كل الجهود من أجل فرض تطبيق قرار محكمة العدل الدولية والجمعية العامة للأمم المتحدة (تموز/يوليو 2004) بشأن جدار الخنق والضم الاستعماري الإسرائيلي... وفضح مناورات شارون (خطة الإنفصال) للالتفاف على الشرعية الدولية ومواصلة سياساته الدموية والتوسعية في الإراضي الفلسطينية المحتلة

قامت قوات الاحتلال الاسرائيلية منذ أواخر آذار/مارس 2002، أبان إعادة احتلال مدن الضفة الغربية، بعدد من الاجتياحات لمقر مركز المسار للدراسات والنشر في رام الله، والذي تصدر عنه صحيفة "المسار"، وقامت بتدمير ومصادرة الأرشيف وبعض الأجهزة الرئيسة. وقد توقفت الصحيفة منذ ذلك الحين عن الصدور كصحيفة نصف شهرية توزع في أنحاء الأراضي الفلسطينية، بعد أن صدر منها 118 عدداً بانتظام منذ نيسان/أبريل 1997 وحتى آذار/مارس 2002. ومنذ ذلك الحين، يصدر مركز المسار للدراسات والنشر هذه الصفحة على شبكة الانترنت.

من أجل قانون جديد للانتخابات...
كضرورة للديمقراطية وللإصلاح المنشود

هشام أبو غوش*
مقدمة

# يتواصل الحوار حول الأنظمة الانتخابية والظروف الأكثر مواتاة لأية انتخابات قادمة، تشريعية أو بلدية ومحلية. وقد ارتبط الكثير من هذه الحوارات والنقاشات بتقييم مسار المجلس التشريعي الفلسطيني ودوره وبمتطلبات وضرورات الإصلاح الوطني والتغيير الديمقراطي الشامل والمنشود. كما أن المواقف والضغوط الخارجية والتدخلات المعادية تلقي بظلالها وبانعكاساتها على بعض مظاهر هذا الحوار ومجرياته. وبمعزل عن أية إمكانات أو آفاق مرئية لانتخابات تشريعية، أو عن أي تقييم موضوعي وشامل لأداء المجلس التشريعي الحالي ودوره، هناك أكثر من اعتبار وطني وديمقراطي داخلي يدعو إلى استمرار تفحص الثغرات التي ينطوي عليها النظام الانتخابي الحالي، وما يترتب على ذلك من ضرورات تكثيف الحوار والسعي الجاد لتعديل هذا النظام وتطويره، وذلك في سياق الإصلاح والتغيير الديمقراطي الشامل المنشود.

بشكل إجمالي، هناك ثلاثة أنظمة انتخابية، لكل منها محاسنه وثغراته، كما أن كلاً منها ينطوي على صيغ متعددة ومتطورة لتطبيقاته.

    1 ) نظام الأغلبية: يمثل النظام الانتخابي الأقدم، وهو يتسم بصيغته الأسهل وبإجراءاته الأبسط. ووفق هذا النظام، فإن الفائز هو من يحصل على أعلى عدد من أصوات الناخبين (الأغلبية النسبية)، ومن يحصل على أكثر من نصف الأصوات (الأغلبية المطلقة) في أحيان أخرى. وهناك أكثر من صيغة للتصويت المستند لهذا النظام الانتخابي:

      ** اعتماد دائرة انتخابية بمقعد واحد، ويتم التصويت لدورة واحدة (بريطانيا) أو لدورتين لتأمين الأغلبية المطلقة (فرنسا). كما يمكن الجمع بين الصيغتين بالتصويت لمرشح معين، مع الإشارة لأفضلية المرشحين الآخرين بالتتالي.

      ** اعتماد دائرة انتخابية بأكثر من مقعد، ويتم التصويت في دورة واحدة أو اثنتين، أو الجمع بينهما في بعض الحالات.

    ومع الإقرار بسهولة الإجراءات العملية لهذا النظام الانتخابي، وبتوفر الصلات الأكثر تماساً مع الناخبين، إلا إن هذا لا ينفي جملة من السلبيات، بما فيها ارتفاع نسبة الأصوات الضائعة أو المهدورة والتي يمكن أن تزيد عن 60%، بل وقد تصل في بعض الأحيان لحوالي 75%.

