أولاً: مقدمات خطة فك الارتباط:
منذ ان سلمت خارطة الطريق رسميا من قبل اللجنة الرباعية إلى الأطراف المعنية في نيسان 2003، دخلت عملية تطبيقها في مأزق. فالحكومة الإسرائيلية بقيادة شارون التي أعلنت قبولها الشكلي للخارطة الدولية، رهنت هذا القبول بسلسلة من التحفظات بلغت 14 تحفظاً أرفقت بقرار الحكومة بهذا الشأن وباتت جزء منه. هذه التحفظات تفرغ النص الأصلي للخارطة من أي مضمون ايجابي، بل هي تفقدها تماماً توازنها كحل وسط مفترض بين الطرفين، ولا تبقي فيها سوى ما هو ملزم للجانب الفلسطيني من استحقاقات أمنية وأخرى "إصلاحية"[أي تلك التي تتعلق بإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية].
وإذا كانت الخارطة قدمت للطرف الفلسطيني باعتبارها مطروحة للتنفيذ وليس للتفاوض، مع تعهد أمريكي بأن لا يجري تعديل حرف واحد منها، وهو ما ساعد في استدراج القيادة الفلسطينية إلى إعلان الموافقة المسبقة غير المشروطة على الخطة، فان قيمة هذا التعهد سرعان ما فقدت مغزاها – وهو ما كان مرئياً سلفاً – حين أعلنت إدارة بوش أنها – وان لم تكن بصدد تعديل الخارطة – فلسوف تأخذ بعين الاعتبار التحفظات ألـ 14 الإسرائيلية المسجلة عليها وتوليها الرعاية في سياق عملية التطبيق. ووجد هذا الموقف الأمريكي تنفيذاً فورياً له في نصوص البيانات المتبادلة بين الأطراف في قمة العقبة، وهي كلها بيانات تم التفاوض والاتفاق عليها مع الجانب الأمريكي.
تفرد واشنطن بعملية تطبيق الخارطة، بديلاً عن الجهد الجماعي للجنة الرباعية، أدى عملياً – على خلفية هذا التعهد الأمريكي لإسرائيل – إلى إفراغ الخارطة من التوازن ومن عنصر التبادلية والتزامن في تنفيذ الخطوات المطلوبة من الطرفين، فضلاً عن إقصاء عنصر الرقابة الدولية. غياب التوازن هذا قاد إلى انهيار الخطة وهي ما تزال بعد عند خطوتها الأولى المتمثلة بما يسمى "وقف العنف": رغم أن الجانب الفلسطيني التزم بدقة بهدنة شاملة لأكثر من خمسين يوماً، إلا أن حكومة شارون واصلت عملياتها، من اجتياحات وتصفيات واعتقالات، منسجمة بذلك مع أحد ابرز تحفظاتها على الخارطة وهو أن ما تنص عليه بشأن "وقف العنف" لا يلزم إسرائيل بوضع حد لحربها ضد ما تسميه "منظمات الإرهاب". انهيار الهدنة أدى إلى توقف كلي لعملية تطبيق خارطة الطريق التي باتت في حالة موت سريري.
ولكن تجدد المقاومة، بدفق مضاعف، بعد انهيار الهدنة، فضلاً عن استمرار تصاعد الزخم الجماهيري للانتفاضة، سرعان ما دفع إلى السطح مظاهر المأزق المتفاقم الذي علقت فيه إسرائيل. ولم تمض أسابيع قليلة حتى بدأت تتعالى أصوات قادة المؤسسة العسكرية والأمنية، بمن فيهم الأكثر تطرفاً، لتعترف بفشل خيار "الحسم العسكري" الذي شكل محور استراتيجية حكومة شارون في مواجهة الانتفاضة. وهكذا بدأت تتبلور في أوساط القيادة الإسرائيلية فكرة فك الارتباط من جانب واحد التي أعلن شارون تبنيها رسمياً في خطابه أمام مؤتمر هرتسليا أواخر العام الماضي. وطيلة الشهور الأربعة التي أعقبت هذا الإعلان، ترافقت عملية بلورة عناصر هذه الخطة في محافل صنع القرار الإسرائيلية، مع جهد تفاوضي مكثف بين الإسرائيليين والأمريكيين على مستويات عدة، توج بمحادثات مفصلة على عدة جولات بين دوف فايسغلاس، رئيس ديوان شارون، وكوندوليزا رايس، مستشارة الأمن القومي في إدارة بوش، حول عناصر هذه الخطة.
