياسية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي أن تتجاهله، و الفريق الفلسطيني الذي وقع عليه يعتبره سقف الحلول الاسرائيلية – الفلسطينية ، كما أن التغطية الأميركية و عدد من الدول الأوروبية و الاقليمية العربية له، و رصد المبالغ الكبرى ، للترويج له و تسويقه تجعل منه ثقلاً جاثماً على قلب الشعب و الحقوق الفلسطينية ، بينما على الجانب الاسرائيلي فهو مشتق من مفاوضات كامب ديفيد 2 و اقتراحات كلينتون و طابا مع مزيد من التنازلات " الفلسطينية ".

      2) من جهة أخرى فاجأ أبو علاء أقرب المقربين إليه بالدعوة إلى قيام دولة ثنائية القومية تجمع الفلسطينيين والإسرائيليين، بديلاً لدولتين متجاورتين. وإذا كان هدف أبو علاء، كما حاول أن يوحي، هو القيام بمناورة تحرج إسرائيل، وترد على مشروع شارون الداعي إلى الفصل من جانب واحد، فإن المناورة ولدت ميتة، وبدون تمهيد سياسي أو إعلامي، حتى أن الإعلام الفلسطيني الرسمي نفسه وقف مشلولاً لا يملك مقومات تغذية مناورة أبو علاء، خاصة وأنها لا تمتلك لا مقوماتها ولا خواصها السياسية:

      • فعلى الصعيد الإسرائيلي لا يتوفر في المجتمع الإسرائيلي ـ ولا حتى بين صفوف الأحزاب العربية العاملة في إسرائيل ـ من هو على استعداد لتقبل مثل هذا المشروع، خاصة وإن كل الأحزاب الإسرائيلية ـ كلها دون استثناء ـ تمتلك رؤيا للحل ـ وإن كانت متباينة بين حزب وآخر، إلا أنها لا تلتقي على الإطلاق مع دعوة أبو علاء ، فقد رفضها المشروع الصهيوني عام 1939 عندما قدمتها بريطانيا (مشروع الكتاب الأبيض) بدلاً عن مشروع التقسيم ( مشروع المستر بيل 1937) من موقع الاصرار على بناء دولة يهودية ، فكيف الآن في عام 2004 و اسرائيل دولة اقليمية كبرى في الشرق الأوسط ، والاجماع اليهودي الاسرائيلي على "يهودية الدولة" .

      • وعلى الصعيد الفلسطيني جاءت دعوة أبو علاء لتحدث بلبلة في الصفوف، ولتوحي وكأن أمراً جديداً قد طرأ على الحالة السياسية، إقليمياً ودولياً، استدعى هذا التحول في الموقف. وخاصة وأن القوى والفصائل الفلسطينية مازالت ترى أن ثمة بـرنامجاً وطنياً عاماً متفق عليه، هو بـرنامج الدولة المستقلة بحدود حزيران/يونيو (67) وعاصمتها القدس. وأن العمل الوطني الفلسطيني يتمحور، منذ عقود من الزمن حول هذا البـرنامج. وبالتالي، يبدو من الخفة بمكان، أن يتم الانتقال من بـرنامج إلى آخر، بهذه السهولة، ودون مقدمات ودون مشاورات مع أي من القوى السياسية.

        وفي مجال الحوار النظري، يمكن القول أن قيام «الدولة ثنائية القومية» وعلى أسس ديمقراطية، مشروع جيد وممتاز، ويحمل آفاقاً ديمقراطية واسعة، لكن هذه فكرة معلقة في الهواء، و طرحها في الوقت الراهن تشتيت للقوى لأن موازين القوى الحالية أدنى بكثير من أن تحقق هذا المشروع، علماً أن صعوبة تحقيقه تتجاوز بأشواط صعوبة تحقيق بـرنامج الدولة المستقلة.

      • واستطراداً يمكن القول أنه من الخطورة بمكان التلطي خلف التجربة الكفاحية لشعب جنوب أفريقيا، والحديث عن تكرارها (الآن وليس من حيث المبدأ) في فلسطين. ففي جنوب أفريقيا مارست القيادة الإفريقية، ممثلة بمانديلا ورفاقه، دوراً سياسياً و كفاحياً متماسكاً و موحداً بين كل مكونات و فصائل الحركة الوطنية الديمقراطية، حين رفضت تقديم التنازلات المسبقة وخاصة في ممارسة الكفاح المسلح، قبل الوصول إلى حل دائم للصراع مع الأقلية البيضاء (40 مليون افريقي مقابل 4 مليون أبيض). على عكس القيادة الرسمية الفلسطينية التي فرَّطّت بأوراق القوة (الوحدة الوطنية الائتلافية ، البرنامج الموحد والعمل المسلح) حتى قبل الدخول في المفاوضات. وبالتالي فإن التجربتين مختلفتان جذرياً في مسارهما السياسيو الكفاحي و في الأداء والظروف.

      • ولا نرى أن الكثرة العددية ـ فيما لو استجابت إسرائيل على سبيل المثال (والخيال) ـ لدعوة أبو علاء تساوي بالضرورة كثرة سياسية. فالغالبية السوداء في جنوب أفريقيا، وغيرها من الدول المجاورة، كانت «أقلية سياسية» في ظل حكم البيض العنصري. ولم تتحول «الغالبية العددية» إلى «غالبية سياسية» إلا عندما حدثت التحولات الديمقراطية في هذه البلدان على يد القوى التقدمية لدى الطرفين: البيض والسود معاً. وهو أمر لا تتوفر مقوماته المماثلة لا لدى الجانب الإسرائيلي، ولا لدى الجانب الفلسطيني.