    فعلى سبيل المثال، تظهر نتائج الانتخابات البرلمانية الأردنية للعام 1993، أن مجموع أصوات المقترعين بلغ 812 ألفاً، وأن مجموع أصوات المرشحين الناجحين بلغت 317 ألفاً، بينما بلغ مجموع أصوات المرشحين الراسبين 495 ألفاً. كما أن هذا النظام يستثني الأحزاب الأصغر من التمثيل، ويضعف أو يلغي التعددية السياسية، ولا ينصف النساء أو الأقليات الإثنية والعرقية. وهذا كله ينطوي على إضعاف للديمقراطية وتبيهت لها وعلى تكريس التفرد والاستئثار من قبل أحزاب السلطة أو الأحزاب الحاكمة، التي تعمل باستمرار على تعديل حدود الدوائر وعددها بما يخدم تكريس تفردها واستئثارها.

    2) التمثيل النسبي: وهو يعطي ما لقيصر لقيصر، كما أنه الأكثر عدالة، إذ يتناسب عدد المقاعد للقوائم والاتجاهات المختلفة مع حجم ونسبة أصواتها الانتخابية. كما يتم التصويت للقائمة ولبرنامجها المتكامل، إنطلاقاً من اعتبار البلد أو الوطن ككل دائرة انتخابية واحدة، وهو يمثل النقيض أو الوجه الآخر لمختلف النزعات المحلية الضيقة. ومن جهة أخرى، فإن نسبة الأصوات الضائعة وفق هذا النظام لا تزيد عن 10 ـ 15%، كما أنه يتجاوز السلبيات المتصلة بالفئات أو المجموعات "الأقل حظاً في المجتمع". وحيث يعمل بهذا النظام، تعتمد نسب متفاوتة للحد الأدنى للحسم. فهي قد تقل عن 1% كما هو الحال في هولندا مثلاً، وقد ترتفع النسبة لتصل 10% كما هو الحال في تركيا. ولكن النسب الغالبة تتراوح بين 1.5% (إسرائيل) و 4% (بلغاريا). وهناك صيغ عدة لتطبيقاته، منها ما يتصل بنظام الصوت الواحد غير المنقول، حيث يدلي الناخب بصوت واحد في دائرة انتخابية متعددة المقاعد، ومنها ما يعتمد صيغة القوائم وطنياً أو محلياً.

    3) النظام المختلط: في محاولة للإفادة من المزايا الإيجابية لكلا النظامين، وللتقليص من عيوب وسلبيات كل منهما، بات يتسع باضطراد اعتماد صيغة النظام المختلط. وفي هذه الحالة، يتم انتخاب عدد من النواب (النصف أو أكثر أو أقل) بناءً على صيغة الأغلبية والدوائر الفردية (معاً)، فيما يتم انتخاب العدد الآخر وفق التمثيل النسبي. وتختلف نسبة توزيع المقاعد من بلد لآخر، فنجدها مناصفة لدى بعض الدول (روسيا، أوكرانيا، ألمانيا مثلاً)، فيما نجد أن نسبة المقاعد الفردية أعلى لدى دول أخرى (المكسيك، اليابان، إيطاليا) وأدنى لدى غيرها (كوريا الجنوبية، جورجيا).

    وجدير بالذكر أن اتجاهاً داخل المجلس التشريعي الفلسطيني قدم تعديلات جذرية على القانون الانتخابي الفلسطيني، تدعو في جوهرها لاعتماد صيغة النظام الانتخابي المختلط. وجرى تبني مذكرة من قبل ما يزيد على 45 هيئة من بين فصائل وقوى م. ت. ف. ومنظمات المجتمع المدني المختلفة تطالب بزيادة عضوية المجلس إلى 120 مقعداً أو أكثر، واعتماد صيغة النظام المختلط مناصفة ما بين النسبية والدائرة المغلقة، واعتماد كوتا خاصة بالنساء، إضافة لعدد آخر من التعديلات المتصلة بعمر المرشح والعملية الانتخابية ومراحلها ومحطاتها المختلفة.

    النظام الانتخابي الفلسطيني الحالي

    صدر قانون الانتخابات الفلسطيني المؤقت رقم (13) بتاريخ 7/12/1995 وليداً للاتفاق الإسرائيلي - الفلسطيني الموقع في واشنطن يوم 28/9/1995. وبموجب هذا القانون، جرت انتخابات المجلس التشريعي الحالي ورئاسة السلطة في 20/1/1996. وقد مثّل اتفاق إعلان المبادئ (أيلول/سبتمبر) 1993 وترجماته المحددة في اتفاق طابا اللاحق الإطار السياسي والقانوني لتلك الانتخابات، حيث تحدد بموجبها حجم المجلس وأسلوب انتخابه، إضافة لمرجعيته ونطاق صلاحياته. ومعروف أن هذا النظام الانتخابي الفلسطيني يتطابق إلى حدود كبيرة مع النظام الذي كان معتمداً في الأردن عام 1986، والذي أدخلت عليه لاحقاً تعديلات عدة بدءً من عام 1993.