ثانياً: خطة شارون في طبعتها الأصلية:
بموجب الرسائل المتبادلة بين الرئيس بوش وأريئيل شارون بتاريخ 14/4/2004، ورسالة فايسغلاس إلى كوندوليزا رايس حول إجراءات تنفيذ الالتزامات الإسرائيلية المحددة في هاتين الرسالتين، باتت خطة الفصل من جانب واحد التزاماً رسمياً أمريكياً – إسرائيلياً متبادلاً. تحليل هذه الرسائل المتبادلة يشير إلى ان هذه الخطة تنقض خارطة الطريق وتفرغها من مضمونها وتتبنى، بالكامل وتقريباً بالنص، التحفظات ألـ 14 التي سجلتها الحكومة الإسرائيلية وأرفقتها بالخارطة باعتبارها شروطاً للموافقة عليها.
رسالتا شارون وفايسغلاس، وخطة الفصل الملحقة بهما، تتحدثان عن إخلاء إسرائيل جميع مستوطنات قطاع غزة وأربع مستوطنات صغيرة ومعزولة في شمال الضفة، وعن إعادة نشر قواتها على "الغلاف البري الخارجي" للقطاع، مع الاحتفاظ بالسيطرة على محور فيلادلفيا المحاذي للحدود المصرية (واحتمال توسيعه في بعض المناطق)، وكذلك على المجالين الجوي والبحري للقطاع. وتترك الخطة الاحتمال مفتوحاً لإخلاء محور فيلادلفيا في حال التوصل إلى اتفاق مناسب مع مصر، كما تحتفظ لإسرائيل بحق التدخل العسكري في القطاع بما في ذلك "الضربات الوقائية والرد بالقوة على أية تهديدات يمكن أن تبرز من القطاع". وتلتزم الخطة بإكمال عملية الإخلاء بحلول نهاية العام 2005، بينما هي تؤكد على "تعجيل" بناء "الجدار الأمني" وفقاً لقرارات الحكومة الإسرائيلية باعتباره "حاجزاً أمنياً لا سياسياً، مؤقتاً وليس دائماً".
التعهدات التي تتضمنها رسالة بوش، مقابل هذه الخطوات الإسرائيلية الموعودة، هي استجابة أمريكية كاملة، وموثقة رسمياً، للتحفظات الإسرائيلية ألـ 14. أبرز هذه التعهدات هو ما يتعلق بقضايا التسوية الدائمة: شطب الالتزام الأمريكي بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم والدعوة إلى استيعابهم في الدولة الفلسطينية العتيدة، والتزام واشنطن بحق إسرائيل في حدود "أمنة وقابلة للدفاع عنها" بما يعني – وفقاً لرسالة بوش –"ان أي اتفاق للوضع الدائم لا يمكن إنجازه سوى على أساس تعديلات متفق عليها" على "خطوط الهدنة لعام 1949" تأخذ بعين الاعتبار "الحقائق الجديدة القائمة على الأرض بما في ذلك المراكز السكانية الإسرائيلية الرئيسية القائمة بالفعل". هذا النص لا ينطوي فقط على إضفاء شرعية زائفة على الاستيطان الإسرائيلي اللاشرعي، بل هو يصل إلى حد التزام الولايات المتحدة، الراعي الرئيسي المفترض لعملية السلام، بأنه لا يمكن الوصول إلى تسوية دائمة ما لم يوافق الجانب الفلسطيني (والعربي) على ضم الكتل الاستيطانية الرئيسية إلى إسرائيل.
ولكن التعهدات الأمريكية لا تقتصر على قضايا مفاوضات الوضع الدائم، التي هي المرحلة الثالثة من مراحل خارطة الطريق، بل هي أيضاً تتضمن التزامات هامة تتعلق بالمرحلة الأولى من الخارطة تنحاز تماماً للمفهوم الإسرائيلي المعبر عنه بالتحفظات الأربعة عشر:
أ- الانحياز للموقف الإسرائيلي القائل ان الالتزام بوقف العنف لا ينتقص من "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها ضد الإرهاب، بما في ذلك شن هجمات ضد المنظمات الإرهابية".
ب- اخذ العلم باستمرار إسرائيل في بناء الجدار العنصري الفاصل، والموافقة الضمنية على ذلك بحجة كونه أمنياً لا سياسياً، ومؤقتاً لا دائماً.
ج- إعفاء إسرائيل من استحقاق وقف النشاطات الاستيطانية كافة بما فيها "النمو الطبيعي"، وإجازة الاستمرار في البناء والتطوير في المستوطنات داخل ما يسمى "خطوط البناء" التي سيجري تحديدها من قبل طاقم إسرائيلي بالاتفاق مع السفير الأمريكي كيرتسر.