    ولعلّ الصفعة المدوية على تصريح أبو علاء، كانت تهديدات اللجنة التنفيذية في م.ت.ف. بإعلان الدولة الفلسطينية المستقلة من طرف واحد، إذا ما أصرّ شارون على رفضه الالتزام باستحقاقات «خارطة الطريق» والتزاماتها. (ولعل تهديدات بيان اللجنة التنفيذية لا يختلف في خلفياته عن تهديدات تصريح أبو علاء).

    من المعلوم أن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة، على الأراضي الفلسطينية المحتلة بحدود حزيران (يونيو) 67، وعاصمتها القدس، كان يفترض أن يتم يوم الخامس من أيار (مايو) 1999، الموعد النهائي لاختتام مفاوضات الحل الدائم، بموجب اتفاقات أوسلو. وكانت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين سباقة إلى إعلان مبادرة، في أيار (مايو) 1998، (أي قبل عام على الموعد) تدعو فيها السلطة الفلسطينية، وم.ت.ف. وكل الحالة الفلسطينية بمكوناتها المختلفة، إلى تحضير عناصر القوة المطلوبة، لاستقبال استحقاق انتهاء مفاوضات الحل الدائم. وأشارت المبادرة آنذاك إلى أن إسرائيل وحدها تتحمل مسؤولية تعطيل أجندة اتفاق أوسلو، وبالتالي مسؤولية تعطيل مفاوضات الحل الدائم. ورأت المبادرة في تاريخ الخامس من أيار (مايو) 1999 فرصة أمام فريق أوسلو ليتحرر من اتفاقه وتداعياته، عبـر إعلان سيادة الدولة الفلسطينية المستقلة فوق أراضيها. وبذلك تعود الأمور إلى نصابها الحقيقي بعدما شوه أوسلو حقيقتها: إسرائيل، دولة تقوم باحتلال أراضي دولة مستقلة ذات سيادة هي الدولة الفلسطينية. والأرض الفلسطينية، تصبح والحال هكذا، أرضاً محتلة، وليست أرضاً متنازعاً عليها. (كما نص على ذلك أوسلو زوراً وبهتاناً).

    وتصبح الصورة آنذاك، دولة محتلة، هي الدولة الفلسطينية، لها ملء الحق في مطالبة المجتمع الدولي على مساعدتها على استعادة سيادتها من تحت الاحتلال، الأمر الذي يعيد للفلسطينيين حقهم في المقاومة دفاعاً عن سيادتهم الوطنية على أرضهم( ).

    في حينها احتدم حوار كثيف و ايقاع متسارع و متراكم اعداداً لاستقبال استحقاق 5 أيار / مايو، البعض تساءل ضائعاً، محتاراً أو معترضاً: لماذا التأكيد على «الدولة المستقلة ذات السيادة»، ما دام الاستقلال يتضمن في طياته معاني السيادة؟ ولسنا هنا في معرض الرد على هذا السؤال، المبني أساساً على افتراض خاطئ( ). لكن يهمنا أن نؤكد أن النقاش اللاحق، كما أن الوقائع اللاحقة أثبتت صحة ضرورة الربط بين الاستقلال والسيادة، حتى أن هذا الربط صار جزءاً لا يتجزأ من الخطاب السياسي الفلسطيني (لدى جميع الفصائل) كما صار جزءاً من الخطاب السياسي الدولي والأقليمي عند الحديث عن الدولة الفلسطينية.

    وفي سياق الاعداد السياسي زار الأخ ياسر عرفات في 67 يوماً أكثر من 50 دولة لأخذ موافقتها على الاعتراف بسيادة دولة فلسطين على أراضيها بحدود 4 حزيران/يونيو 1967، وفعلاً استجابت كل الدول العربية وأغلبية دول أوروبا بينها فرنسا، ايطاليا، اسبانيا و اليونان ...الخ وروسيا ، الصين، الهند ، فيتنام، اندونيسيا وماليزيا..الخ و كل الدول الافريقية وأغلبية دول أميركا اللاتينية، وقليلة الدول التي دعت الى اعطاء فترة انتقالية سنة واحدة لفسح الطريق للجهود الدولية بينها بريطانيا ، المانيا... كان يفترض بالمجلس المركزي الفلسطيني أن يعلن بسط السيادة في دورته في نيسان (إبـريل) 1999، أي قبل أيام على الموعد المحدد. وكان الجو السائد في المجلس متوافقاً على هذا الأمر، وكان واضحاً أن هذه الخطوة سوف تعني انتقالاً دراماتيكياً، للوضع الفلسطيني من حالة التقيد باتفاق أوسلو والتزاماته، إلى حالة التحرر منه، بكل ما يعنيه ذلك من إعادة توحيد الحالة السياسية الفلسطينية واستنهاض كل عناصر القوة الكامنة فيها.

    ولم يعد سراً القول أن ضغوطاً أميركية ، وتهديدات إسرائيلية ( حكومة نتنياهو ) لعبت دوراً في «إقناع» الرئيس عرفات بعدم الإقدام على هذه الخطوة: من هنا يبدو واضحاً لماذا عطل عرفات الخطوة، ومارس كل الضغوط ليمنع المجلس المركزي من اتخاذها، مستفيداً من حالة الخلل والشلل التي تعاني منها مؤسسات م.ت.ف. وهكذا، دخلت الحالة الفلسطينية مرحلة جديدة من الإبحار في «بحر السواد»، حيث لا إشارات ولا أضواء، ولا بوصلة.