    وحسب المادة (2) من هذا القانون، تقرر أن تجري انتخابات رئيس السلطة وأعضاء المجلس في آن واحد. كما نصّت المادة (5) منه على اعتماد 16 دائرة انتخابية، وهي القدس، أريحا، بيت لحم، الخليل، نابلس، جنين، طولكرم، قلقيلية، طوباس، سلفيت، رام الله، شمالي غزة (جباليا)، مدينة غزة، دير البلح، خان يونس، المنطقة الشرقية ورفح.. كما تم تحديد عدد مقاعد كل دائرة حسب عدد سكانها. وتحددت مواقع مخصصة ككوتا للمسيحيين، إضافة لمقعد الطائفة السامرية في دائرة نابلس. ويلاحظ هنا أن هناك ثلاث دوائر خصص لكل منها مقعد واحد (أريحا، سلفيت وطوباس)، بينما خصص مقعدان لدائرة قلقيلية، وتراوحت مقاعد الدوائر الأخرى ما بين 4 (طولكرم وبيت لحم) و12 مقعداً (غزة).

    وبتدقيق سريع لعدد المقاعد مقارنة مع السكان، يلاحظ عدد من الثغرات النافرة. إذ خصص لبعض الدوائر أقل مما يحق لها (كالخليل) فيما حصلت أخرى على نسبة أعلى (مدينة غزة مثلاً).. وقد أوضحت المادة (89) بأن الفائزين لكل دائرة هم الذين يحصلون على أصوات أكثر من غيرهم.. وبخصوص سن المرشحين، اشترط القانون بلوغ المرشح للرئاسة 35 عاماً (المادة ـ 9) والمرشح للمجلس 30 عاماً (المادة ـ 12). وعالجت المواد (20 ـ 25) ما يتصل بتسجيل الناخبين، بما في ذلك منع إدراج اسم الناخب خارج إطار المنطقة التي يقيم فيها. النظام الانتخابي والديمقراطية لست بصدد التوقف عند مرجعية القانون الانتخابي الفلسطيني وما انطوى عليه ذلك من مرتكزات وجوانب غير ديمقراطية تمس لوائح الناخبين وأهلية المرشحين، إضافة لما يتصل بالقدس وبالعديد من الجوانب الأخرى المرتبطة بالعملية الانتخابية. كما لست بصدد تقييم مسيرة المجلس الحالي بعيداً عن حقيقة الدور أو الصلاحيات المحددة له، أو بمعزل عن جملة العوامل المتصلة باستمرار العدوان غير المسبوق وتصعيده ضد الشعب الفلسطيني ومؤسساته الوطنية.

    فالأمر المطروح هو: أين موقع النظام الانتخابي الفلسطيني من الديمقراطية؟ أي أن هذا النظام الانتخابي غير ديمقراطي في العديد من جوانبه، كونه يغلق الباب أمام التعددية السياسية ويغذي ويكرس مختلف النزعات والاتجاهات العشائرية والجهوية والمحلية الضيقة على حساب الشؤون والقضايا الوطنية الأشمل. وإذا كان البعض يزعم بأن هذا النظام هو المعمول به في ديمقراطيات عريقة (بريطانيا مثلاً)، فأظن أن مثل هذا الإدعاء مجاف للحقيقة. فالنظام المعتمد في بريطانيا وفي بعض الدول الديمقراطية التي لا تأخذ بنظام التمثيل النسبي هو نظام الدائرة الفردية المغلقة التي يخصص فيها لكل دائرة مقعد واحد يفوز به المرشح الذي يحصل على أعلى الأصوات في دورة انتخابية واحدة أو المرشح الذي يحصل على أكثر من 50% من الأصوات في دورة انتخابية أولى وأعلى الأصوات في دورة ثانية- يشارك فيها عادة مرشحان أو ثلاثة من أصحاب الأصوات العالية في الدورة الأولى (فرنسا مثلاً).

    أما نظام الدوائر المفتوحة، ذات المقاعد المتعددة، فيعمل بها في دول أخرى (كالأردن ولبنان مثلاً)، حيث تقوم الحياة السياسية على العشائرية والطائفية وسائر البنى التقليدية الأخرى الموروثة.

    في النظام الانتخابي الفلسطيني، يمكن للحزب السياسي الأكبر أن يسيطر على جميع مقاعد المجلس حتى ولو لم يحصل على أكثر من ثلث أصوات الناخبين! بينما الأحزاب المنافسة (إن لم تأتلف في ما بينها) ستفشل في الحصول على مقعد واحد حتى لو حصلت على ما مجموعه ضعف عدد أصوات الحزب الأكبر الفائز. إن من مبررات هذا النظام ضمان الفوز لحزب السلطة أو المقربين منه وإلغاء التعددية السياسية عملياً.

