كل الجهود من أجل فرض تطبيق قرار محكمة العدل الدولية والجمعية العامة للأمم المتحدة (تموز/يوليو 2004) بشأن جدار الخنق والضم الاستعماري الإسرائيلي... وفضح مناورات شارون (خطة الإنفصال) للالتفاف على الشرعية الدولية ومواصلة سياساته الدموية والتوسعية في الإراضي الفلسطينية المحتلة

قامت قوات الاحتلال الاسرائيلية منذ أواخر آذار/مارس 2002، أبان إعادة احتلال مدن الضفة الغربية، بعدد من الاجتياحات لمقر مركز المسار للدراسات والنشر في رام الله، والذي تصدر عنه صحيفة "المسار"، وقامت بتدمير ومصادرة الأرشيف وبعض الأجهزة الرئيسة. وقد توقفت الصحيفة منذ ذلك الحين عن الصدور كصحيفة نصف شهرية توزع في أنحاء الأراضي الفلسطينية، بعد أن صدر منها 118 عدداً بانتظام منذ نيسان/أبريل 1997 وحتى آذار/مارس 2002. ومنذ ذلك الحين، يصدر مركز المسار للدراسات والنشر هذه الصفحة على شبكة الانترنت.

بعد تعثر مشروع السيطرة المباشرة على العراق:
العالم يتغيّر... ولكن ليس كما أراد اليمين الأميركي المتطرف

داود تلحمي

    بات الآن واضحاً أن الحرب الأميركية (البريطانية) على العراق سارت بغير ما توقعه اليمين المتطرف المهيمن على القرار في الإدارة الأميركية، وأنها لن تحقق الأهداف الرئيسية التي حددها هذا اليمين لنفسه من الحرب. وذلك بالرغم من محاولات جرت، وتجري، لإصباغ طابع "خيري" على هذه الحرب... أي تصوير الأمر وكأنه مجرد خدمة مجانية لشعب العراق، وبدون مقابل لصالح وحساب الطرفين الرئيسيين اللذين خاضا الحرب وقاما بالاحتلال! فالكثير من التغيرات في اللهجة والتكتيكات، وحتى الأهداف المعلنة، طوال هذه الحرب، التي اندلعت في الشهر الثالث من العام 2003، فرضتها الوقائع التي حدثت على الأرض ولم تكن في حسبان المخططين لها، وهو ما توضحه الكثير من الكتابات والمقولات التي تصدر بغزارة عن محللين ومراقبين من الولايات المتحدة وبريطانيا، وبلدان العالم الأخرى، طوال الأشهر الماضية.

    فبمعزل عن سقوط مقولات "وجود أسلحة الدمار الشامل" و"العلاقة بين نظام صدام حسين وتنظيم القاعدة" وبالتالي علاقة هذا النظام بهجمات 11/9/2001 على المدن الأميركية، فإن كل المتابعين لما يكتب ويقال ويتسرب من معلومات عن أفكار وتطلعات ومشاريع اليمين المتطرف الأميركي، المتشكّل بالأساس من تلاقي من يسمَّون بـ"المحافظين الجدد" (ورموزهم الأبرز بول وُلفوويتز وريتشارد بيرل ودوغلاس فايث...) مع اليمين "الإمبراطوري" في الحزب الجمهوري (ومن رموزه الأبرز نائب الرئيس، ديك تشيني، ووزير الدفاع، دونالد رمسفيلد)، خاصة منذ انهيار الإتحاد السوفييتي وتفككه في مطلع تسعينيات القرن العشرين، كل المتابعين يدركون أن الأهداف الحقيقية الأولى لهذه الحرب ترتبط بالأساس بالتطلع الى السيطرة على منطقة الخليج النفطية، وخاصة على البلد الذي يحتل المرتبة العالمية الثانية من حيث حجم الاحتياطي المكتشف من النفط (العراق)، وما يجره ذلك من سيطرة على تدفق وأسعار هذه المادة الأولية الاستراتيجية، التي خَلُص خبراء الادارة الأميركية الى حتمية بقائها لسنوات طويلة مصدراً رئيسياً للطاقة، أقل كلفة وتهديداً للبيئة من مصادر الطاقة الأخرى.

    ذلك ان التقارير والدراسات التي أجريت في مؤسسات الادارة الأميركية ومراكز البحث القريبة منها حول حاجات الطاقة في العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين على صعيد الولايات المتحدة وعلى الصعيد العالمي (بما في ذلك دراسة أشرف عليها نائب الرئيس تشيني) خلصت الى عدم توفر الإمكانية للإستغناء عن النفط والتخفيف من حجم استهلاكه واستيراده المتزايد حتى العام 2020. لا بل خلصت الى أن الاستهلاك سيتزايد بشكل مضطرد في هذه السنوات، خاصة مع تنامي حاجات الدول الجديدة الصاعدة في فلك الانتاج الصناعي العالمي، وفي المقدمة الصين، التي، رغم كونها كانت بلداً رئيسياً منتجاً للنفط، إلا انها أصبحت في السنوات الأخيرة أحد كبار المستوردين له، وخاصة من منطقة الخليج.

    النجم الصيني الصاعد في قلب الحسابات

    وإذا عدنا الى المذكرة الشهيرة التي أعدها في العام 1992، ابان إدارة بوش الأب، بول وولفويتز، الذي كان آنذاك الشخصية الثالثة في وزارة الدفاع الأميركية، والتي ركزت على سبل استباق نمو أية قوة عالمية منافسة للولايات المتحدة خلال العقود القادمة، فإن السيطرة على المصدر الأهم للطاقة في العالم يدخل في هذا السياق (منطقة الخليج والجزيرة العربية تحتوي على قرابة ثلثي الإحتياطي المكتشف في العالم من النفط، ونصف الاحتياطي المكتشف من الغاز تقريباً).