    مع اندلاع الانتفاضة توفرت فرصة جديدة. لكن الحالة الفلسطينية كانت منقسمة على ذاتها في رؤيتها للانتفاضة. فالبعض رأى أنها ورقة تكتيكية لتحسين موقعه التفاوضي، في ظل الآلية التفاوضية نفسها، والتي بات من المؤكد أنها عاجزة عن تلبية الحقوق والاستحقاقات الوطنية الفلسطينية. وغالبية الحالة الفلسطينية (بما فيها غالبية فتحاوية) رأت فيها وسيلة جديدة، بديلة للعملية التفاوضية العقيمة، لشق الطريق أمام حل بديل يوفر للفلسطينيين حقوقهم. وفي السياق تتم الدعوة إلى إعلان السيادة والمطالبة بحماية دولية تضمن لشعب فلسطين حقه في ممارسة سيادته الوطنية على أرضه. لكن الطرف المتنفذ أضاع مرة أخرى فرصة جديدة.

    الآن.. ما جدوى التهديد بإعلان السيادة؟ ما هي التحضيرات المسبقة للاستجابة لمتطلبات القرار؟. إن إعلان السيادة، كمرسوم يصدر من الرئيس، أو كقرار يصدر عن هيئة عليا، هو في الحقيقة تتويج لسلسلة كبيرة من التحضيرات الجماهيرية السياسية والعسكرية والاقتصادية والإعلامية... وفي المقدمة إعادة بناء الوحدة الوطنية الأئتلافية تحت سقف مشروع وطني موحد وقواسم سياسية مشتركة وقرار فلسطيني موحد.

    ومن الخطورة بمكان أن يتحول هذا الإعلان إلى مجرد ورقة تكتيكية يتم التلويح بها بين وقت وآخر، لأن ذلك سيؤدي حتماً، إلى إضعاف هذه الورقة، وإفقادها مضمونها، واحتراقها في نهاية المطاف. لذلك إذا كان عرفات جاداً في إعلان السيادة، فلابد من حوار داخلي للاتفاق على مضمون القرار، وخطته السياسية والدبلوماسية، والأمنية، والإعلامية ، واعادة بناء مكونات القوة الفلسطينية ( الوحدة الوطنية ، برنامج موحد، قيادة موحدة ، حكومة ائتلاف وطني ) شرط النجاح في اعلان السيادة ودفاع كل الشعب عنها . وإلا فإن أحداً لن يأخذ مثل هذه التهديدات بعد الآن على محمل الجد.

    ولعلّ أخطر ما في هذا الإعلان أن يكون مناورة، الهدف منها النظر إلى الدولة بحدود الرابع من حزيران (يونيو) وعاصمتها القدس، على أنها «السقف الأعلى للمطالب» الفلسطينية، بما يوحي، وكأن الجانب الفلسطيني على استعداد لتخفيض هذا «السقف الأعلى»، لصالح «حل وسط». وأي «حل وسط» وردت ملامحه في وثيقة <<البحر الميت ـ جنيف>>.

    إن مثل هذه السياسات، فضلاً عن كونها تلحق الأذى والضرر بالقضية الوطنية الفلسطينية، فإنها في الوقت نفسه تؤكد إصرار الشريحة المتنفذة في السلطة على تهميش م.ت.ف، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وتهميش مؤسسات السلطة، وإغلاق الطريق أمام أية مبادرة لإطلاق جولة جديدة للحوار الشامل، توفر الفرصة للوصول إلى اتفاق سياسي موحد متفق عليه، وإلى قيادة سياسية موحدة تفتح الباب أمام جميع القوى للمشاركة في القرار السياسي.

    (7)
    السياسة الوطنية الوحدوية

    في مواجهة هذه الأوضاع ماذا علينا في الإطار الوطني العام من خطوات برنامجية؟

    لقد توقفت جبهتنا أمام الوضع الفلسطيني والأوضاع الإقليمية والدولية في الدورة الحادية عشرة للجنة المركزية ـ دورة المعتقلين والأسرى ـ في يونيو2003، كما توقفت أمامها على أبواب انعقاد الحوار الوطني الذي انعقد في القاهرة مؤخراً تحت الرعاية المصرية، وحددت مواقف واتجاهات عملية في التقرير الصادر عن أعمال دورة اللجنة المركزية وفي المذكرة السياسية التي تقدمت بها في جلسات الحوار الوطني.

    وانطلاقاً من نقاشات دورتها الثالثة عشرة وانطلاقاً من التقرير السياسي الذي أجازته في أعمال دورتها الحادية عشرة ومن المذكرة الوطنية المقدمة إلى حوار القاهرة،والان في مسار التطورات المتلاحقة في الحالة الفلسطينية والاقليمية والدولية المرصودة في هذا التقرير تجدد اللجنة المركزية التأكيد على المواقف والتوجهات السياسية التالية:

      أولاً: حماية الإجماع الوطني على خيار الانتفاضة الفلسطينية والمقاومة الوطنية للاحتلال ورفع وتيرة النضال من أجل بلورة برنامج سياسي موحد تتوافق عليه القوى، حيث لا سبيل إلى حماية الإجماع الوطني على خيار الانتفاضة ومقاومة الاحتلال في ظل غياب التوافق الوطني على برنامج سياسي وطني موحد يحدد أهدافها وفي المقدمة منها رحيل الاحتلال والمستوطنين عن الأراضي الفلسطينية المحتلة بعدوان 1967 وإنجاز الاستقلال وبناء دولة فلسطينية مستقلة تمارس سيادتها الكاملة على أراضيها بما في ذلك القدس العاصمة وصون حق شعبنا اللاجئ في العودة إلى دياره التي شرد منها، وما يتطلبه ذلك من اتفاق على تشكيل قيادة وطنية موحدة تتولى إدارة وقيادة الانتفاضة والمقاومة الوطنية , واستراتيجية تفاوضية جديدة تستند إلى سلام الشرعية والمرجعية الدولية وصولا لسلام شامل ومتوازن، وتضمن تكامل وتناغم الجهد الوطني على جميع الجبهات الكفاحية والسياسية ـ الديبلوماسية والاجتماعية ـ الاقتصادية، وتعبئة موارد المجتمع من أجل توفير متطلبات احتواء العدوان وتعزيز الصمود، وإخراج مؤسسات السلطة من حالة العجز والشلل وتمكينها من أداء دورها في توفير متطلبات الصمود ووضع حد للفوضى وتوفير الأمن للمواطن الفلسطيني باعتبار ذلك من المتطلبات الوطنية الجوهرية لتجديد زخم الحركة الجماهيرية وضمان إجماعها والتفافها حول الانتفاضة والمقاومة الوطنية للاحتلال.

      ثانياً: إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني والمرجعية الوطنية العليا لأية مفاوضات مع الجانب الإسرائيلي، وطريق هذا الائتلاف الوطني وقواسم سياسية مشتركة، ووضع حد لفوضى اللقاءات والمفاوضات مع الجانب الإسرائيلي وما يترتب عليها من نتائج تلحق أفدح الأضرار بالنضال الوطني وتعمق الانقسام في الصف الوطني وتخفض سقف المطالب والحقوق الوطنية الفلسطينية في أية مفاوضات حول قضايا الوضع الدائم. الأمر الذي يتطلب في السياق توفير إدانة وطنية لتنازلات <<البحر الميت ـ جنيف>> على الجانب الفلسطيني والضغط على قيادة السلطةالفلسطينية لسحب غطاءها السياسي للفريق الفلسطيني الناشط في هذا الميدان، ووضع حد لسياسة الدور المزدوج للعناصر الرسمية في م.ت.ف، وفي السلطة الفلسطينية (اللجنة التنفيذية والحكومة الفلسطينية).

      ثالثاً: إن انهيار وقف إطلاق النار الذي أعلنته قوى المقاومة الفلسطينية نهاية حزيران/ يونيو الماضي قدم تجربة غنية بالدروس يجب الاستفادة منها والاسترشاد بدروسها في أي حوار وطني يستهدف التوصل إلى موقف فلسطيني موحد من التطورات الجارية. إن وقف إطلاق النار ليس هدفاً قائماً بذاته وهو ليس معزولاً عن استحقاقات سياسية والتزامات متبادلة بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي تفتح أفقاً للانتقال من دائرة الحلول الأمنية والحسم العسكري إلى قضية الحلول السياسية والبدء بخطوات عملية لإحياء عملية السلام على قاعدة التمسك بقرارات الشرعية الدولية 242 و338 و1397 و194 و 1515 وثوابت الإجماع الوطني التي تؤكد على ضرورة الانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران يونيو1967 وتفكيك المستوطنات والسيادة الكاملة لدولة فلسطين على أراضيها ومياهها وحدودها الإقليمية بما فيها القدس العاصمة وصون حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم.

    وفي هذا السياق فإن خطة خارطة الطريق التي تعززت كخيار دولي للتسوية في ضوء قرار مجلس الأمن رقم 1515 وتطرح وقف العنف، أي وقف إطلاق النار من الجانبين في كل مكان، لا يمكن أن تتحول إلى خطة عملية إذا ما واصل الجانب الإسرائيلي تجاهله للالتزامات المترتبة عليه في هذه الخطة. إن الجانب الفلسطيني ممثلاً بمنظمة التحرير الفلسطينية الأئتلافية مطالب بالعمل على تصويب تطبيق هذه الخطة على أساس الالتزام بالتوجهات والترتيبات التالية بعد التوافق عليها في حوار القوى الفلسطينية:

    • التوصل إلى وقف شامل ومتبادل لإطلاق النار يلتزم به الطرفان تحت رقابة وإشراف اللجنة الرباعية وعلى أساس وقف العمل فوراً بجدار الفصل العنصري الذي يشكل المرحلة الأخطر في المشروع الاستيطاني التوسعي لحكومة إسرائيل ويدمر ليس فقط فرص التقدم في مسار التسوية السياسية بل وفرص تثبيت وقف إطلاق النار أو الهدنة.

    • الاتفاق على التنفيذ المتبادل والمتوازي والمتزامن للالتزامات المترتبة على الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي في خطة خارطة الطريق ,دون مراعاة للتحفظات الإسرائيلية ,وتحت إشراف اللجنة الرباعية بجدول زمني لتنفيذ الالتزامات الأساسية التي تتهرب منها حكومة "إسرائيل " بدءاً بتفكيك جميع البؤر الاستيطانية التي أقامتها حكومة إسرائيل بعد آذار مارس 2001 ووقف النشاطات الاستيطانية وعمليات البناء في المستوطنات مروراً برفع الحظر عن المؤسسات الفلسطينية في القدس وانتهاء برفع الحواجز العسكرية وانسحاب قوات الاحتلال إلى مواقعها في أيلول 2000 والإفراج عن الأسرى في معسكرات الاعتقال الجماعية الإسرائيلية.