    من جهة أخرى، لا يوفر هذا النظام الانتخابي مساواة حقيقية بين جميع الناخبين في العملية الانتخابية، حيث يتباين الوزن أو التأثير الصوتي لكل مواطن من دائرة لأخرى. ففي دائرة معينة، يمكن لصوت انتخابي واحد أن يختار ممثلاً واحداً للمجلس، بينما نجده يختار عدداً أكثر في دوائر أخرى. ولهذا، نلاحظ أن المنحى الديمقراطي العام يكرس ويدفع إلى توزيع الدوائر ليصبح لكل دائرة مقعد واحد، وبالاستناد إلى عدد متقارب من السكان، وذلك في حال اعتماد صيغة الدوائر الانتخابية المعلقة. وبالنسبة للمرأة، كواحدة من القطاعات "الأقل حظاً" بفعل تراكم تأثيرات التقاليد والقوانين والأعراف السائدة، فإن مثل هذا النظام الانتخابي لا يساعد على التقدم في إنصافها أو تحقيق مشاركتها على نحو أفضل.

    النظام الانتخابي، والإطار العام لصلاحيات المجلس المنتخب ودوره

    تثير تجربة المجلس التشريعي وعلاقته بالسلطة التنفيذية الكثير من الجدل والنقاش، وذلك لاعتبارات عدة يعود بعضها لما رافق انتخابه من ترويج لأفكار وأوهام جاءت الوقائع لتضعها على المحك. ففي ضوء القيود التي ترسمها الاتفاقات، والتي تغطي مختلف الميادين السياسية والاجتماعية والاقتصادية، تشير الوقائع إلى أننا لسنا أمام تجربة برلمانية تقوم على الفصل الفعلي والملموس بين السلطات، وفي ظل دستور وحياة دستورية صحيحة.

    فالاتفاقية الانتقالية الفلسطينية ـ الإسرائيلية المرحلية (28/9/1995) حددت تكوين المجلس وصلاحياته وعلاقته بالسلطة التنفيذية. فالبند الرابع من المادة (18) من هذه الاتفاقية ينص على أنه لا يجوز للمجلس إصدار تشريعات تلغي قوانين سارية المفعول أو أوامر عسكرية تفوق ولايته أو تكون مخالفة لأحكام إعلان المبادئ أو الاتفاقية الانتقالية أو أية اتفاقية أخرى يمكن التوصل إليها خلال هذه المرحلة. كما نصت تلك المادة على أنه على رئيس السلطة التنفيذية ألا يصدر تشريعات يتبناها المجلس وعدم المصادقة على إصدار القوانين والتشريعات التي تنطوي على مخالفة للبند الرابع المشار إليه أعلاه.. وجانب آخر من القيود تعكسها الفقرة السادسة من المادة (18) والتي تعطي الجانب الإسرائيلي في اللجنة القانونية المشتركة صلاحية الاعتراض على القوانين والتشريعات المخالفة للبند الرابع إياه. ومع الاعتراف بعدم وجود مثل هذه اللجنة القانونية، إلا أن ذلك لا يلغي القيد الوارد وانعكاساته.

    إن إدراك هذه الحقيقة يحدد الإطار العام لما يمكن مساءلة المجلس عليه، حيث كثيراً ما تثار تساؤلات وملاحظات لا تنسجم مع مقولة "إذا أردت أن تطاع، فاطلب المستطاع"! ولكن هذه القيود التي تفرضها الاتفاقات على دور المجلس وصلاحياته لا تمنعه من الاضطلاع بدور حيوي في تنظيم العديد من شؤون المجتمع الفلسطيني، سواء في إطار الصلاحيات الممنوحة له أو في حدود المسؤوليات التي لم تقرر الاتفاقيات بشكل صريح مسؤولية سلطات الاحتلال عنها، بما في ذلك تلك التي تنطوي على رموز ومظاهر سيادية. فإضافة لما تتضمنه الاتفاقية من انتهاء الفترة الزمنية المقررة نظرياً للمرحلة الانتقالية (أيار/مايو 1999)، هناك ما يدعم ويبرر الاشتباك السياسي والقانوني المتواصل على قاعدة أن الاتفاقات الموقعة مع الجانب الإسرائيلي لا تتفوق على القانون الدولي ولا تتقدم على قرارات الشرعية الدولية بما فيها قرارات مجلس الأمن. كما أن الاتفاقيات لا تلغي انطباق أحكام اتفاقية جنيف الرابعة على الأراضي الفلسطينية المحتلة بعدوان حزيران/ يونيو 1967، الأمر الذي يتيح المجال لمظاهر من الاشتباك السياسي الذي يستند الى قرارات الشرعية الدولة والمواثيق والأعراف الدولية، بما فيها اتفاقية لاهاي للعام 1907 واتفاقية جنيف الرابعة للعام 1949، وذلك في مواجهة الأنشطة والأوامر الاستيطانية وغيرها من إجراءات ومخططات الاحتلال.