    فإلى جانب اوروبا، التي تنمو وتتشكل ككتلة اتحادية ولكنها لا زالت بعيدة عن وحدة القرار والفعل السياسي، كما ظهر في الأشهر التي سبقت اندلاع الحرب الأميركية- البريطانية على العراق وتلتها... والى جانب اليابان كدولة اقتصادية عظمى، ولكنها ذات طموحات متواضعة حتى الآن على صعيد الدور الكوني السياسي، ناهيك عن تعثر مسيرة نموها الاقتصادي في السنوات الأخيرة ومحدودية قوتها العسكرية الحالية... والى جانب روسيا، التي، رغم قوتها النووية والعسكرية التقليدية ومساحة أراضيها وغناها بالموارد الطبيعية، لا زالت تتخبط في مرحلة البحث عن توازن ذاتي بعد انهيار التجربة السوفييتية والنهش الذي تعرضت له ثروات البلد من قبل "المستثمرين" الأجانب كما من قبل المافيات الداخلية... الى جانب كل هؤلاء، تبدو الصين الشعبية نجماً صاعداً بقوة وحزم في سماء النفوذ الاقتصادي الكوني، حيث باتت الآن الدولة السادسة في العالم من حيث حجم ناتجها الإجمالي الداخلي، بعد الولايات المتحدة واليابان وألمانيا وبريطانيا وفرنسا. ولا يستبعد أن تلحق بسرعة بالبلدين الأخيرين وتسبقهما في غضون فترة وجيزة.

    وهكذا، فإن هدف الحرب الأميركية الأول هو هدف مزدوج: ضمان تدفق النفط والسيطرة على مصادره الرئيسية وبالتالي على تسعيره من جهة، وتعزيز قوة الولايات المتحدة من خلال هذه السيطرة في مواجهة القوى العالمية الأخرى التي تعتمد على استيراد نفط الخليج بشكل رئيسي، من الجهة الأخرى (خاصة غالبية دول اوروبا، بالإضافة الى اليابان والصين..). أما روسيا، فهي منتج رئيسي للنفط، لكن عدداً من الدول المحيطة بها، خاصة في منطقة بحر قزوين، لديها ثروات نفطية ذات شأن، واستحوذت لذلك على اهتمام أصحاب القرار في واشنطن الذين عززوا تواجدهم السياسي والاقتصادي وحتى العسكري في هذه البلدان وبلدان الجوار التي تمر فيها أنابيب نقل النفط نحو مصباته.

    العامل الإسرائيلي له حضور أيضاً

    ولم يخفِ مخططو الحرب على العراق هدفاً آخر لها يتقاطع مع المصالح الاسرائيلية، وهو هدف إعادة بناء المنطقة الشرق أوسطية كلها، إنطلاقاً من النموذج العراقي المخطط له، بما ينزع فتيل الصراع الفلسطيني والعربي – الاسرائيلي، ويدمج إسرائيل في نسيج المنطقة، كحليف أول ورئيسي للولايات المتحدة في جهود تعزيز السيطرة الأميركية على هذه المنطقة غير المستقرة ودائمة الاشتعال.

    وكان واضحاً، على الصعيد العملي، بعد هجمات 11/9/2001 على نيويورك وواشنطن، وعلى الصعيد التخطيطي قبلها، أن الادارة الأميركية، التي كانت جديدة آنذاك، أخذت باستراتيجية كون الطريق الى حل الصراع الفلسطيني والعربي – الاسرائيلي يمرّ عبر بغداد، أي عبر كسر ظهر الحركة العربية المناهضة لإسرائيل والولايات المتحدة. بحيث يتم، بعد إخضاع العراق وترويع سائر الأنظمة العربية (وإيران) في المنطقة، وتطويعها حيث أمكن ذلك، تحت شعار "الإصلاح" ونشر الحرية الخ... بحيث يتم تمرير حل أميركي، وبشكل أدق حل أميركي- إسرائيلي، للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، وهو حل يفترض الاستسلام الفلسطيني للنفوذ والهيمنة الاسرائيلية، وبعد ذلك، بشكل أو بآخر، حل الصراع السوري اللبناني- الإسرائيلي على نفس الخطوط العريضة، وإن اقتضى الأمر إحداث تغييرات جذرية في البلدين (سوريا ولبنان).

    وكان للحرب الأميركية على العراق أهداف أخرى طبعاً، منها استبدال القواعد العسكرية الأميركية في السعودية، أو بعضها، بقواعد في العراق يجري تعزيزها وتطويرها على ضوء تطور الاهتمام الأميركي بالسيطرة على المنطقة... خاصة وأن عداء واسعاً لوجود هذه القواعد والقوات قد نما في أوساط القوى المحلية في السعودية، بما في ذلك التيارات الدينية، وهو أمر كان يركّز عليه تيار أسامة بن لادن في العديد من إعلاناته السياسية.