    • الحفاظ على وحدة الجبهة الداخلية الفلسطينية الميدانية على طريق الارتقاء بها إلى وحدة وطنية سياسية، وصد الضغوط الأميركية والإسرائيلية، التي تستهدف النيل منها من مدخل الأجهزة الأمنية الفلسطينية أو مدخل ضبط الأوضاع الأمنية أو ما يسمى بالأسلحة الشرعية وغير الشرعية، وسلاح المقاومة يستمد شرعيته من مقاومة المحتلين ومن دماء الشهداء وعذابات الشعب ، باعتبار كل هذا شأناً داخلياً فلسطينياً يعالج في سياق توافق وطني من خلال الحوار والتفاهم وفي سياق ترتيب الوضع الداخلي الفلسطيني وسيادة القانون وتوفير متطلبات حماية الجبهة الداخلية وتعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية.

    II
    دفع جهود الإصلاحات إلى الأمام وإعادة البناء والإعمار

    إن "حماية الإجماع الوطني على خيار الانتفاضة والمقاومة الوطنية للاحتلال واحتواء العدوان وتعزيز الصمود كمهمات وطنية تحتل أولويات جدول الأعمال الوطني لا تتحقق بمعزل عن رفع وتيرة النضال من أجل دفع جهود الإصلاح إلى الأمام وإعادة البناء والإعمار". إن النظام السياسي الفلسطيني القائم نظام يسوده الفساد ويحتاج إلى إصلاحات ديمقراطية واسعة وعميقة على جميع المستويات السياسية والمالية والاقتصادية والإدارية والأمنية والقانونية .

    التباطؤ في دفع جهود الإصلاح ينطوي على مخاطر من طبيعة مركبة، فهو يضعف قدرة الشعب على الصمود في وجه العدوان على نحو بالغ، ويشكل في الوقت نفسه مدخلاً لاستدراج التدخل في الشؤون الداخلية الفلسطينية، و دفع السلطة إلى تقديم التراجعات و التنازلات هبوطاً من الثوابت الوطنية المرحلية وقرارات الشرعية الدولية، و ادامة الخلل الاستراتيجي في غياب المشروع و القرار الوطني الموحّد. وعلى الرغم من أهمية عمليات الإصلاح التي بدأت تشق طريقها ببطء شديدوسط صعوبات وعراقيل داخلية جمة خاصة على المستوى المالي والإداري، غير أن الإصلاح الداخلي يبقى عاجزاً عن معالجة الخلل الاستراتيجي في اعادة بناء الوحدة الائتلافية والقرار الوطني الموحد، وعرضة للنواقص والثغرات إذا هو لم يقترن ببرنامج وطني شامل لإعادة بناء وإعمار ما دمره الاحتلال وإذا لم يقترن كذلك ببرنامج وطني للتكافل الاجتماعي يعالج مشكلات الفقر والبطالة والبيوت المهدمة وحقوق اسر الشهداء والمعطوبين والاسرى ، ومتطلبات الصمود والتطوير في المناطق الأكثر عرضة من غيرها للأخطار المترتبة على بناء جدار الفصل العنصري والنشاطات الاستيطانية. ذلك يطرح على جدول الأعمال الوطني مجموعة من المهمات الأساسية التي من شأنها أن تسهم في تعزيز الصمود الوطني وصون وحدة الجبهة الداخلية وفي المقدمة منها:

      1ـ التمسك بضرورة تطوير النظام السياسي الفلسطيني الحالي، من نظام فئوي تتحكم في آلية صنع القرار فيه الصراعات على المصالح ومراكز النفوذ، إلى نظام يقوم على الديمقراطية والتعددية والسياسية والحزبية، وتتوفر فيه متطلبات بناء ائتلاف وطني يعزز وحدة الهوية الداخلية، ويمكنها من الصمود في وجه العدوان. إن هذا لا يستقيم إلا من خلال وضع حد للعمل الفئوي القائم على الاستئثار، والعمل وتعزيز دور الرأي العام الفلسطيني في الضغط من أجل فتح باب الإصلاحات أمام النظام السياسي القائم، من خلال حكومة ائتلاف وطني تكون مسؤولة أمام مجلس تشريعي، و نظام برلماني ديمقراطي كما التزم به إعلان الاستقلال ، يحتل موقعه الحقيقي في التشريع والرقابة والمحاسبة والمساءلة، وكسلطة ينبغي تعزيز دورها على هذا الصعيد تحديداً.

      2ـ مواصلة الضغط على الحكومة من خارجها في صف الجماهير و مراكمة بناء تيار وطني ديمقراطي عريض و فاعل و ملموس للشعب و القوى، (ومن داخلها حين تتوفر ظروف بناء الائتلاف الحكومي) لمواصلة مسيرة الإصلاح السياسي والمالي والإداري في وزارات السلطة ومؤسساتها وأجهزتها وبما يسهم في تكريس الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية ويعزز دورها ويلغي التداخل والفوضى في الصلاحيات والمسؤوليات، ويكرس سيادة القانون، واستقلال القضاء ويصون الحريات العامة والديمقراطية والتعددية الفكرية والسياسية والحزبية وتكافؤ الفرص بين المواطنين، ويفتح الطريق أمام الممارسة الديمقراطية وتداول السلطة.