    أما على صعيد دوره بشأن تنظيم بعض جوانب الحياة في المجتمع والعلاقة مع السلطة التنفيذية، فلا شك أن الأمر يختلف.. وبالإجمال، لا يمكن وضع جميع أعضاء المجلس في سلة واحدة، وليس بأمر موضوعي إطلاق أحكام قاطعة وواحدة على دور المجلس وأدائه في كافة المراحل وعلى امتداد سنوات عمره. ومع هذا، فلا خلاف بأن عقبات غير قليلة وضعت أمام عمل المجلس، ليس فقط من قبل الاحتلال وإجراءاته، بل وأيضاً من قبل السلطة التنفيذية، وذلك بسبب من صراعات النفوذ المعلنة أو غير المعلنة وبسبب المركزة والتداخل الشديدين بين مختلف السلطات في النظام السياسي الفلسطيني.. وإضافة لهذا وذاك، فإنه لا يمكن إنكار التأثير السلبي لغياب التعددية الحقيقية في نطاق المجلس، والذي يترافق مع الإجراءات التنظيمية الخاصة بكتلة حركة "فتح" داخله، الأمر الذي يمس دور المجلس ككل، بل ويؤثر على مسار الديمقراطية في أعماله، كما يشير نبيل عمرو في توضيحه أو تبريره لترشيح نفسه لرئاسة المجلس مؤخراً.

    في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن التجاذبات التي شهدها المجلس التشريعي على خلفية مناقشة وإقرار صيغة وصلاحيات رئيس الوزراء قبل بضعة أشهر قد أسفرت في النتيجة عن تعديلات تتسم بالإيجابية على صعيد النظام السياسي الفلسطيني. وهي تعديلات أدخلت على القانون الأساسي، ورست على 13 تعديلاً لمواد أو استحداثاً لمواد جديدة، لبعضها أهمية واضحة. ومن بينها المادة (68) التي تحدد مسؤولية رئيس الوزراء أمام رئيس السلطة، لكنها بالمقابل تعتبر الوزراء مسؤولين أمام رئيس الوزراء في حدود اختصاصه.. وأن رئيس الوزراء وأعضاء الحكومة مسؤولون أمام المجلس التشريعي مسؤولية فردية وتضامنية، بينما كان النص السابق لهذه المادة يتحدث عن مسؤولية الوزراء أمام رئيس السلطة وعن أن مسؤولية الوزراء هي مسؤولية تضامنية (فقط) أمام المجلس التشريعي. ومنها أيضاً المادة (69) التي تمنح رئيس الوزراء حق إحالة الوزراء على التحقيق. وكذلك تلك التي تشير إلى أن مجلس الوزراء هو الأداة التنفيذية بدلاً من السلطة وفق النص السابق.

    ولكن، ورغم أهمية ذلك، فإن تحول هذه النصوص إلى واقع مكرس تساوره شكوك كبيرة ومبررة، وذلك ليس فقط لافتقاد المجلس لدور فعال، أو لهيمنة غالبة للرئاسة والسلطة التنفيذية، بل وأيضاً لأن ذلك كله يدور على "ملعب" يغطيه الاحتلال، وتراقبه اللجنة الرباعية، وتؤثر في حركته، سلباً وإيجاباً، عملية تطور ميزان القوى في صف الشعب وقواه السياسية والاجتماعية ومدى نفوذها الجماهيري. بمعنى آخر، فإن الصيغة الجديدة وترجماتها تقع في مركز دائرة التجاذب فيما بين القوى الداخلية نفسها، أو الداخلية ـ الخارجية وأخرى داخلية/ خارجية. ومن جهة أخرى، فإن التعاطي اللاحق الأكثر جدية ومنهجية مع ملف الإصلاح يندرج في إطار الإيجابيات النسبية، وذلك دون إغفال العديد من الثغرات التي تشوب التعاطي الفعلي والمفترض مع هكذا ملفات وقضايا.