    الرياح العراقية لم تجرِ كما تشتهي السفن الأميركية

    ولكن من الواضح، بعد أكثر من عام على هذه الحرب، أن الرياح العراقية لم تجرِ كما تشتهي السفن الأميركية (البريطانية). فالعراق الوهمي، الذي انبنت عليه استراتيجية الحرب الأميركية، متناغمة مع بعض أوساط المعارضة العراقية المقربة من واشنطن، هذا العراق تبيّن، بشكل ملموس وخلال أشهر قليلة بعد استكمال احتلال البلد وعاصمته، أنه غير العراق الحقيقي، الرافض للاحتلالات وللتقسيمات الطائفية المفتعلة والحريص على وحدة الشعب واستقلاله ووحدة أراضيه. وتحول "المشوار" الأميركي في العراق بشكل متزايد منذ أواخر العام 2003 الى كابوس ومستنقع وحل. وهو ما أدّى الى تغيّر في المزاج الشعبي الأميركي، من تأييد واسع للحرب في بداياتها الى معارضة متزايدة، هي أوضح وأقوى لدى النخب الأميركية السياسية والعسكرية والمثقفة، كما تظهر ذلك، مثلاً، مذكرة الدبلوماسيين السابقين الأولى، قبل أشهر، ثم المذكرة اللاحقة المشتركة للدبلوماسيين والعسكريين وكبار الموظفين السابقين (في كافة الإدارات الأميركية، الجمهورية والديمقراطية على حد سواء، وبدون استثناء، منذ إدارة هاري ترومان في أربعينيات القرن العشرين). وانقلبت الأرقام في استطلاعات الرأي بشكل مزعج للإدارة الجمهورية الحالية، سواء بالنسبة لتأييد المغامرة الأميركية في العراق أو لمصداقية وشعبية الرئيس الأميركي نفسه لدى المواطنين الأميركيين.

    هذا التحول في المناخ الداخلي الأميركي، والذي سيكون له تأثيره، طبعاً، على انتخابات الرئاسة والإنتخابات التشريعية في الشهر الحادي عشر من العام الحالي، دون أن يعني ذلك مسبقاً أن فرص إعادة انتخاب جورج بوش معدومة، يعود بالأساس الى المقاومة القوية للاحتلال الأميركي- البريطاني، سواء أكانت المقاومة العنيفة المعبّر عنها في العمليات ضد قوات الاحتلال أو أشكال المقاومة الأخرى المتمثلة في التحركات الشعبية المناهضة للاحتلال والمواقف المعلنة بذات الاتجاه من قطاعات متزايدة من الشعب العراقي. وقد فاجأ حجم هذه المقاومة وفعاليتها وسرعة اندلاعها المخططين للحرب في واشنطن، الذين لم يتوقعوها هكذا على الإطلاق، مما يفسر حالة الإرباك وتغيير التكتيكات المتواصل (وحتى الرؤوس)، التي سادت أوساط القيادات العسكرية والسياسية الأميركية، وما زالت.

    أهداف لم تعد قابلة للتحقيق

    ولا شك أن الأهداف الأولى لمشروع اليمين الأميركي المتطرف المسيطر على القرار في واشنطن لم تعد قابلة للتحقيق، كما أبرز ذلك العديد من المحللين، وحتى العسكريين السابقين الأميركيين، ومن بينهم الجنرال الشهير انطوني زيني، الذي تحدث عن مسيرة نحو الهاوية. ومن بين تلك الأهداف الأولى للحرب:

    1. السيطرة على الثروة النفطية العراقية، من خلال خصخصة القطاع النفطي (المؤمم في البلد منذ سنوات طويلة) وهيمنة كبرى الشركات الأميركية على هذا القطاع، وخاصة تلك التي كان لها علاقة مع رموز الإدارة الأميركية، بمن فيهم نائب الرئيس ديك تشيني (شركة هاليبيرتون)، وحتى الرئيس بوش نفسه وعائلته ذات التاريخ الطويل في المجال النفطي في ولاية تكساس. وإزاء المعارضة الشعبية العراقية الواسعة لهذا السطو على ثروة العراق، جرى التراجع عن المخطط الأصلي، الذي كان أبرز مؤشراته الملموسة الأولى حماية الجيش الأميركي لوزارة النفط العراقية في بغداد، دون غيرها من الوزارات والمؤسسات، من حملات النهب والتخريب التي ترافقت مع دخول القوات الأميركية الى بغداد في نيسان/أبريل 2003.

    2. إقامة قواعد عسكرية أميركية دائمة في العراق، كبديل لبعض أو كل القواعد في السعودية وكتعزيز للتواجد الأميركي العسكري في المنطقة. فإزاء العداء الشعبي العراقي المتزايد لهذا التواجد العسكري الأميركي، والأجنبي عموماً، أصبح من المشكوك فيه أن يشعر الأميركيون بإمكانية "الاستقرار" العسكري طويل الأمد في البلد، حتى ولو في قواعد عسكرية خارج المدن والتجمعات السكانية. وبمعزل عن احتمال بقاء القوات الأميركية والحليفة لها فترة من الزمن لضمان حد أدنى من "الإنجازات" للغزو الأميركي، إلا إن غالبية المحللين الأميركيين يرون أن الإنسحاب الكامل أو شبه الكامل أمر لا مفر منه. والبعض يطالب بانسحاب سريع، او على الأقل بتحديد موعد لخروج القوات الأميركية من البلد في أمد قريب، لا يتجاوز العام 2005.