د- بدلاً من تفكيك جميع البؤر الاستيطانية التي أقيمت بعد آذار 2001، كما تنص خارطة الطريق، تتحدث الرسائل المتبادلة عن "إزالة البؤر الاستيطانية غير المرخصة".
هـ- إسقاط أي إشارة لاستحقاق رفع الحظر عن مؤسسات القدس الذي نصت عليه خارطة الطريق في المرحلة الأولى.
و- بدلاً من "بناء المؤسسات" الفلسطينية وإصلاحها كما تنص خارطة الطريق، تشدد الرسائل المتبادلة على ضرورة نشوء "قيادة جديدة" [فلسطينية] تتعاون مع إسرائيل في شن حرب ضد "الإرهاب" وتفكيك "المنظمات الإرهابية".
ز- اعتبار نشوء قيادة فلسطينية جديدة تحارب "الإرهاب" شرطاً لازماً لأي تقدم في تنفيذ خارطة الطريق، وهو ما يعني أيضاً تبني مفهوم "التطبيق بالتتالي" وليس بخطوات متبادلة ومتوازية كما يشير نص الخطة الدولية.
ثالثاً:الخطة المعدلة كما أقرتها الحكومة الإسرائيلية:
رغم هذه التعهدات السخية من جانب الولايات المتحدة، خضعت خطة شارون إلى عملية تفاوض عسيرة داخل حزبه وحكومته. فشل الخطة في الحصول على الأغلبية في استفتاء الليكود فتح الباب لمساومات معقدة مع وزراء الائتلاف الحكومي أخضعت خلالها الخطة الأصلية لسلسلة من التعديلات التي تتجه كلها نحو تمييع وتعويم ما تضمنته من التزامات إسرائيلية بعد ان تم قبض ثمنها كاملاً من واشنطن. الضربات العسكرية المؤلمة التي تلقتها قوات الاحتلال على أيدي المقاومة في حي الزيتون ثم في رفح، والمسيرة الحاشدة في ساحة رابين بتل أبيب المطالبة بالخروج الفوري من غزة، كانت هي العوامل الحاسمة التي أملت وضع حد للمماطلة داخل الحكومة وإقرار ما يسمى "خطة الفصل المعدلة".
القرار الذي اتخذته الحكومة الإسرائيلية بتاريخ 6/6/2004 بهذا الشأن، يتمسك بالتعهدات الأمريكية الواردة في رسالة الرئيس بوش، ولكنه يخلو من أي التزام بتنفيذ انسحابات أو إخلاء مستوطنات:
أ- القرار يضم رسالة الرئيس الأمريكي إليه باعتبارها جزء منه (الملحق ب)، ولكنه يغفل أي إشارة إلى مصادقة الحكومة على رسالة شارون الموجهة إلى الرئيس الأمريكي بنفس التاريخ.
ب- وفق القرار تصادق الحكومة فقط على "تنفيذ العمل التحضيري" الذي يتضمن "التخطيط لتحديد المعايير والمبادىء، للإخلاء والتعويض والاستيطان البديل، وإعداد التشريعات اللازمة"، وفقط بعد إنهاء العمل التحضيري (الذي أعلن أنه سيستغرق حتى آذار 2005) "تعود الحكومة للانعقاد لإجراء بحث منفصل واتخاذ القرار بشأن إخلاء أو عدم إخلاء المستوطنات (التي صنفها القرار في أربع مجموعات) وأي مستوطنات ستخلى وبأية وتيرة، وذلك في ضوء الظروف القائمة في ذلك الوقت". [هذه الصيغة يجري التأكيد عليها في القرار أربع مرات].
ج- في الخطة الأصلية المرفقة برسالة شارون إلى بوش المؤرخة 14/4/2004 ثمة التزام بأن "عملية الإخلاء مخطط لها أن تكتمل بحلول نهاية 2005"، ولكن قرار الحكومة يتنصل من هذا الالتزام ويكتفي بالإشارة إلى "أن النية تتجه لاستكمال مسيرة الإخلاء حتى نهاية 2005".
د- في المقابل يتضمن القرار تأكيداً على "مواصلة بناء [الجدار الأمني] وفقاً للقرارات الحكومية ذات الصلة"، كما يجيز القرار استمرار تنفيذ مخططات البناء والتطوير التي بوشر بتنفيذها في المستوطنات المرشحة للإخلاء، ويعطي لجنة استثناءات خاصة الحق بالسماح بتنفيذ مخططات شبيهة لم يبدأ العمل بتنفيذها بعد.
هـ- يحافظ قرار الحكومة على ما ورد في الخطة الأصلية بشأن استمرار سيطرة إسرائيل على الحدود البرية للقطاع ومجاله الجوي والبحري، واحتفاظها بحق التدخل العسكري فيه بحجة "الدفاع عن النفس".