    الانتخابات الحرة والديمقراطية: المدخل الحقيقي للإصلاح والتغيير الديمقراطية

    في الإصلاح وعناوينه، التقى في الآونة الأخيرة الضغط الخارجي مع الضرورة الوطنية والحاجة الداخلية، وإن كانت المنطلقات والاستهدافات مختلفة. ولأن "الخارج" يضطلع بدور حاسم على هذا الصعيد، فقد بات الإصلاح عنواناً وموضوعاً صراعياً مع "الراعي" الخارجي بالإضافة إلى كونه واحداً من محاور الصراع الداخلي بين الاتجاهات المختلفة. فالإصلاح يظل واحداً من الشروط الأهم لتعزيز صمود المجتمع ولتصويب آلية صنع القرار الوطني، فيما تثير الضغوط والعوامل الخارجية مظاهر متعددة من الريبة والتوجس. وواضح أن هذه الضغوط تكثفت بشكل خاص بعد حملة "السور الواقي" العدوانية، ثم اتسعت أوجه تدخلها في الأوضاع الفلسطينية الداخلية بهدف اصطناع قيادة فلسطينية بديلة أو "جديدة"، أو على الأقل تعديل ميزان القوى بين مختلف المراكز في التركيبة القيادية القائمة لجعلها أكثر طواعية واستجابة لهذه الضغوط. ولعل هذا ما يضفي على ملف الإصلاح الطابع الملتبس الذي يفسّر التوجس في التعاطي معه، وذلك من موقع إغلاق الباب أمام إمكانيته الجدية لأسباب موضوعية (واقع الاحتلال ومخططاته) وأخرى ذاتية (تتصل بطبيعة السلطة وتكوينها الاجتماعي الغالب وما ينجم عنه من مصالح وامتيازات). ولكن هذا كله لا يلغي أهمية وضرورة التقدم بملف الإصلاح خطوات إلى الأمام، وتوفير الضمانات التي تسمح بتجييره للصالح العام وللمصلحة الوطنية منطلقين في ظل الظروف المعقدة من اعتبارين اثنين:

    ## الأول هو الوجود المباشر للاحتلال الذي يضع سقفاً لعملية الإصلاح والتغيير الديمقراطي، ويعطل المعالجة المنهجية والجذرية لهذه المسألة. وهو ما يفرض أولوية التصدي للاحتلال ومخططاته على رأس جدول الاهتمامات الوطنية. ولكن هذا لا ينفي إمكانية إنجاز العديد من الخطوات الإصلاحية الهامة حتى في ظل الاحتلال. والأهم من ذلك، ضرورة هذه الخطوات الإصلاحية من أجل تعبئة طاقات المجتمع واستنهاضها للتصدي للاحتلال وتوفير متطلبات الخلاص منه.

    ## الاعتبار الثاني هو البعد الجديد الذي أضفته الضغوط الخارجية المطالبة بالإصلاح على عملية النضال من اجل التغيير الديمقراطي. فهي لم تعد فقط صراعاً داخلياً ضمن الصف الوطني لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني، بل هي باتت أيضاً صراعاً ضد الضغوط والإملاءات الخارجية حول مضمون الخطوات الإصلاحية المطلوبة ووظيفتها..

    إن المدخل الفعلي لتغير ديمقراطي حقيقي يتمثل في إجراء انتخابات حرة على جميع المستويات (البلدية والتشريعية والرئاسية) وفق قانون انتخابي عصري جديد يعتمد التمثيل النسبي، واعتماد صيغة دستورية تضمن نظاماً ديمقراطياً برلمانياً تعددياً يسمح بتداول السلطة، وإعادة بناء كافة المؤسسات الوطنية (مؤسسات السلطة، ومؤسسات م. ت. ف.) على قاعدة ديمقراطية وفق نتائج هذه الانتخابات، وما تعبر عنه من إرادة شعبية. ولكن، وحتى تتوفر شروط هذه الحلول الشاملة، لا ينبغي وضع الملف الإصلاحي على الرف ، أو الاكتفاء بالتبشير والدعاية لهذه المطالب. وفي هذا الاتجاه، يمكن إبراز المهمات التالية ذات الأولوية:

    1. النضال من أجل خطوات ملموسة لإصلاح بنية السلطة الفلسطينية ومعالجة الفوضى والتجاوزات والثغرات التي تثن من وطأتها أوسع قطاعات الشعب.

    2. إنجاز خطوات ملموسة لمعالجة معضلات الفقر والبطالة وضمان حقوق العمال والموظفين.

    3. تنشيط الحركة الضاغطة والعمل من أجل قانون انتخابي جديد، وذلك على قاعدة الوثيقة التي بلورتها الهيئة الشعبية المشكلة من ممثلي القوى السياسية وسائر مؤسسات المجتمع المدني وتدعو إلى اعتماد التمثيل النسبي، والتمييز الإيجابي لصالح المرأة، وتوفير ضمانات شفافية ونزاهة العملية الانتخابية.

    4. صوغ مسودة الدستور بما يضمن انسجامها مع وثيقة إعلان الاستقلال، ومع ضرورات صون الحقوق والثوابت الوطنية واحترام حقوق الإنسان والحريات والضوابط الديمقراطية والتعددية السياسية، والدفع باتجاه فتح حوار شعبي واسع حول هذه المسودة.