    3. بناء نموذج سياسي في العراق على صورة ومزاج النظام الأميركي، يكون مدخلاً لإحداث تغييرات في عموم المنطقة العربية ومحيطها (الشرق الأوسط الكبير، أو الأوسع) على هذا الصعيد، تسهّل إدامة النفوذ والهيمنة الأميركية على المنطقة، على غرار ما جرى بعد الحرب العالمية الثانية في اوروبا الغربية وآسيا، وخاصة من خلال الاحتلال الأميركي لكل من اليابان وألمانيا الغربية. وإزاء ما يظهر من انعكاسات التواجد العسكري الأميركي – البريطاني في العراق، يبدو تحقيق هذا الهدف صعباً جداً وخارج مجال الواقع الفعلي، بمعزل عما ستؤول إليه محاولات لاحقة لبناء نظام تعددي منفتح في العراق، بعيداً عن مشروع الهيمنة الأميركية وأحلام اليقظة لمنظّري اليمين المتطرف الأميركي الراغبين في إعادة هندسة العالم.

      المسأله العراقية في قلب العملية الانتخابية الأميركية

      وهكذا تتحجم الأهداف الأميركية للحرب، خاصة وأن الانتخابات الرئاسية والتشريعية في الولايات المتحدة باتت على الأبواب، وأن استطلاعات الرأي في البلد تظهر أن موضوع العراق والتواجد فيه سيكون له تأثير كبير على قرار الناخبين، بنفس مستوى تأثير، إن لم يكن أكثر إذا ما استمرت الخسائر البشرية بوتيرة عالية، موضوع الاقتصاد وفرص العمل (الأشهر الأخيرة شهدت بعض التحسن في المؤشرات الاقتصادية العامة في البلد، وليس بالضرورة في موضوع فرص العمل الجديدة، لكن ذلك لم يوقف تدهور شعبية الرئيس الأميركي وإدارته، وهي ظاهرة ملفتة للاهتمام في بلد قلما تهتم غالبية مواطنيه بالقضايا الخارجية). ولم يعد النقاش يدور، في دوائر القرار والنفوذ وفي الشرائح السياسية المهتمة في واشنطن وعموم البلد، حول البقاء العسكري طويل الأمد في العراق، وانما حول كيفية تأمين الخروج بأقل قدر من الخسائر، وبعض الأرباح، إن أمكن.

      وهنا الأمر يشمل الجانب الإسرائيلي، الذي لعب دوراً كبيراً في التحريض ودفع واشنطن لشنّ الحرب، والذي راهن أن يتحول الشعب العراقي بعد الحرب وتغيير النظام الى مواقف قابلة بوجود إسرائيل وسطوتها، ومتساهلة مع نفوذها في المنطقة. وهو ما يبدو أنه لا يتحقق أبداً. بل يبدو أن العكس هو الذي يتحقق. حيث يتجذر العداء لإسرائيل على المستوى الشعبي في العراق، خاصة وأن ما يعانيه المواطنون العراقيون من الاحتلال الأميركي- البريطاني يتخذ صوراً شبيهة جداً لمعاناة الشعب الفلسطيني، تعززها مشاهد عدسات التلفزيون المنتشرة في الساحتين.

      <انعكاسات على مستوى العالم... بدء من "الحديقة الخلفية"

      لكن ما يبدو أنه انعكاس اقليمي للاحتلال الأميركي هو، في الواقع، جزء من سلسلة من الانعكاسات على مستوى العالم كله لسياسات ومقامرات اليمين الأميركي المتطرف. فمنذ عدة سنوات، بدا مرئياً بشكل واضح جداً تنامي العداء للسياسات النيوليبرالية الأميركية والاتفاقات التجارية الإقليمية والبرامج المفروضة من المؤسسات الدولية المهيمن عليها أميركياً، مثل البنك الدولي، في أميركا اللاتينية، مثلاً، خاصة بعد الانهيار الاقتصادي المريع الذي عانت منه الأرجنتين في مطلع القرن الجديد.

      وأخذت الانتخابات الديمقراطية في عدد من بلدان أميركا اللاتينية الرئيسية تفرز قيادات أو خيارات يسارية ومناهضة للسياسات النيوليبرالية بشكل واضح. هذا كان حال البرازيل في انتخابات العام 2002، التي فاز في الرئاسة فيها مرشح حزب الشغيلة ومؤسسه، انياسيو لولا دا سيلفا، ليصبح هذا النقابي اليساري القريب من الكوبيين رئيس البلد الخامس في العالم من حيث عدد السكان والاقتصاد الثالث عشر في العالم من حيث حجم الناتج المحلي الإجمالي. وقبله شهدت فنزويلا، البلد المنتج للنفط ورابع الدول المصدّرة لهذه الثروة الطبيعية في العالم، فوز العسكري السابق ذي النزعات الشعبية المناصرة للفئات الفقيرة، اوغو تشافيس، بالرئاسة مرتين متتاليتين... وقد تعرّض منذ انتخابه، وما زال، لحملات تحريض وتهديد للاستقرار الداخلي من قبل الأوساط اليمينية المعارضة له ولسياساته، وهي أوساط مدعومة من الولايات المتحدة من خلال دعم مؤسسات أميركية لهيئات معارضة لنظام تشافيس دعماً مالياً مباشراً (سيجري في آب/أغسطس المقبل اقتراع على نزع الثقة من تشافيس، بعد أن تمكنت المعارضة اليمينية من جمع العدد المطلوب من التواقيع وفق الدستور في البلد لمثل هذا الإجراء، لكن نتائج الإقتراع ليست مضمونة سلفاً نظراً للشعبية الكبيرة التي يتمتع بها تشافيس في الأوساط الفقيرة الواسعة في البلد).