رابعاً: الأهداف الفعلية للخطة الإسرائيلية:
في ضوء ذلك فان استمرار التعامل مع الخطة الإسرائيلية المعدلة باعتبار أن محورها الانسحاب من غزة، هو سقوط في حبائل الوهم الذي تحاول الحكومة الإسرائيلية جر العالم إليه للتعمية والتمويه على جوهر خطتها الذي يتمثل في كسب الوقت من أجل استكمال بناء جدار الضم والفصل العنصري في الضفة الغربية، وتعزيز الوجود الاستيطاني في المناطق التي يعزلها الجدار، بهدف خلق وقائع على الأرض تفرض من جانب واحد إطار التسوية الدائمة الذي تحدده خطة فك الارتباط بوضوح شديد في الفقرة التالية: "في أي اتفاق مستقبلي حول الوضع الدائم، لن يكون ثمة استيطان إسرائيلي في قطاع غزة. ولكن من الواضح أنه في [يهودا والسامرة] ستبقى بعض المناطق تشكل جزء من دولة إسرائيل، من بينها كتل مركزية للاستيطان اليهودي، حواضر (استيطانية) مدنية، مناطق أمنية، وأماكن لدولة إسرائيل فيها مصالح إضافية". [هذا البند كان موجوداً في الخطة الأصلية التي أرفقت برسالة شارون إلى بوش في 14/4/2004، وفي الخطة المعدلة تمت المحافظة على نصه الأصلي مع إضافة عبارة "كتل مركزية للاستيطان اليهودي".].وفي هذا السياق تهدف خطة فك الارتباط إلى:
أ- شطب خارطة الطريق من الأجندة الدولية واستبدالها بخارطة إسرائيلية منقحة بالتحفظات الأربعة عشر المعروفة، وبموافقة أمريكية.
ب- إضفاء شرعية زائفة، أو على الأقل قبول ضمني، على جدار الفصل العنصري بحجة كونه مؤقتاً لا دائماً وأمنياً لا سياسياً، واحتواء الاستنكار الدولي لعملية بناء الجدار.
ج- التنصل من استحقاق وقف النشاطات الاستيطانية الذي تنص عليه خارطة الطريق، وشراء التواطؤ الأمريكي مع استئناف وتعجيل التوسع الاستيطاني فيما يسمى الكتل الاستيطانية الكبرى.
د- كسب التوافق الأميركي مع المنظور التوسعي الإسرائيلي للتسوية الدائمة، بما في ذلك ما يتعلق بالحدود الدائمة واللاجئين.
هـ: إجبار الجانب الفلسطيني على التعامل كأمر واقع مع فكرة الدولة ذات الحدود المؤقتة، وبالتالي مع مشروع التسوية الانتقالية طويلة الأمد.
ان هذا كله لا ينفي نية شارون إخلاء قطاع غزة (بالحدود المشار إليها في الخطة). ولكنه يبرز أن الخطة المعدلة هي محاولة لاعتصار أكثر ما يمكن من المكاسب، ولتحقيق أقصى درجة ممكنة من التحجيم للأضرار المتوقعة، من هذا الإخلاء الاضطراري الذي يأتي نتيجة المأزق المتفاقم الذي تعاني منه إسرائيل، على مختلف الصعد الأمنية والاقتصادية والمعنوية، بفعل انعكاسات الانتفاضة وفشل خيار الحسم العسكري الذي راهنت عليه حكومة شارون خلال سنواتها الثلاث الأولى. ولكن خطة فك الارتباط (بنسختيها الأصلية والمعدلة) لا تشير بعد إلى نضوج خيار الحل السياسي المتوازن باعتباره المخرج الحقيقي الوحيد من المأزق، بل هي محاولة للالتفاف عليه عبر مناورة استراتيجية بعيدة المدى تهدف إلى توفير شروط تسوية تضمن المطامع التوسعية الإسرائيلية، أو على الأقل ما هو جوهري منها.
خامساًً: ارتباك الموقف الفلسطيني إزاء الخطة الإسرائيلية:
ما يزال الموقف الفلسطيني، عموماً، إزاء الخطة الإسرائيلية يتسم بالارتباك. وتزيد من هذا الارتباك الضغوط الدولية والإقليمية الداعية إلى التعامل مع الخطة باعتبارها فرصة تاريخية يجب اغتنامها. هذا الارتباك يعبر عن نفسه بأشكال متعددة:
أ- الترحيب، وان يكن مشروطاً، بالانسحاب من غزة وإخلاء المستوطنات، وهو ما يسهل على إسرائيل خلق الانطباع الخادع بأن هذا يشكل محور خطتها وطمس الجانب الآخر، وهو الجوهري، من الخطة المتعلق بالجدار والتوسع الاستيطاني في الضفة والتنصل من استحقاقات خارطة الطريق.