      3ـ دعوة الحكومة الفلسطينية (وممارسة الضغط من داخلها حين تتوفر ظروف قيام الائتلاف الوطني) للعمل على إجراء الانتخابات لبناء نظام برلماني ديمقراطي، باعتبارها إحدى أولويات سياستها، والعمل مع المجتمع الدولي واللجنة الرباعية للضغط على حكومة إسرائيل لإنهاء حصارها للمدن والقرى والمخيمات وسحب قواتها إلى مواقعها في أيلول 2000، وتوفير متطلبات إجراء انتخابات حرة ونزيهة على أساس قانون انتخاب عصري وديمقراطي يأخذ بمبدأ التمثيل النسبي أو بمبدأ التمثيل النسبي المركب (كقاسم مشترك)على المستوى الوطني والفردي على مستوى الدوائر الانتخابية.

      4ـ دعوة الحكومة (والعمل من داخلها حين تتوفر ظروف قيام الائتلاف الوطني) للعمل على إجراء انتخابات حرة ونزيهة للمجالس البلدية والقروية وبما يساعد المجالس المنتخبة على تقديم الخدمات للمواطنين ويحررها من سياسة التعيين التي ألحقت أفدح الأضرار بمصالحهم وأشاعت الفساد والمحسوبية ورداءة الخدمات التي تقدمها للمواطنين.

      5ـ مواصلة الضغط على الحكومة الفلسطينية في صف الجماهير(والعمل من داخلها حين تتوفر ظروف قيام الائتلاف الوطني) إلى تشكيل مجلس أعلى للتكافل الاجتماعي وعدم حصر عضويته بعدد من الوزارات بل وتوسيع هذه العضوية لتضم ممثلين عن القوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني بما فيها النقابات العمالية والاتحادات المهنية وغرف التجارة والصناعة لمعالجة مشكلات الفقر والبطالة على أساس برنامج وطني متفق عليه بديلاً للوضع الراهن الذي يتسم بالفوضى والمحسوبية والتمييز والتكسب وغيرها من المظاهر التي تمس بكرامة المواطن ولا توفر حلولاً مقبولة للمشكلة المتفاقمة.

      6ـ دعوة الحكومة الفلسطينية (والعمل من داخلها حين تتوفر ظروف الائتلاف الوطني) إلى تشكيل مجلس وطني للإعمار وعدم حصر عضويته بعدد من الوزارات بل توسيع هذه العضوية لتضم ممثلين عن القوى السياسية والمجالس البلدية والقروية وغرف التجارة والصناعة وتمكينه من القيام بعمله على أساس برنامج وطني متفق عليه يضع في أولوياته إعادة بناء ما دمره الاحتلال ويتعامل مع المناطق المنكوبة بجدار الفصل العنصري الاستيطاني التوسعي كمناطق تطوير من الدرجة الأولى من أجل تعزيز صمود المواطن في أرضه.

    إن هذا البرنامج باستطاعته أن يشق طريقاً كي تتقدم الحالة الفلسطينية من المجتمع الدولي و الاقليمي بما فيه داخل المجتمع الاسرائيلي، ببرنامج للسلام المتوازن يقوم على حق الفلسطينيين في دولة مستقلة ذات سيادة، على الأراضي المحتلة في 5 حزيران 67، وعاصمتها القدس الشرقية عملاً بالقرارات الأممية (242 + 338 + 1397 + 1515..) وضمان حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم عملاً بالقرار الأممي 194.

    إن هذه السياسة ، ومثل هذه المبادرة، المستندة إلى لغة سياسية واقعية وطنية ثورية، وإلى وحدة وطنية داخلية، وإلى مؤسسات قائمة على أسس ديمقراطية، كفيلة بإعادة تقديم الحالة الفلسطينية إلى المجتمع الدولي، بما هي حركة تحرر وطني، لشعب يناضل من أجل الاستقلال والحرية، وتنزع عنها كل ما علق بها من تهم الإرهاب، وتضع الجانب الإسرائيلي التوسعي في زاويته الضيقة، بما هو احتلال لأراضي الغير، ينتهك بذلك مبادئ القانون الدولي، وقرارات الأمم المتحدة.

    (8)
    البرنامج الوطني .. برنامج العمل اليومي

    البرنامج الوطني العام لا يتحقق عبر انعطافات حادة ودراماتيكية بل هو نتاج لتراكم القوى والمكاسب اليومية. وهذه عملية تسير على شقين.

    الشق الأول في إطار وطني عام، في مواجهة العدو الإسرائيلي، في ميادين المجابهة المختلفة.

    الشق الثاني، في الإطار الفلسطيني الداخلي، وبما يعزز من دور تيار اليسار الديمقراطي الثوري والقوى الديمقراطية اجمالاً ويوسع دائرة نفوذها، ويمنح مواقفها مصداقية، وقدرة على شق طريقها، وتحتل موقعها في إطار البرنامج الوطني العام. أي بعبارة أخرى إن موازين القوى في العلاقات الفلسطينية الداخلية تلعب دوراً مهماً ومؤثراً، في تحويل برنامج اليسار الديمقراطي الثوري والقوى الديمقراطية الأخرى من برنامج خاص تعبوي إلى برنامج وطني تتبناه الجماهير العريضة،و المؤسسات الوطنية الفلسطينية في منظمة التحرير، وفي السلطة ، ومجمل الحركة الوطنية .

    إن على جبهتنا ، و من مواقع التأكيد على البرنامج الوطني العام، و الذي يتطور في مسار النضال على كافة المحاور في الانتفاضة و المقاومة النوعية و التحالفات و الحضور الجماهيري اليومي و العمليات الانتخابية، أن تحول البرنامج العام إلى برنامج خاص بكل إقليم وفرع، آخذاً بالاعتبار، خصوصية كل وضع و جدول أوليات محاور النضال اليومي، و تحديد و تطوير فعل الروافع الرئيسية الخاصة في كل اقليم وفرع عملاً بقرارات دورة اللجنة المركزية، وعلى قاعدة أن العمل اليومي، بتفرعاته المختلفة يجب أن يصب في الهم الوطني العام.