      ويمكن الحديث عن تعزيز مواقع اليسار في عدد من بلدان أميركا اللاتينية الأخرى، مثل الأرجنتين وتشيلي والاكوادور والأوروغواي وغيرها من بلدان أميركا الجنوبية. كما يمكن الحديث عن وزن اليسار في بلدان صغيرة في أميركا الوسطى، مثل نيكاراغوا والسلفادور، حيث سعى اليمين المحلي المدعوم بقوة من الولايات المتحدة في هذين البلدين، مؤخراً، لمنع انتخاب رئيسين يساريين بارزين في هذه المنطقة، وهما الرئيس النيكاراغوي اليساري السابق دانييل اورتيغا، وزعيم جبهة فارابوندو مارتي اليسارية في السلفادور شفيق حنضل (الفلسطيني الأصل).

      كما يمكن الإشارة الى الزخم الذي تشهده الحركات المناهضة للامبريالية وحروبها في أنحاء هذه القارة والتحركات الشعبية الواسعة ضد العولمة الرأسمالية ووصفات البنك الدولي النيوليبرالية. وهو مناخ لم يكن بعيداً عن تمنع كل من المكسيك (البلد المتاخم للولايات المتحدة والمشارك معه في اتفاقية "نافتا" مع كندا) وتشيلي في تأييد مشروع الحرب الأميركية على العراق، عندما طرح على مجلس الأمن الدولي، الذي كانا عضوين فيه، في مطلع العام 2003، بالرغم من كون النظامين في البلدين "معتدلين" وغير يساريين.

      تحولات في العلاقات الأميركية - الأوروبية

      وما يجدر الإشارة اليه، بشكل خاص، في هذا السياق، هو التحول في مناخ العلاقات بين عدد من دول اوروبا الرئيسية من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى.

      ومن المعروف أن "التمايز" الفرنسي في اوروبا الغربية في الموقف من الولايات المتحدة مسألة قديمة، حيث تعود الى زمن سابق، وخاصة الى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وحكم الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول، المعروف بنزعته الاستقلالية، النسبية طبعاً، تجاه واشنطن. وبعض المؤرخين والمتابعين لتلك المرحلة يتحدث حتى عن نفور ديغول من الأميركيين والبريطانيين على حد سواء، ويعيد هذا النفور الى فترة مقاومة النازية في أربعينيات القرن العشرين، حين كان ديغول لاجئاً سياسياً في لندن، وأصبح، من هناك، زعيماً في المنفى للمقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي لفرنسا، حيث جرى التعامل معه (أي مع ديغول) بشيء من الاستهتار، به وبالمقاومة الفرنسية، من قبل الحكام الأميركيين والبريطانيين، الذين لم يكونوا، في الغالب، يشركونه في القرارات الرئيسية أثناء الحرب وفي لقاءات القمة بين قادة الحلفاء.

      ومعروف أن ديغول أعلن خروج فرنسا من المؤسسة العسكرية لحلف شمال الأطلسي في أواسط الستينيات الماضية، كخطوة نحو الابتعاد بعض الشيء عن الهيئة التي كان للأميركيين نفوذ مهيمن فيها. كما أقام ديغول، في الفترة ذاتها، علاقات دبلوماسية مع الصين الشعبية في وقت كانت فيه الولايات المتحدة تساند جماعة تشانغ كاي تشيك في تايوان، التي كانت تسمي نفسها جمهورية الصين الوطنية وتحتل مقعد الصين في الأمم المتحدة والمقعد الدائم في مجلس الأمن، وكانت فيه واشنطن ترفض كل عام في دورات الجمعية العامة للأمم المتحدة الاعتراف بجمهورية الصين الشعبية، وتعتبرها خصماً رئيسياً يساند، عسكرياً، الجانب الفييتنامي المناهض للوجود الأميركي العسكري في فييتنام الجنوبية في أوج هذه الحرب الدموية (تغيّر الموقف الأميركي تجاه الصين الشعبية في مطلع السبعينيات، في عهد إدارة ريتشارد نيكسون – هنري كيسنجر، التي كانت تسعى للخروج بماء الوجه من الحرب الفييتنامية وتحاول الاستفادة من التناقضات بين الصين الشعبية والاتحاد السوفييتي، آنذاك). ويمكن القول أن التيار الاشتراكي الديمقراطي في فرنسا في تلك الحقبة كان أقرب الى الأميركيين من التيار الديغولي. لكن الأمر تطور في العقود التالية مع تغيّر بنية وتوجهات هذا التيار، بحيث يوجد الآن في فرنسا شبه إجماع لدى أحزاب السلطة والمعارضة على حد سواء على الخطوط العريضة في السياسة الخارجية، بما في ذلك بشأن الحرب الأميركية – البريطانية على العراق.

      لكن المثير في المواقف الأوروبية الغربية تجاه السياسات الأميركية للإدارة الجديدة كان الموقف الألماني. حيث كان موقف ألمانيا الغربية دائماً تقريباً، منذ تأسيسها في أواخر أربعينيات القرن الماضي وهي تحت الاحتلال الأميركي، من بين المواقف الأوروبية الأقرب الى الموقف الأميركي في القضايا الخارجية الرئيسية. وإذا كان موقف المعارضة الرئيسية الحالية في ألمانيا، وخاصة الحزب المسيحي الديمقراطي، ما زال هكذا، أي أقرب الى المواقف الأميركية، إلاّ ان الرأي العام في ألمانيا أبدى، طوال الأشهر التي سبقت الحرب على العراق وبعدها، معارضة واسعة لهذه الحرب، بحيث جاء موقف حزب شرودر الإجتماعي (أو الإشتراكي، حسب الترجمات) الديمقراطي استجابة لمزاج شعبي، عزّز فرصه في الفوز في انتخابات العام 2002.