ب- التركيز على انتقاد الخطة من زاوية كونها إجراء أحادي الجانب يتم بمعزل عن التنسيق مع السلطة الفلسطينية، وهو ما يخلق انطباعاً خاطئاً بالاستعداد للتعامل مع الخطة إذا كانت نتيجة التنسيق بين الجانبين.
ج- الحديث عن ضرورة ربط الخطة بعملية تنفيذ خارطة الطريق، وهو ما يندرج تحت عنوان إشاعة الأوهام التي تطمس حقيقة التناقض الصارخ بين خطة فك الارتباط (سواء الأصلية أو المعدلة) وبين خطة خارطة الطريق، ذلك التناقض الذي ينبغي أن يرتكز الجهد الدبلوماسي والإعلامي الفلسطيني على ضرورة تظهيره وإبرازه.
د- الانسياق وراء أوهام "الاشتباك السياسي مع الخطة الإسرائيلية بهدف تحسين شروطها لتنسجم مع خارطة الطريق"، وهو ما يؤدي عملياً إلى تحويل خطة فك الارتباط إلى أساس للمفاوضات بديلاً عن خارطة الطريق الأصلية المعتمدة من اللجنة الرباعية، ويسهل بالتالي على حكومة شارون تحقيق أهداف مناورتها.
بدلاً من قطع الطريق على التعامل الدولي مع الخطة الإسرائيلية والضغط على القوى الدولية والإقليمية المعنية للامتناع عن التعاون في تطبيقها، فان هذا الارتباك، وغياب الرد الوطني الفلسطيني المتماسك، يمكن المناورة الإسرائيلية من ان تحتل مركز الاهتمام وتتحول إلى محور التحركات والجهود السياسية على الصعيدين الدولي والإقليمي، حيث تنزلق القوى المعنية تدريجياً إلى التعاطي معها باعتبارها الخطة الوحيدة المطروحة على الطاولة، بديلاً عن خارطة الطريق، وان تم تغليف هذا التعاطي بحديث مضلل عن جعلها مدخلاً لتنفيذ خارطة الطريق. ان بوادر هذا الانزلاق تنذر بانعكاسات كارثية على الموقف الفلسطيني وتملي ضرورة الإسراع بالخروج من دائرة الارتباك وبلورة رد فلسطيني ناجع ومتماسك.
سادساً: الرد الفلسطيني المطلوب وخطة المواجهة:
إن الموقف الفلسطيني من خطة الفصل المعدلة يجب أن ينطلق من إبراز حقيقة ان الجوهري في هذه الخطة هو ليس الانسحاب من غزة وإخلاء مستوطناتها، بل هو إكمال بناء الجدار وتسمين المستوطنات في الضفة، والتنصل من استحقاقات خارطة الطريق، وتقويض المرتكزات التي قامت عليها عملية السلام فيما يخص قضايا الوضع الدائم (وبخاصة فيما يتعلق بالحدود والقدس واللاجئين). وهذا يعني:
أ- التأكيد على رفض الخطة الإسرائيلية باعتبارها تتناقض مع متطلبات السلام والشرعية الدولية وتتنافى مع خارطة الطريق، وهي بالتالي لا يمكن ان تشكل فرصة أو مدخلاً للتقدم نحو السلام، فالمدخل الفعلي الوحيد هو قيام اللجنة الرباعية بواجبها في وضع جدول زمني محدد لتنفيذ الالتزامات المتبادلة التي تنص عليها خارطة الطريق وفي مراقبة عملية التنفيذ عبر قوة دولية فاعلة.
ب- إبراز أولوية التصدي لجدار الضم والفصل العنصري والتوسع الاستيطاني، سواء على الصعيد الجماهيري أو السياسي والدبلوماسي، والعمل على استعادة الدور المحوري الذي تحتله هذه المسألة في مركز الاهتمام الدولي وإحباط المحاولات الإسرائيلية الهادفة إلى صرف الانتباه بعيداً عنها ومحورته حول موضوع إخلاء غزة.
ج- دعوة اللجنة الرباعية إلى التعجيل بانعقاد المؤتمر الدولي للسلام من أجل إعادة تأكيد ركائز العملية السلمية وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، وإبراز هذه الدعوة باعتبارها محور التحرك السياسي والدبلوماسي الفلسطيني وليس فقط كموقف إعلامي.