    ملاحظات ختامية

    آخذين بالاعتبار مجمل الملاحظات والاستخلاصات المشار إليها حول النظام والقانون الانتخابي الفلسطيني، يمكن تكثيف اتجاهات وعناوين التعديل أو التطوير المترتبة على النحو التالي:

      1) إعادة النظر بمرجعية القانون الانتخابي الراهن، والذي ارتبط باتفاقيات أوسلو وملاحقها، وذلك لجهة الاستناد للوثائق الوطنية ذات الصلة، كإعلان الاستقلال الصادر عن المجلس الوطني عام 1988، والنظام الأساسي والدستور الفلسطيني في حال إنجازه وإقراره. كما أن الديمقراطية تستدعي وجود دستور ينظم العلاقات في ما بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وبما يصون صلاحية كل منها بوضوح تام، ويكرس حقوق المواطن والإنسان. وقد جاء في إعلان الاستقلال الفلسطيني بأن "دولة فلسطين هي للفلسطينيين، أينما كانوا، فيها يطورون هويتهم الوطنية والثقافية، ويتمتعون بالمساواة الكاملة في الحقوق، وتصان فيها معتقداتهم الدينية والسياسية وكرامتهم الإنسانية، في ظل نظام ديمقراطي برلماني يقوم على أساس حرية الرأي وحرية تكوين الأحزاب، ورعاية الأغلبية لحقوق الأقلية، واحترام قرارات الأغلبية، وعلى العدل الاجتماعي والمساواة، وعدم التمييز في الحقوق العامة على أساس العرق أو الدين أو اللون، أو بين الرجل والمرأة، في ظل دستور يؤمن سيادة القانون والقضاء المستقل". فصيغة النظام الديمقراطي البرلماني تتطلب تصحيح صيغة النظام الرئاسي الذي أملته اعتبارات ومساومات تفاوضية معروفة.

      2) زيادة عدد أعضاء المجلس إلى (100 ـ 150)، واعتماد صيغة النظام الانتخابي المختلط إذا تعذر إقرار الصيغة النسبية. وفي هذه الحالة، يتم انتخاب نصف العدد وفق القائمة النسبية والنصف الآخر استناداً لصيغة الأغلبية في دوائر فردية. هذا النظام يجمع بين مزايا النظامين الانتخابيين (النسبية والأغلبية) ويتحاشى السلبيات النافرة للنظام الحالي، لا سيما تلك التي تنال من التعددية الحزبية والسياسية وتضعفها أو ما يسهم في تكريس وتعزيز النزعات المحلية والجهوية والعشائرية واستمرار "تهميش" دور المرأة. كما أن مثل هذه الصيغة تقلص حجم الأصوات المهدورة أو الإجحاف الناجم عن تفاوت وزن وتأثير الصوت الانتخابي. وبكلمات أخرى، نرى بأن صيغة التمثيل النسبي هي الأكثر ديمقراطية وعدالة، ولكن الحيثيات والمبررات التي استندت إليها آراء العشرات من منظمات المجتمع المدني في مذكراتها الجماعية بهذا الخصوص، وكذلك بعض الاقتراحات التي جرى تقديمها في المجلس التشريعي، جديرة بأن تؤخذ بالاعتبار، وبالتالي مواصلة الحوار والسعي لبلورة مطالب واقتراحات تحظى بأوسع إجماع شعبي متاح.

      3) اعتماد التمييز الإيجابي (كوتا مفتوحة) للنساء بنسبة لا تقل بحدها الأدنى عن 20% وحث الأحزاب السياسية المعنية كي تتضمن قوائم مرشحيها على نسبة لا تقل عن 30% من النساء في مواقع متقدمة. ومن الطبيعي أن تستمر هذه الصيغة لفترة انتقالية تسهم في تعزيز وتكريس مشاركة المرأة في مواقع صنع القرار. إن رفض هذا التوجه تحت ذريعة أنه يتنافى مع مبدأ المساواة والديمقراطية أو أنه ينطوي على تمييز من نوع آخر، ينطبق عليه القول المأثور "كلمات حق يراد بها باطل". فليس موضع شك أنه بفعل جملة القوانين والأعراف والقيم والتقاليد السائدة في مجتمعاتنا الأبوية ليس وارداً أو مرئياً في الأفق المنظور تحقيق تلك المساواة فعلياً حتى لو جرى إيرادها ووضعها كنصوص.