      وأظهرت التحركات الشعبية الواسعة في العديد من البلدان الأوروبية الأخرى، بما فيها تلك التي كانت حكوماتها تؤيد الموقف الأميركي بشأن العراق، مثل بريطانيا وايطاليا واسبانيا، كم إن هذا التيار الشعبي المناهض للحرب بات قوياً في هذه القارة.

      وقد جاءت انتخابات إسبانيا في آذار/مارس 2004، التي أطاحت بالحزب الشعبي، اليميني، الذي كان يقوده خوسيه ماريا أثنار، المؤيد للحرب الأميركية والمشارك بقوات فيها، وهي الانتخابات التي أعادت الى السلطة الحزب الإشتراكي العمالي، بقيادة خوسيه لويس ثاباتيرو، الذي أصبح رئيس الحكومة الجديد، وهو ما لم تكن تتوقعه استطلاعات الرأي التي سبقت الاقتراع، جاءت هذه الانتخابات لتظهر كم إن العداء الشعبي للحرب على العراق يحتل مكانة هامة لدى قطاعات واسعة من شعوب هذه القارة، التي عاشت في القرن العشرين حروباً عالمية وأهلية لم يشهد التاريخ البشري مثلها عنفاً ودموية وتدميراً في الماضي.

      ولا تعني كل تلك التطورات في المزاج الشعبي الأوروبي وفي مواقف بعض الحكومات قطيعة وانعطافاً ثابتاً في العلاقات الأوروبية- الأميركية. ولكن، وبمعزل عن التغيرات التي يمكن أن تحصل في هذه المواقف في حال فشل جورج بوش في انتخابات أواخر العام 2004 ومجيء جون كيري مكانه، فإن سلوك اليمين المتطرف الأميركي المهيمن على القرار في إدارة بوش أظهر إمكانية حدوث تعديلات في الخارطة الدولية، ليس باتجاه انتقال الأوروبيين الى مواقع العداء لأميركا (فتداخل المصالح الرأسمالية بين هذه البلدان على ضفتي شمال المحيط الأطلسي كبير ومتشابك)، بل باتجاه درجة معينة من الإستقلالية في مواقف بعض الدول الأوروبية الرئيسية تجاه السياسات الأميركية الكونية، وهي استقلالية نسبية مرشحة للتطور وليس للتراجع نظراً للتنافس والمصالح المتباينة في عدد من المجالات، بما في ذلك مجال المحاولات الأميركية للسيطرة على مصادر الطاقة التي تعتمد على الواردات منها معظم دول أوروبا، وكذلك مجال تنامي دور العملة الأوروبية واحتمال منافستها المستقبلية للدولار الأميركي على الصدارة في التعاملات الدولية (بعض المحللين رأى أن قرار الرئيس العراقي السابق صدام حسين التعامل مع اليورو الأوروبي بديلاً عن الدولار في المعاملات النفطية لعب دوراً إضافياً في تصميم اليمين الأميركي على خوض الحرب).

      أهمية خاصة للتحول في تركيا

      ولا بد من الإشارة بتركيز خاص الى التحول الهام الذي حصل في تركيا إثر انتخابات العام 2002 ووصول حزب العدالة والتنمية (الإسلامي "المعتدل"، كما يسمى) بزعامة رجب طيب إردوغان الى السلطة، وهو تحول مرتبط بثلاثة عوامل مهمة: أولهما تنامي التدين في تركيا، وتراجع النفوذ الشعبي للتيارات والأحزاب "العلمانية" التقليدية الوارثة لسياسات مصطفى كمال أتاتورك، الذي أسس الجمهورية التركية الحديثة بعد تفكك السلطنة العثمانية نتيجة الحرب العالمية الأولى في القرن الماضي... والعامل الثاني هو الرغبة الرسمية التركية في الانضمام الى الاتحاد الأوروبي، وهو انضمام يفترض تطويرات في البنية السياسية والقانونية للبلد، وخصوصاً على صعيد الحد من نفوذ الجيش وكبار ضباطه في الحياة السياسية، والذي كان دائماً نفوذاً كبيراً في العقود الماضية، وكذلك تغيير أساليب التعاطي مع الأقليات في البلد، وخاصة الأقلية الكردية الكبيرة... والعامل الثالث مرتبط بالتطورات في العراق، وخاصة في شماله، حيث لا زالت تركيا تخشى من تنامي النزعات الاستقلالية لدى الأكراد وانعكاساتها المحتملة على أكراد تركيا، الأكثر عدداً.

      وقد بدا واضحاً في الأشهر القليلة الماضية أن الحكم التركي الجديد بات يسعى، خلافاً للحكومات السابقة، الى تعزيز العلاقات التركية مع الدول العربية والعالم الإسلامي (وهو ما تُوِّج مؤخراً باختيار التركي اكمال الدين إحسان اوغلو أميناً عاماً لمنظمة المؤتمر الإسلامي، التي عقدت مؤتمرها الوزاري في تركيا)، وتصاعد اللهجة التركية الرسمية المنتقدة لممارسات إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، مما يعكس درجة معينة من تراجع حميمية العلاقات، التي كانت طوال عقود طويلة علاقات تحالفية استراتيجية بين تركيا وإسرائيل. وقد فسّر إردوغان نفسه هذه المواقف بالإشارة الى المزاج الشعبي التركي المتعاطف مع الشعب الفلسطيني والمنتقد للسياسات الإسرائيلية. وقد أشارت بعض الكتابات الأخيرة في الصحافة الأميركية الى قلق تركي من تنامي الدور الإسرائيلي في كردستان العراق، وهو دور لا يستهدف العراق وحده، وانما كذلك ايران، وفق ما تشير المصادر الإسرائيلية نفسها. ولكنه قد يتحول الى علاقة ووشائج أوسع بين اسرائيل وبعض الأوساط الكردية في العراق، وهو ما لا يروق، ليس فقط للعرب عموماً، بل لحكام تركيا أيضاً، الذين يعتبرون المسألة الكردية مسألة داخلية وحساسة بالنسبة لهم.