    وفي هذا السياق تقرر اللجنة المركزية في دورتها الثالثة عشرة ضرورة الربط المباشر بين البرنامج الوطني، والبرنامج اليومي، الذي يفتح باب النضال على مصراعيه في الميادين التالية:

      1) العمل المباشر ضد الاحتلال وميليشيات الاستيطان: وهو يحتل الميدان الأساسي و الأول في ساحة العمل الوطني في الأرض المحتلة، وفي وجدان الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده، فضلاً عن كونه يشكل الرافعة الكبرى للانتفاضة والحركة الشعبية، ويلعب في سياق الانتفاضة دوراً أساسياً في الحد من الاختلال الفادح في موازين القوى. إلى جانب ذلك، يلعب هذا الميدان دوراً مهماً في تعزيز النفوذ الجماهيري والسياسي للقوى المقاتلة. لقد قدمت الجبهة تجربة متقدمة في هذا الميدان، عبر عدد من عمليات الجناح العسكري ضد قوات الاحتلال والمستوطنين، لكن النجاح لم يصل إلى المساحة الضرورية لإكساب رؤيته لأشكال المقاومة الواقعية الثورية المصداقية الكافية، لذا تم التأكيد أن العمل في هذا الميدان مازال يشكل ثغرة بارزة في برنامج عملنا الوطني و نفوذنا الجماهيري ، الأمر الذي يشترط إيلاءه المزيد من الاهتمام، عبر جدول الأولوية من الجناح العسكري وكوادره، ضمن قواعد العمل الضرورية.

      إن نتائج هذا العمل تفيض بإيجابياتها وسلبياتها على ميدانها الجغرافي المحدود، لتطال بالسياسة والنفوذ كل أوضاعنا الوطنية والحزبية، ولعل عملية اقتحام حصن معسكر مرغنيت البطولية شكلت نموذجاً لما يمكن أن يحدثه هذا العمل من تأثيرات سياسية وإعلامية وجماهيرية ملموسة على الصعيد الداخلي، كما فعلت عمليات القوات المسلحة الثورية بعد هزيمة حزيران /يونيو وتعاظمت في السبعينات و الثمانينات في قلب صفوف العدو ، وفي حروب مقاومة العدو المحتل ، وفي حروب الدفاع عن الثورة والشعب في مواجهة حروب التطويق و الابادة التي شنها العدو على شعبنا والمقاومة الفلسطينية في صفوف الجبهة والمنظمات الجماهيرية، وعلى الصعيد الوطني و القومي والأممي العام، إن في موقع الجبهة على الخارطة السياسية الفلسطينية، أو في القدرة الكبرى على تقديم العمل المقاوم المسؤول، إلى الرأي العام العربي والدولي، وداخل المجتمع الاسرائيلي، بأشكاله الواقعية الثورية، التي تعزز من حق شعبنا في مقاومة الاحتلال والاستيطان، فوق كل شبر من أرضنا المحتلة .

      2) الميدان السياسي، لصالح التعريف بعناوين البرنامج الوطني العام، وتجسيد حضوره اولاً في صف الجماهير، وثانياً في صف قيادات وكوادر وقواعد فصائل الانتفاضة والمقاومة ، وثالثاً في صف المثقفين والنخب السياسية والاجتماعية والاكاديمية ، ورابعاً عبر الدراسات والتقارير، ومراجعة التجارب، وربط ذلك بالوقائع اليومية، ومحاكمة هذه الوقائع بالقياس مع البرنامج الوطني العام.

      3) برنامج عمل اجتماعي يفتح الباب أمام الجبهة والمنظمات الجماهيرية الديمقراطية للتفاعل مع شرائح المجتمع الفلسطيني المختلفة، انطلاقاً من همومها اليومية، المشتركة، والخاصة بكل شريحة، مع التأكيد على ضرورة شق الطريق أمام تنظيمات الجبهة في كل اقليم، في الوطن والشتات، ليخاطب الشرائح الوسطى (المهنيين) والذين مازال النفوذ في أوساطهم يشترط جهداً منظماً متواصلاً ومراكماً في التعبئة القطاعية و التوسع التنظيمي و المعارك المهنية و الاجتماعية و الانتخابية. إن تنظيمات الجبهة مطالبة، في هذا السياق بإحداث نقلة نوعية في التعاطي مع هكذا برامج اجتماعية ، مهنية قطاعية، انتخابية، تنظيمية،، بما يستجيب لهموم الشرائح الاجتماعية، ويعيد تقديم نفسه لها من موقعه المناضل، إلى جانبها دفاعاً عن مصالحها وقضاياها اليومية، الحياتية والسياسية معاً.