ولكن، بما أن الخطة الإسرائيلية هي مناورة استراتيجية بعيدة المدى، فان الرد الفلسطيني الناجع عليها هو الرد الاستراتيجي بعيد المدى المتمثل بإعادة تنظيم الصف الوطني الفلسطيني وتوطيد وحدته لمواصلة المعركة ضد العدوان والاحتلال وتوفير مقومات الصمود فيها عبر عملية إصلاح شاملة تقوم على أساس المشاركة الجماعية. ان الوثيقة التي أقرتها فصائل م.ت.ف في رام الله وغزة في آذار الماضي (2004) تشكل إطاراً صالحاً للبرنامج الوطني الرامي إلى تحقيق هذا الهدف، والمطلوب البدء بوضع الآليات العملية لتنفيذه من قبل قيادة م.ت.ف. وفصائلها ومؤسساتها، بما في ذلك السلطة الوطنية الفلسطينية، مع مواصلة الحوار بشأنه مع القوى الإسلامية وصولاً إلى القواسم المشتركة.
يدعو هذا البرنامج إلى تعزيز الإجماع الوطني على استمرار الانتفاضة حتى تحقق هدفها الإستراتيجي المتمثل بجلاء الاحتلال الإسرائيلي عن جميع الأراضي التي احتلت بعدوان حزيران 67 واخلاء المستوطنات وإقامة دولة فلسطين المستقلة كاملة السيادة على أرضها، وعاصمتها القدس، في حدود الرابع من حزيران 67، وصون حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم وفقاً للقرار 194. ويحدد البرنامج بدقة وسائل النضال وصولاً إلى هذا الهدف بما في ذلك المقاومة المشروعة مع العمل على تجنب استهداف المدنيين من جانبي الصراع.
ويدعو البرنامج إلى تشكيل قيادة وطنية موحدة تحقق مشاركة الجميع في صنع القرار، كما يدعو إلى تفعيل مؤسسات م.ت.ف. وتعزيز دورها القيادي الجماعي، وإلى تشكيل حكومة اتحاد وطني تشارك فيها جميع القوى الوطنية والإسلامية. ومن أجل تعزيز مقومات الصمود في المعركة المديدة ضد العدوان والاحتلال، يضع البرنامج خطة واضحة للإصلاح الديمقراطي الشامل تضمن إعادة بناء جميع المؤسسات الوطنية على أسس ديمقراطية، وإنهاء الفوضى وتعزيز سيادة القانون وسلطة القضاء، واستئصال الفساد والتوزيع العادل للعبء الاقتصادي بين مختلف فئات الشعب. ويعالج البرنامج بدقة مهمات الإعداد لمجابهة التحديات الناجمة عن أية خطوة إسرائيلية أحادية الجانب كما سوف يرد أدناه.
أبرز الخطوات العملية على طريق تنفيذ هذا البرنامج، وأكثرها الحاحاً، تتمثل في إجراء انتخابات هيئات الحكم المحلي والتحضير الجاد للانتخابات العامة. وفضلاً عما تمثله هذه الانتخابات من مدخل لترتيب البيت الداخلي على أساس المشاركة الديمقراطية والوحدة الوطنية الشاملة، فهي (باعتبارها جزء من الاستحقاقات المترتبة على السلطة بموجب خارطة الطريق) يمكن أن تساعد في احتواء الضغوط الخارجية التي ترفع راية الإصلاح، وفي فضح أكذوبة غياب الشريك الفلسطيني، وفي اجتذاب اهتمام الرأي العام الدولي وإحباط مناورات التعمية الإسرائيلية. وفي هذا الاتجاه يمكن اتخاذ الخطوات الفورية التالية:
1: توسيع اللجنة العليا لانتخابات هيئات الحكم المحلي بمشاركة ممثلي القوى السياسية فيها، والإنجاز الفوري للتعديلات المقترحة على القانون، والبدء الفعلي بعملية تسجيل الناخبين، وإعلان جدول زمني لإنجاز مراحل العملية الانتخابية خلال فترة لا تتجاوز العام الواحد، وتكريس كل الطاقات والجهود لضمان احترام هذا الجدول الزمني.
2: البدء بالتحضيرات الجادة للانتخابات العامة:
أ- الانتهاء بأسرع وقت من تعديل القانون الانتخابي وفق نظام التمثيل المختلط (النسبي+الدوائر) والكوتا النسائية وخفض سن الترشيح [مع ملاحظة ان مراجعة قانون الانتخابات وتعديله هي من الاستحقاقات التي ترتبها علينا خارطة الطريق].
ب- الإنجاز السريع لعملية تسجيل الناخبين وسائر التحضيرات الإدارية التي يتطلبها إجراء الانتخابات.