      من الانتعاش الروسي... الى "الإنقلاب" الهندي

      ويمكن أن يقال الكثير أيضاُ عن نزوع روسيا الاتحادية في عهد فلاديمير بوتين الى هامش أكبر من الاستقلالية تجاه الولايات المتحدة عمّا كان عليه الحال في عهد سلفه يلتسين، خاصة وان ارتفاع أسعار النفط الدولية حقق انتعاشاً ملحوظاً في الاقتصاد الروسي في السنوات الأخيرة، مع عودة الانتاج النفطي الروسي للتزايد وعودة روسيا الى موقع متقدم بين الدول المصدّرة للنفط (الثانية في العالم بعد السعودية). كما ان تنامي القوة الاقتصادية الصينية على المستوى العالمي واستمرار نمو الاقتصاد الصيني بمعدلات مرتفعة جداً بالمعايير الدولية يزيدان من تعزيز موقع الصين الدولي. ورغم أن كلا البلدين، الصين والولايات المتحدة، لديهما مصلحة في العلاقات الاقتصادية المتنامية بينهما (استثمارات أميركية كبيرة في الصين وسوق شاسعة للسلع الأميركية، مقابل صادرات صينية هائلة للسوق الأميركي)، إلا إن حجم الصين البشري والاقتصادي وقدراتها الصناعية والعسكرية المتنامية تجعلها تحافظ على دور خاص متنامٍ على الصعيد الدولي، وهو دور سيتزايد في الأعوام والعقود القادمة اذا ما استمرت وتيرة النمو الحالية بنفس القوة، كما هو متوقع. وليس مستغرباً، والحال هذه، أن يكون اليمين المتطرف الأميركي، عندما جاء الى الحكم في واشنطن في مطلع العام 2001، قد نظر الى "الخطر الصيني" كمصدر تهديد رئيسي لاستمرار الهيمنة الأميركية المنفردة على العالم في العقود القادمة... الى أن قلبت تفجيرات 9/11/2001 الأولويات لدى الإدارة الأميركية. علماً بأن حرب واشنطن اللاحقة على العراق انطلقت أيضاً من حسابات استراتيجية متعلقة بالصين وغيرها من القوى الدولية الصاعدة أو المرشحة للصعود على مسرح النفوذ العالمي، كما سبق وذكرنا.

      ولا بد هنا من الإشارة الى تحول هام جرى في بلد كبير ومتزايد التأثير في الخارطة العالمية، وهو الهند، الدولة الثانية في العالم من حيث عدد السكان (أكثر من مليار نسمة) والاقتصاد الحادي عشر من حيث الناتج القومي الإجمالي. ففي انتخابات النصف الأول من حزيران/يونيو 2004، حدثت مفاجأة شبيهة بالمفاجأة الإسبانية، من حيث كون الاستطلاعات لم تتوقعها، حين انتصر حزب المؤتمر بزعامة صونيا غاندي على الحزب الهندوسي القومي اليميني (بهاراتيا جاناتا) بزعامة رئيس الوزراء منذ العام 1998 أتال بيهاري فاجبايي. وذلك بالرغم من كون الهند قد شهدت في عهد الأخير تنامياً هاماً في وضعها الاقتصادي الإجمالي بحيث باتت نسبة النمو في الناتج الداخلي الإجمالي من بين النسب الأعلى في العالم. ويبدو أن هذا النمو طال بفوائده الطبقات العليا وبعض الفئات الوسطى في المجتمع الهندي بشكل خاص، في حين تفاقمت أوضاع غالبية الطبقات الدنيا والقطاعات الأفقر من البلد، وهو ما جعل هذه الغالبية المفقَرة تصوّت لصالح المعارضة في الانتخابات.

      والمعارضة هنا تشمل، ليس فقط حزب المؤتمر، الذي حقق فوزاً غير متوقع وقاد بالتالي الحكومة الجديدة بعد الانتخابات، وانما أيضاً مجموعة من الأحزاب اليسارية في مختلف المناطق الهندية، مما انعكس في لجوء حزب المؤتمر الى التحالف مع هذه الأحزاب لتأمين أغلبية كافية في مجلس النواب، والى دعم انتخاب أحد قادة الحزب الشيوعي (الماركسي) الهندي، الحزب اليساري الأقوى في البلد، رئيساً لهذا المجلس، خاصة وأن هذا الحزب والحزب الشيوعي الهندي قررا تأييد حكومة حزب المؤتمر من خارجها ودون المشاركة فيها، حفاظاً على استقلاليتهما تجاه بعض السياسات التي يمكن أن يلجأ اليها حزب المؤتمر.

      ولا شك أن الحكومة الهندية الجديدة، كما صرح عدد من مسؤوليها، ستتبع سياسات خارجية مختلفة عن سياسات الحكومة اليمينية السابقة، سواء في ما يتعلق بالعلاقات الخاصة التي أقامها الحكم السابق مع اسرائيل الشارونية، أو في ما يتعلق بالنزوع الى تغليب العلاقة الدولية مع الإدارة الأميركية على حساب العلاقات والتحالفات التقليدية للهند في عهود حكومات حزب المؤتمر السابقة (مع روسيا، ودول العالم الثالث، الخ...).

