" خارطة الطريق" المسدود
ثـائـر السهلـي
كاتب فلسطيني ـ دمشق
"لا تكترثوا بخارطة الطريق، إنها ليست ذات صلة"، قال دان كيرتسر، السفير الأمريكي في الدولة العبرية، مخاطباً وزراء الدولة العبرية، على ذمة صحيفة "معاريف" في 15/4/2003. أردت من خلال هذه العبارة للسفير الأمريكي أن أبدأ حديثي بحقيقة باتت واضحة أمام عيون الشعب الفلسطيني، الذي ما انفك " قادته" السياسيون يبشرونه بجنة لله على الأرض ستأتي بها خطة "خارطة الطريق" دون التدقيق بين عناصر إيجابية وأخرى سلبية خطيرة في الخارطة.
بداية، لا بد من الإقرار بأن هذه الخطة، مع ملاحظاتنا العديدة عليها، قد جاءت كإحدى نتائج الانتفاضة، والتي، كالعادة، سارع الجناح المهيمن على القرار الفلسطيني بقطف ثمارها قبل نضوجها، مثلما حدث في العام 1993 إبان توقيع اتفاق أوسلو الذي قضى بوقف الانتفاضة الشعبية الكبرى. حيث يسارع أركان السلطة لتلقف أي شيء يرمي به الأمريكيون إلينا، مع علمهم وعلمنا بأن الإدارة الأمريكية غير جادة ولا تمارس أي ضغط على الحكومة الإسرائيلية لتطبيق هذه الخطة. ليست هذه مواقف وأحكاماً مسبقة، بل هي نتاج التجارب التفاوضية السابقة التي اتبعها أصحاب أوسلو من 1993 إلى يومنا هذا، والتي لم تعطِ إلا حلقات جديدة مملة بالطول والتعقيد.
لم تطرح "الخارطة" رسمياً إلا حين لبّت السلطة المطلب الإسرائيلي ـ الأمريكي بتعيين رئيس وزراء لها، تكون كل الخيوط الأمنية والسياسية والاقتصادية بأيديه. ولم يأتِ هذا التعيين تلبية لمطلب فلسطيني داخلي دعا منذ سنوات عدة إلى إصلاح ديمقراطي شامل وإنهاء التفرد بالقرار الفلسطيني. أضف إلى ذلك مبدأ "عكس القضية"، الذي عملت حكومة الاحتلال، وخلفها الإدارة الأمريكية وبعض حكوماتنا، على أساسه وهو يقضي بأن يكون رأس الانتفاضة والمقاومة مقابل وعد بإنشاء دولة فلسطينية في العام 2005، أي قدمت الأمن قبل السياسة. وأمن من ؟ طبعاً، أمن الاحتلال وسلامة جنوده الذين ما انفكوا "يغزون" قطاع غزة والضفة الفلسطينية. فهذه الخطة لا تفرض على إسرائيل وقف ملاحقة "الإرهابيين"، حتى ولو عملت الوزارة الجديدة على ذلك. لم تتحدث هذه الخطة أبداً عن وجود إسرائيلي في الأراضي المحتلة كقوة احتلال، حتى في ما يتعلق بالأراضي المحتلة بعد 28/9/2000.
وعلى كلٍ، طرحت هذه الخطة وقبلها الطرف الفلسطيني، وخضعت قيادته لكل الضغوط الدولية والإقليمية والعربية، حتى قبل قبول الحكومة الإسرائيلية رسمياً بهذه الخطة. فهي على الأقل لم تناقش في مجلس وزراء الاحتلال، وحتى زيارة باول التي بنيت عليها آمال عريضة لم تفلح في إقناع إسرائيل بقبول هذه الخطة، بل تركت إلى ما بعد زيارة شارون إلى واشنطن، حتى يطرح ملاحظاته مباشرة على رئيس الإدارة الأمريكية. لكن، أليس من حقنا كشعب يستعيد ذكرى نكبته المرّة أن نطرح عدة أسئلة على من قبل هذه الخطة، إذا كنا فعلاً المعنيين بكل ما يدور في خلد الإدارة الأمريكية، وخلد أهل "سلام الشجعان"، الذين وصلت شجاعتهم إلى حد المضي بمسيرتهم إلى السباحة بعكس تيار شعبهم، وبعكس تاريخ وتقاليد ثورتهم، التي وصلوا على أكتافها وقطفوا ثمارها، وأصبحوا ممسكين بقرار لا يحترم أحد مبدأ وحدانيته وسيادته ووطنيته.