ج- مخاطبة المجتمع الدولي وبخاصة اللجنة الرباعية، من موقع المصداقية التي تضفيها هذه التحضيرات على جدية التوجه الفلسطيني نحو الانتخابات، للضغط على إسرائيل من أجل إنهاء الحصار والإغلاق وإزالة الحواجز والانسحاب إلى مواقع 28/9/2000 بما يوفر الشروط الضرورية لإجراء انتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف ورقابة دوليين.
في سياق هذا الموقف الوطني الشامل يجب أن تندرج الاستعدادات الضرورية لمواجهة التحديات الناجمة عن أية خطوة إسرائيلية أحادية الجانب، بما في ذلك احتمال الانسحاب وإخلاء المستوطنات من قطاع غزة. ان هذه الاستعدادات تنطلق من:
1- اعتبار أن رحيل قوات الاحتلال والمستوطنين من أي جزء من الأرض الفلسطينية المحتلة هو إنجاز للنضال الوطني الفلسطيني شرط أن يتم دون إملاء التزامات أو شروط مجحفة على الجانب الفلسطيني. وبعيداً عن الترحيب المضلل بأية خطوة أحادية، فإن على القيادة الفلسطينية أن تعلن أنها لا تعترض على أي انسحاب من جانب واحد ولكن هذا لا يرتب عليها أي التزامات أو تعهدات وهي ترفض أي محاولة لحصول إسرائيل على ثمن لانسحابها يجعله بديلاً عن تنفيذ التزاماتها الدولية كما تحددها خارطة الطريق.
2- ان أي انسحاب من جانب واحد لن يؤدي إلى تحقيق الأمن والاستقرار ما لم يكن جزء من عملية شاملة لتنفيذ خارطة الطريق وفق جدول زمني محدد وتحت رقابة قوة دولية فاعلة، وصولاً إلى إنهاء الاحتلال وإزالة المستوطنات من جميع الأراضي التي احتلت عام 67 والتوصل إلى تسوية دائمة وفقاً لقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.
3- بناء إجماع فلسطيني شامل على أن السلطة الوطنية الفلسطينية هي الجهة المعنية بتولي المسؤولية الكاملة في المناطق التي يتم إخلاؤها، وذلك وفق خطة وطنية تتوافق عليها وتشارك في تنفيذها جميع القوى الوطنية والإسلامية وتشمل المجالات التالية:
3-1: في المجال الأمني
أ- تضع السلطة الفلسطينية، بالتوافق مع القوى الوطنية والإسلامية كافة، خطة شاملة لتولي المسؤولية الأمنية وحفظ النظام العام وإرساء الاستقرار في المناطق التي تخليها قوات الاحتلال بما يضمن منع الفوضى وفرض سيادة القانون. وتشمل الخطة إعادة صياغة هيكلية الأجهزة الأمنية وإعادة تدريبها ورفع مستوى الانضباط والجاهزية والامتثال للقانون في صفوفها.
ب- في حال انسحاب إسرائيل من قطاع غزة أو أي منطقة أخرى من أرضنا المحتلة، فإن الجانب الفلسطيني يرحب بنشر قوة حماية دولية في هذه المناطق على ان تكون جزء من قوة دولية فاعلة لمراقبة وتنفيذ خارطة الطريق تحت إشراف اللجنة الرباعية الدولية وصولاً إلى إنهاء الاحتلال.
ج- في حال الانسحاب الإسرائيلي الكامل من قطاع غزة، بما في ذلك المنطقة الحدودية مع مصر، حتى حدود الرابع من حزيران 67، تفحص قوى المقاومة، انطلاقاً من تقديرها للمصلحة الوطنية العليا، إمكانية وقف أية عمليات تنطلق من أراضي القطاع ضد إسرائيل، مع احتفاظها بحق الدفاع عن النفس ضد أية اعتداءات إسرائيلية على أراضي القطاع أو مياهه أو أجوائه.
د- ان الانسحاب الإسرائيلي أحادي الجانب من قطاع غزة لا يرتب على الجانب الفلسطيني أية التزامات بشأن المقاومة المشروعة ضد الاحتلال في سائر المناطق المحتلة عام 67.
هـ- في حال الانسحاب الكامل من قطاع غزة تشمل الخطة الأمنية تنظيم حيازة السلاح الشخصي من قبل المواطنين وفقاً للقانون، ومنع الظهور بالسلاح،وإيجاد صيغة لإعادة هيكلة تشكيلات المقاومة في القطاع في إطار القوات المسلحة الرسمية.