      4) تكريس الحيادية والشفافية على نحو أوضح في كافة الجوانب المتصلة بالعملية الانتخابية، بما في ذلك أسس تشكيل وعمل لجنة الانتخابات المركزية والهيئات الفرعية المرتبطة بها. فقد جرى تقديم لجنة الانتخابات للعام 1996 باعتبارها هيئة مستقلة ومحايدة مسؤولة عن إدارة الانتخابات وأنها تتكون من القضاة والمحامين وأساتذة الجامعات المستقلين. فهل حقاً تنطبق هذه المواصفات على تلك اللجنة؟ ألم يكن رئيسها هو أمين سر اللجنة المركزية لحركة "فتح" والتي كانت هي التنظيم الرئيس الذي خاض الانتخابات الرئاسية والتشريعية؟!

      ومن جهة أخرى، هناك تدقيقات عديدة مطروحة على هذا الصعيد، بما في ذلك اعتماد الشفافية والوضوح في ما يخص كيفية ومكان تصويت عناصر الأمن الوطني والأجهزة الأخرى، وفي ما يرتبط بإجراءات فرز الأصوات وكذلك سائر الخطوات والمحطات في العملية الانتخابية، أو ما كان يمكن أن يؤثر عليها، كالموقف من التعيينات عشية الانتخابات أو الفترة الزمنية للإستقالة المسبقة للمرشحين من الوظائف العامة. فقد أشارت المادة (14) من القانون الحالي لضرورة إستقالة الوزراء وموظفي الحكومة والإدارات العامة قبل عدة أيام من موعد الإعلان عن الترشيحات النهائية، وهذه مدة غير كافية لتجنب إمكانية استغلال المواقع الوظيفية، الأمر الذي يبرر جعلها شهرين أو ثلاثة قبل الترشيح.

      5) إقرار صيغة أكثر تدقيقاً وعدالة بشأن نسبة وحجم الأصوات الانتخابية لكل مقعد نيابي. فقد اتضح من انتخابات عام 1996 أن مجموع الناخبين المسجلين كان 1.035.255 ناخباً، الأمر الذي يعني أن كل مقعد يحتاج إلى ما معدله 11.764 ناخباً. وبمراجعة لعدد المقاعد التي جرى اعتمادها للدوائر المختلفة، يلحظ أن بعضها قد خصص له عدد أقل وآخر أعلى مما يوازيه من عدد الناخبين المسجلين. ومثل هذا الأمر لا يتصل باعتبارات "الكوتا" وقد طال أغلبية الدوائر الانتخابية، حيث وقع تمييز إيجابي في تناسب حجم السكان لعدد المقاعد لصالح دوائر قطاع غزة، مقابل تمييز سلبي بحق عدد من دوائر الضفة الغربية، لا سيما دائرتي نابلس والخليل.

      6) لا يوجد ما يبرر الارتفاع المغالي به لسن المرشحين، سواء لرئاسة السلطة أو لعضوية المجلس. ونعتقد أن الوجهة العامة التي تنادي بتخفيضها لتصبح 30 عاماً لمرشح الرئاسة و25 لعضوية المجلس تتسم أكثر بالموضوعية والمنطق.

      7) وأخيراً، فإن أي نظام انتخابي مطالب، في بعض جوانبه، بمعالجة أوفى لمتطلبات المواءمة والتكامل بين مختلف الهيئات التشريعية والتمثيلية، سواء على الأرض الفلسطينية أو ما يتصل بالفلسطينيين عموماً، وذلك إلى أن تتوفر الشروط الفعلية لترجمة وتحقيق الحل الشامل المنشود، بما فيه صون حق العودة للاجئين.

      ونخلص بالتأكيد على أن تطوير النظام الداخلي، بل وتطوير النظام السياسي الفلسطيني، لا يمكن عزله عن مجمل عناصر ومحطات المسيرة النضالية للشعب الفلسطيني، بكل ما يتخللها من تداخل وما تنطوي عليه من صراع داخلي/ داخلي أو داخلي/ خارجي.. وبمقدار ما ينجز الشعب الفلسطيني ومؤسساته الوطنية من التشريعات والمأسسة ذات المضمون والمنحى الديمقراطي، تترسخ وحدته الوطنية وتتطور قدراته على مجابهة شتى المخاطر والتحديات في سياق مسيرة التحرر والاستقلال الوطني الناجز وبناء المجتمع الديمقراطي المنشود.

      حزيران/يونيو 2004
      *عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين ـ بيت لحم ـ.




رجوع للصفحة الرئيسية





Since 1st July 2000

E- mail : almassar@p-ol.com
www.almassar.com
Al-Massar
Published by al - Massar Studies Center
P.O.B 1991 Ramallah ( Palestine )
Telefax 9722 - 2980162

How to view PDF files

Acrobat Reader

This site is designed by InterTech Co.