      تنامي الحركة الشعبية العالمية المناهضة للعولمة الرأسمالية

      ويمكن، بالتأكيد، الحديث عن تطورات أخرى جرت في أنحاء العالم خلال العامين الأخيرين بشكل خاص. كما تمكن متابعة تنامي الحركات الشعبية المناهضة للعولمة النيوليبرالية على صعيد العالم كله.

      ولكن من المهم إبراز كون السياسات الهجومية العسكرية والأمنية للإدارة الأميركية، التي يسيطر على القرار فيها تكتل اليمين المتطرف المشكّل من "المحافظين الجدد" وغلاة اليمين الامبراطوري في الحزب الجمهوري، هذه السياسات ليس فقط لم تحقق أهدافها بإرهاب دول العالم وتعزيز القبضة الأميركية عليها، وعلى المناطق الاستراتيجية خاصة، وانما قادت الى ردات فعل بالاتجاه المعاكس. وردات الفعل هي أيضاً امتداد لانعكاسات سابقة لسياسات أميركا منذ الثمانينات في مجال العولمة النيوليبرالية، التي لم تؤدِ الى تنمية بلدان العالم الثالث، خلافاً لما كان يزعم أنصار ومنظّرو هذه العولمة الرأسمالية، وانما الى تنمية الشرائح العليا في هذه البلدان ومفاقمة الإفقار للطبقات الدنيا وحتى بعض الشرائح المتوسطة في العديد من هذه البلدان. وهو أمر ملموس تماماً من قبل شعوب أميركا اللاتينية، مثلاً، كما من قبل شعوب الهند وغيرها من شعوب العالم.

      ولا شك أيضاً أن اللهجة العدائية تجاه الإسلام التي تتكرر بأشكال مختلفة في الخطاب السياسي لبعض أركان العولمة الرأسمالية، وخاصة الأميركية، زادت الهوة بين بعض دول هذه العولمة، وخاصة الولايات المتحدة، وشعوب البلدان العربية والإسلامية، خاصة بعد الحربين اللتين شنتهما الإدارة الأميركية على أفغانستان والعراق، وتحديداً على البلد الأخير، الذي بدا العدوان عليه والتهم الموجهة لنظامه قبل الاحتلال غطاء واهياً لقرار مسبق بالسيطرة على هذا البلد، بدون علاقة بما حدث في أميركا يوم 11/9/2001.

      وأخيراً، ينبغي القول بوضوح، وبدون مبالغات مضللة، أن هزيمة مشروع اليمين المتطرف الأميركي في العراق، وعلى المستوى الكوني، سيكون انجازاً لكل شعوب العالم، خاصة إذا ما تُوجت هذه الهزيمة برحيل هذا اليمين عن السلطة في واشنطن إثر انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر القادم. ولكن ذلك لن يعني، إذا ما حدث، انهيار النظام الرأسمالي الأميركي وسياسات الهيمنة الأميركية – بأشكالها المختلفة – على المستوى العالمي. علماً بأنه ما زال من المبكر الحسم في النتائج المحتملة للانتخابات الرئاسية الأميركية، خاصة وأن استطلاعات الرأي ما زالت متأرجحة ومتقاربة، وأن أي تطور دراماتيكي في الأسابيع، بل والأيام، الأخيرة قبل الانتخابات يمكن أن يغيّر مزاج قطاع مؤثّر من الناخبين الذين لم يحسموا موقفهم من المرشحين الرئيسيين بعد.

      أما الأحاديث في بعض الأوساط الأصولية المتطرفة عن إسقاط وانهيار الولايات المتحدة، على غرار ما حدث مع الاتحاد السوفييتي قبل عقد ونيف، فتنم عن عدم معرفة ببنية النظام الرأسمالي الأميركي على الصعيد الاقتصادي، أولاً، مقارنة مع تأزم النموذج الاقتصادي السوفييتي الذي تفاقم في السنوات الأخيرة من عمر الاتحاد السوفييتي (وبعض المتابعين يتحدث عن أزمة بدأت بوادرها في هذا البلد منذ الستينيات الماضية).

      فالصراع مع النظام الامبريالي العالمي لن يحسم دفعة واحدة، وهو صراع طويل الأمد ويحتاج الى نفس طويل والى رؤية واضحة لمعطيات الوضع العالمي وتناقضاته، ولأشكال الفعل المؤثرة في مواجهة سلبياته وعدوانيته وجشعه ومشاريع هيمنته. ولكن تراجع الشكل الأكثرعدوانية ودموية في تجليات هذا النظام في مطلع القرن الحادي والعشرين سيكون انجازاً مهماً لشعوب العالم، وأرضية انطلاق لمواصلة النضال الكوني من أجل نظام عالمي أكثر عدالة وتوازناً وأقل إجحافاً بحق شعوب عالمنا الثالث تحديداً، ومنطقتنا العربية والشرق أوسطية بشكل خاص، التي تثير ثرواتها الطبيعية الهامة شهية وأطماع أساطين النظام العالمي الجائر الحالي.

رام الله – مطلع تموز/يوليو 2004



رجوع للصفحة الرئيسية





Since 1st July 2000

E- mail : almassar@p-ol.com
www.almassar.com
Al-Massar
Published by al - Massar Studies Center
P.O.B 1991 Ramallah ( Palestine )
Telefax 9722 - 2980162

How to view PDF files

Acrobat Reader

This site is designed by InterTech Co.