السؤال الموجه إلى الرئيس ياسر عرفات وإلى الأخ أبو مازن: بما أنكم من قَبِلَ عنا " طرقاً وخرائط" وضعتها الإدارة ذاتها، المنحازة تماماً إلى عدونا المشترك، والتي تمده بكل صنوف أسلحة الإرهاب والقمع الوحشي، وتغطيه سياسياً في المحافل الدولية، وهي على استعداد أن تدخل عدة معارك ناجحة أو فاشلة لترضي هذا الكيان وتحافظ عليه، فالسؤال هو: من سيضمن تطبيق هذه الخطة ؟ ومن الذي سيرعاها ؟
موازين القوى الجديدة وحالة المنطقة المتردية تفرض على الأمريكيين أن يعطوا شيئاً لنا، نحن الفلسطينيين، ليسكتوا به شعوب المنطقة. فأنتم تذرون رماد تلك الحرب في عيوننا، لأننا وأنتم خبرنا جيداً مصداقية هذه الإدارة ومدى إيفائها بوعودها، وكيف أنها لم تعمل يوماً على الضغط على حكومة إسرائيل على مدار عمر التحالف الاستراتيجي بينهما، سواء لتطبيق أوسلو والقاهرة واتفاق باريس، أو واي ريفر، وشرم الشيخ، وواي بلانتيشن، والعديد من الاتفاقيات التي عُقدت معها بهذه السياسة. ألا تعيدونا الى ذات النفق وتلقوا بكل إنجازات الانتفاضة خلف ظهوركم، لتدخلوا وتدخلونا في ذات النفق القديم الذي لم يوصلنا إلا لانكسار جديد، وهدر لمزيد من الوقت والجهد والموارد، والعديد العديد من أشكال وصنوف معاناة شعبنا؟!
ثم متى كانت موازين القوى بصف شعبنا ؟ وإذا مالت يوماً الى صفه في أوقات نادرة، لِمَ لَمْ نحرز أي انتصار سياسي له معنى منذ عدة سنوات؟ هذه الإدارة في واشنطن لا زالت على نفس مواقفها بتحميل بندقية الكلاشنكوف وحاملها مسؤولية فقدان الأمن والأمل والسلام في المنطقة، متجاهلة كل التجاهل السبب الرئيسي في كل هذا، ألا وهو زحف الاستيطان ووجود الاحتلال.
السيد الرئيس، السيد رئيس الوزراء، تعرفون كما نعرف أن هذه الإدارة شنّت حرباً عدوانية على العراق خلافاً لإرادة الأغلبية الساحقة في دول العالم، بل إنها في سبيل هذه الحرب حجبت معلومات عديدة وخطيرة وحقائق أصبحت في ملفات وسراديب الـ C.I.A عن مجلس الأمن ودول العالم، واختلقت أكاذيب من خلال التضليل الإعلامي والاستخباراتي، وبمراهنتكم على هذه الإدارة تنسون أن صقور البنتاغون من المحافظين الجدد وغيرهم من تيار اليمين العدواني يمسكون بزمام الأمور، وهو تيار يكاد يكون ليكودياً في سياسته. وبات من الواضح أن الإدارة الأمريكية، بعكسنا نحن شعوب وبلدان هذه البقعة من العالم، حيث لا دولة مؤسسات ولا دولة قانون ولا استقلال قضاء، بل دول تحكمها أنظمة شمولية بيدها كل السلطات، الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية ترسم سياستها الخارجية مجموعة من مراكز الأبحاث والدراسات يغلب على القائمين عليها وعلى ما تخرج به للعالم الخطاب الصهيوني ذاته الذي لا زالت الصهيونية العالمية تخطب به وتنفذه منذ العام 1897.