3-2: في المجال الاقتصادي والإداري:
تضع السلطة الفلسطينية، بالتوافق مع القوى الوطنية والإسلامية كافة، خطة لصون وإعادة تعمير المرافق العامة والأراضي الزراعية والسكنية والمنشئات الاقتصادية والبنى التحتية في المناطق التي يتم إخلاؤها بما يضمن حسن استخدامها للصالح العام والانتفاع بها من قبل المواطنين وفق معايير متفق عليها على أساس من العدل والمساواة بين الجميع بعيداً عن المحاباة والامتيازات واستغلال النفوذ، وبما يأخذ بعين الاعتبار الاولوية للفئات الأكثر تضرراً من العدوان الإسرائيلي.
3-3:آليات المشاركة:
انطلاقاً من التأكيد على مبدأ المشاركة الجماعية في الشأن الوطني من قبل جميع القوى الوطنية والإسلامية، فان من حق هذه القوى أن تشارك في تنفيذ الخطط الأمنية والاقتصادية والإدارية المشار إليها أعلاه، ولكن وفقاً للضوابط التالية:
أ- ان إطار المشاركة لا يقتصر على قطاع غزة، بل ينبغي ان يتخذ البعد الوطني الشامل بما يعني المشاركة في مؤسسات م.ت.ف. من خلال القيادة الوطنية الموحدة كصيغة مؤقتة لحين إجراء انتخابات ديمقراطية لمؤسسات المنظمة، والمشاركة في مؤسسات السلطة الوطنية من خلال حكومة اتحاد وطني تعد لانتخابات تشريعية ورئاسية عامة.
ب- نبذ أية أفكار حول إنشاء إدارة خاصة لقطاع غزة لما يمكن أن تؤدي إليه من انزلاق نحو التعامل بالأمر الواقع مع استهدافات خطة فك الارتباط الإسرائيلية بتجزئة الأرض الفلسطينية إلى بانتوستانات معزولة، والقبول الضمني بفكرة الدولة ذات الحدود المؤقتة.
ج- المشاركة في إدارة المناطق التي يتم إخلاؤها تتم من خلال الهيئات المنتخبة للحكم المحلي.
د- ان الاستعداد لتوفير آليات وصيغ المشاركة المشار إليها أعلاه بما يحفظ وحدة المؤسسة الوطنية الفلسطينية، يتطلب المسارعة إلى إجراء الانتخابات لهيئات الحكم المحلي، في الضفة – بما فيها القدس – وغزة، وتعجيل التحضيرات لإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية عبر إنجاز تعديل القانون الانتخابي وتسجيل الناخبين على أساسه وفقاً لما ورد أعلاه.
3-4: الدور العربي:
المجابهة مع الخطة الإسرائيلية تملي على الحركة الوطنية الفلسطينية الحرص على حماية علاقاتها العربية، وبخاصة مع دول الجوار،والحذر من الانجرار إلى معارك جانبية تحقق لإسرائيل مراميها الهادفة إلى بذر الشقاق والاحتراب الفلسطيني – العربي. نحن نريد دوراً عربياً فاعلاً في مساعدتنا على مجابهة التحديات الناجمة عن أي خطوة إسرائيلية أحادية الجانب.
ونحن نتطلع إلى هذا الدور ليكون عوناً للشعب الفلسطيني على التصدي للآثار السلبية المترتبة على الخطة الإسرائيلية فيما يتعلق بمصير الضفة الفلسطينية، وقلبها القدس، وبخاصة لجهة مقاومة جدار الضم والفصل العنصري وتسمين المستوطنات. ونحن نرى أن يهدف هذا الدور إلى تعبئة الضغط على إسرائيل لتنفيذ التزاماتها بموجب خارطة الطريق بعيداً عن الإغراق في الأوهام حول تحويل خطة الفصل الأحادي إلى فرصة لتحريك عملية السلام.
وفي هذا الإطار فإن أي مساعدة تقدمها الدول العربية الشقيقة، في المجال الأمني أو غيره، لتمكين السلطة الفلسطينية من مواجهة الوضع الناشيء عن أية خطوة إسرائيلية من جانب واحد، هي مساعدة مرغوبة طالما تأتي في إطار الخطة الوطنية التي يتم التوافق عليها بين القوى الفلسطينية، وعلى أساس احترام السيادة الفلسطينية الكاملة وعدم الانتقاص منها. والمصلحة الوطنية، في هذا الظرف الدقيق، تملي على جميع القوى الفلسطينية أن تعالج أية تباينات في وجهات النظر بهذا الشأن بروح الحوار القائم على التمسك بأواصر الأخوة والمصير المشترك وتفادي الانجرار إلى معارك جانبية.