      4) وربطاً بما سبق، بات من ضرورات تطوير برنامج عملنا الاجتماعي، الاتجاه الجاد نحو بناء المؤسسات الاجتماعية، متنوعة الوظائف والبرامج، على طريق نقل نشاطنا الجماهيري في إطاره الاجتماعي، من صيغته التبشيرية المفتوحة إلى صيغته اليومية المنظمة، القائمة على مبدأ المأسسة. إن صيغة المنظمات الجماهيرية، العاملة في صفوف القطاعات الاجتماعية المختلفة، أثبتت على مدى العقود السابقة فعاليتها ودورها المتقدم في حشد الالتفاف الجماهيري حول الجبهة و برامج كفاحها المتنوعة، كما أثبتت دورها و أهميتها الكبرى في تجارب الفصائل المتعددة و خاصة فتح، حماس. إن صيغة المؤسسات الاجتماعية، في صفوف المرأة، والطلبة،و المهنيين، المثقفين ، والاكاديميين .. الخ ، والعمال، والفلاحين، تشكل سياسة مجاورة ومكملة لصيغة المنظمات الجماهيرية، تتكامل معها في البرامج والأشكال النضالية، وتقديم الخدمات، وبث الوعي، وتنظيم الصفوف، وتعزيز دور التنظيم، واستنهاض عوامل القوة في المجتمع المدني ، و هذا يشترط التجاور و الانفتاح بين التنظيمات الحزبية و الديمقراطية و بين المؤسسات الاجتماعية (كما صيغة الأواني المستطرقة) تخدم بعضها بعضاً في المسيرة العريضة والعميقة والمتواصلة للنضال الوطني الكبير .

      5) التحالفات الوطنية: يفترض بجبهتنا في كل اقليم ، بالوطن و الشتات مراجعة التجربة لهذه القضية، نظراً لما تحتله في سياق العملية الكفاحية من أهمية، مدركين، بشكل مسبق صعوبة بناء تحالفات وطنية استراتيجية وعلى المدى البعيد نظراً لطبائع مكونات الفصائل و البرامج المختلفة و قانون تفاوت درجة التطور و النضج لدى هذا الفصيل أو ذاك تجاه مرحلة التحرر الوطني و مهماتها و أساليب عملها و قيادتها ...الخ. إن تنوع برنامج العمل، والخصوصية التي تفترضها كل من ساحات العمل الوطني، تفتح الباب لتحالفات مرنة ، متنوعة ، متعددة، تأخذ بالاعتبار المصالح الوطنية وخدمة برامج عملنا الوطنية و الحزبية. هذا ما شاهدناه في انتخابات العاملين في جامعة الأزهر في غزة وانتخابات المحامين ومجالس الطلبة و المهندسين و الأطباء في الضفة الفلسطينية، واستخلاص العبر والدروس في التحالفات، مؤكدين في الوقت ذاته أن قدرتنا على نسج تحالفات مثمرة و مرنة رهن بقوتنا الذاتية، وحيت تبرز لدينا نقاط قوة، نستطيع أن نخلص إلى تحالفات قوية، وحيث تبرز لدينا نقاط ضعف، ستبقى تحالفاتنا ضعيفة.

      6) العمل الإعلامي: تتزايد يوماً بعد يوم، أهمية العمل الدعاوي الإعلامي الوطني و الحزبي، انه عمل من طراز جماهيري سياسي وفكري بامتياز ، وخاصة مع انتشار وسائل الاتصال مختلفة الأشكال (صحف ـ إذاعات ـ فضائيات ـ انترنت).. ويلعب الإعلام، كما يعرف الجميع، دوراً واسعاً في صناعة الرأي العام، وتقديم أعمال و مواقف و برامج ومؤسسات الجبهة إلى الصف الأوسع من أبناء شعبنا في الوطن والشتات اولاً والرأي العام العربي والدولي ثانياً. إن الطبيعة الكفاحية لقضيتنا، تفترض أن نمتلك ، في ساحات العمل و النضال الرئيسية الأدوات الإعلامية المستقلة، التي تقدم الجبهة إلى المجتمع المحيط وإلى الرأي العام الأوسع.

      وفي هذا السياق، من المفيد التنبه إلى أن الإعلام يبدي اهتماماً بأوضاع الضفة الفلسطينية وقطاع غزة، باعتبارها الميدان الرئيسي للحدث الفلسطيني الأمر الذي يفترض بإقليمي الضفة وغزة، وبنا جميعاً إيلاء هذه القضية الاهتمام اليومي، المبادر، الضروري، وتقديم صف يتزايد من الكوادر للتعامل مع منابر الاعلام المرئي والمسموع والمكتوب ، فضلاً عن ابراز كوادر محلية على تنوع وسائل العمل في صف الجماهير. فالمركز القيادي، لا يستطيع على الإطلاق أن يحل محل الأقاليم و المحافظات و مواقع العمل المباشر في تغطيتها الإعلامية، بسبب من سياسة وسائل الإعلام نفسها. وهذا ينطبق أيضاً على مجمل مناطق انتشار حزبنا، حيث يفترض أيضاً مخاطبة المجتمعات الأوروبية والأميركية وغيرها، احزاباً ورأي عام وتحالفات. من هنا فإن أقاليم و فروع الجبهة في أقاليم اللجوء و الشتات مطالبة بدور إعلامي في مجتمعاتها المحلية ( بيانات ، نشر، ترجمة ، توزيع منظم مهدف ، علاقة وتحالفات محلية ودولية، مشاركة في التظاهرات و التجمعات الدولية، العولمة البديلة...الخ). فضلاً عن دور المركز في ميادين عمله الوطنية ، الاقليمية ، الدولية.#

    أواسط شباط /فبراير/2004



    رجوع للصفحة الرئيسية





Since 1st July 2000

E- mail : almassar@p-ol.com
www.almassar.com
Al-Massar
Published by al - Massar Studies Center
P.O.B 1991 Ramallah ( Palestine )
Telefax 9722 - 2980162

How to view PDF files

Acrobat Reader

This site is designed by InterTech Co.