تعلمون جيداً من هو مارتن انديك ودينيس روس وسائر نجوم " معهد واشنطن لسياسسات الشرق الأدنى". وتعرفون جيداً ما هو " أميريكان انتربرايز انستيتيوت"، ومن أبرز نجومه أيضاً "أمير الظلام" ريتشارد بيرل، ذاته، وتعرفون العديد من أسماء مراكز الأبحاث ومستشاري البيت الأبيض والبنتاغون ووزارة الخارجية، الذين وضعوا سياسة الإدارة الأمريكية الثابتة، والتي تقول بأمن إسرائيل قبل كل شيء، بغض النظر عن هدم المنازل والاعتقالات والاغتيالات والمجازر الجماعية والدَوْس على كل اتفاق أو قانون أو قرار دولي. وهم ذاتهم دعوا مراراً إلى طردك، يا سيادة الرئيس، وعزلك وحتى اعتقالك.
دعونا نسأل، مرة أخرى ـ مع احتفاظنا برأينا حول مضمون هذه الخطة ـ: أين هو دور الأمم المتحدة واللجنة الرباعية؟ أليس كدورها في الحرب على العراق … وربما أقل ؟! ثم هل من المعقول، بعد كل هذا التفرد الأمريكي في المنطقة وفي العالم أجمع، بعد "انتصارها" في العراق، أن تأتي وتشرك اللجنة الرباعية وتعطيها دور المقرر والمشارك الرئيسي في صنع قرار بمثل هذه الأهمية يتعلق بالحل الهام والأساسي في هذه المنطقة الأكثر حساسية في العالم.
نقول لأصحاب القرار الأوحد في قضيتنا: اشرحوا لنا أنتم ما هي الدولة المؤقتة ؟ اشرحوا لنا لماذا نحن مرغمون على العودة إلى سياسة الخطوات المورفينية الجزئية... فيما نحن في وادٍ آخر ولسنا بوارد العودة لماض تنفسنا فيه عميقاً الصعداء بعد اندلاع الانتفاضة، ظناً منا أنّا قبرناه، لتتحول هذه المسيرة السياسية كفيلم رعب يقوم القتيل به ليرعب الشجر والبشر والحجر؟!
أسأل رئيس الوزراء: كيف ستنزع سلاح الانتفاضة؟ وكيف ستنهي عسكرتها وتوقف مقاومتها، حسب قائمة المطالب المطروحة عليك. إن نزع سلاح المقاومة والانتفاضة، تنفيذاً لمطلب أمريكي ـ إسرائيلي ـ إقليمي حسب "خارطة الطريق" ، لن يؤدي بأوضاعنا الداخلية إلا للمزيد من التدهور والتعقيد، والمزيد من التمترس خلف الفصائلية والأيديولوجية الأنانية. لأن كل هذا لم يأتِ باتفاق وحوار داخلي فلسطيني ـ فلسطيني، بدون أو مع أي ضغط إقليمي، لإنجاح هذا الحوار والوصول إلى اتفاق سياسي أمني فلسطيني أولاً، والتوجه إلى الطرف الأمريكي والإسرائيلي ولدول العالم بموقف موحد. وهنا لا نريد إلقاء كل اللوم على السلطة وقيادتها، بل علينا أن نعترف جميعاً بأن المواقف الحزبية الضيقة والأنانية تشكل عقبة كأداء أمام الوصول إلى إنجاح حوار وطني يؤدي إلى اتفاق شامل.
فهناك التمترس وراء أيديولوجيات صماء، يعرف أصحابها جيداً، في ظل موازين القوى الظالم هذا، انها لن تكون أكثر من شعارات مذهبة سنبقى نرفعها في ظل هجمة شرسة نتعرض لها نحن، وتتعرض لها بعض العواصم العربية، ومنها دمشق وبيروت اليوم، وغداً القاهرة والرياض. في وسط كل هذا، الإنسان الفلسطيني البسيط، المواطن العادي، يدفع يومياً ثمن وحشية الاحتلال وجرائمه، وثمن ضياع البوصلة الوطنية بين أهل "العقلانية" وأهل "التمسك بالثوابت". فكم من شعار رفع ثم قبر، دون أن نتملك أهم أسلحتنا لندعم بها شعاراتنا هذه، وأهمها تعلم دروس النكبة الكبرى، والوصول إلى الوحدة الوطنية السياسية وديمقراطية اتخاذ القرار الوطني.
نقول لكم في ذكرى نكبتنا المتجددة: لسنا مستعدين للعودة عشر سنوات للوراء، ورمي تضحيات هذا الشعب على مدار عمر الانتفاضة، لأجل بضع يافطات ترضية جديدة بدون مضمون، وسجن كبير للشعب اسمه "كيان غير قابل للاستقلال".