توتر جديد بعد اعتقال الضباط الاتراك في شمالي العراق:
العلاقات التركية ـ الأمريكية على صفيح ساخن
عامـر راشـد
الحديث عن انفراجات في العلاقات الأمريكية ـ التركية وخفوت حدة الأزمة التي نشبت جراء موقف تركيا غير المتعاون مع قوات الاحتلال الانكلو ـ أمريكي للعراق واحتلاله لم يدم طويلاً. وجاء اعتقال القوات الأمريكية لأحد عشر ضابطاً تركياً في مدينة السليمانية، شمال العراق، ليسمم العلاقات من جديد. وتميز رد المؤسستين السياسية والعسكرية في تركيا بالشدة، حيث وصف رئيس الوزراء رجب أردوغان الخطوة الأمريكية "بالشنيعة والعدائية". في حين طالب رئيس أركان الجيش التركي الإدارة الأمريكية باعتذار علني عن هذا العمل غير المبرر، وإطلاق سراح المعتقلين فوراً. ويبدو بأن ذيول الحادث لم تطوق آثارها السياسية السلبية بسهولة، رغم إفراج القوات الأمريكية لاحقاً عن الضباط الأتراك الذين اعتقلتهم.
السبب الذي بررت به القوات الأمريكية اعتقالها للضباط هو إحباط محاولة اغتيال محافظ كركوك الكردي من قبل جهات تركمانية عراقية. أوساط الحكومة التركية رفضت هذه الاتهامات، معتبرة أن ما جرى يشكل استكمالاً لسياسة المضايقات الكردية المدعومة أمريكياً ضد الأقلية التركمانية العراقية في مدن الشمال، بغية تهجيرهم، كمقدمة لإقامة كيان كردي مستقل في هذه المنطقة، وبأن الأمريكيين يساعدون الأكراد في مسعاهم هذا من خلال محاولاتهم القضاء على النفوذ التركي في شمال العراق.
الثابت والمتحول في السياسة التركية:
بنى كمال أتاتورك، مؤسس الجمهورية التركية، حكمه على نزعة شوفينية اقتلعت تركيا من محيطها الإسلامي والعربي وسجنتها خلف أسوار شديدة الأحكام من العزلة، تحت شعار ضرورة التحديث والعلمانية. وحملت هذه السياسات لعشرات السنوات بعد وفاته قيادة المؤسسة العسكرية (مجلس الأمن القومي التركي) عبر تنصيبها لنفسها حامية لدستور تركيا العلماني. وتحت هذا الشعار، صادرت الحريات الديمقراطية، وأسقطت العديد من الحكومات، التي كانت أشبه بالدمى في كثير من الأحيان، وقامت بانقلابات. وبقي الثابت في سياساتها العلاقات المتينة مع الولايات المتحدة الأمريكية، أساسها تحالف أمني ـ عسكري، تقدم فيه تركيا خدماتها مقابل مساعدات اقتصادية كبيرة.
أواسط التسعينيات من القرن الماضي، كانت تركيا على موعد مع التغيير. فلقد أوصلت الشعبية المتنامية للتيار الإسلامي نجم الدين أربكان، زعيم حزب الرفاه الإسلامي، إلى كرسي رئاسة الوزراء. ورغم كل محاولاته عدم الاصطدام مع سلطة العسكر بقبوله الانضباط والبقاء تحت سقف الخطوط الحمر، والتي أبرزها: علمانية الدولة التركية، الإبقاء على مبدأ العلاقات المتميزة مع الولايات المتحدة الأمريكية وحلف شمال الأطلسي، عدم المس بالعلاقات مع "إسرائيل"، وهي قضايا عرف عن الخطاب الإيديولوجي الإسلامي التركي مهاجمتها بلهجة شديدة، رغم ذلك كله أسقط العسكر حكومة أربكان، وحلوا حزبه، وتوزعت قياداته وقواعده على حزبين هما: حزب السعادة، حزب الحرس القديم الذي لم يحز سوى على 2 % فقط من الأصوات في الانتخابات الأخيرة، بينما أسست القيادات الشابة حزب العدالة والتنمية الذي حملته الانتخابات الأخيرة إلى سدة الحكم بقيادة رجب أردوغان، واستطاع أن يسحق في طريقه أحزاب اليمين ويمين الوسط ويسار الوسط، حيث منيت كلها بهزيمة ساحقة فجرتها وشطبتها في المحصلة النهائية من الخارطة السياسية ودفعتها نحو الانهيار الشامل.
منذ بداية تسلمه للسلطة، حاول حزب العدالة والتنمية الاستفادة من تجربة حكومة نجم الدين اربكان، فحاول أن يصوغ سياساته بمرونة كبيرة لتلافي الاصطدام مع جنرالات مجلس الأمن القومي التركي، ولكن مع الحفاظ في الوقت نفسه على استقلالية في المواقف تمكّنه من الإبقاء على شعبيته في صفوف قاعدته الانتخابية. لذلك أعاد صياغة أطروحاته الإيديولوجية بشعارات مبهمة عامة. وهذا ما جعل العديد من رجال السياسة والفكر الأتراك يطلقون عليه وصف "حزب الإسلام العلماني". في حين اعتبر البعض الآخر هذا الوصف مجافاة للحقيقة والواقع، كون حزب العدالة والتنمية، القوي بقيادته الشابة، يقود تركيا جديدة متصالحة مع هويتها، منفتحة ومتعاونة مع عمقها الإسلامي، نحو الوحدة الأوروبية. وهذا يمثّل فرصة كبيرة لقيام ديمقراطية تركية إسلامية حقيقية ومستقرة وقوية.
التحضيرات الأمريكية للحرب على العراق جاءت لتشكل اختباراً حقيقياً للحزب ولقيادته التي كانت تمر بمرحلة انتقالية، تصدّرها عبد الله غول، رئيس الوزراء السابق من الحزب ذاته ووزير الخارجية حالياً. وفي حين لوحظ تشدد غول في الشروط التركية لتقديم التسهيلات، بدا أردوغان أكثر تساهلاً ورغبة في خوض الحرب إلى جانب أمريكا، وهو ما عكسه استقبال الرئيس بوش له في البيت الأبيض، كسابقة في استقبال زعيم حزبي تركي لا يحتل موقعاً رسمياً. ولكن بعد نجاح أردوغان في الانتخابات التكميلية ونجاحه في دخول البرلمان، وتسلمه لرئاسة الوزراء، عاد وتراجع خطوات واسعة للوراء عن مواقفه السابقة. فما الذي تغير؟!
سابقة توحد الحزب الحاكم والعسكر:
اتفقت المؤسستان السياسية والعسكرية على الموقف من الحرب ضد العراق، بكونها ستخلق خريطة جيوسياسية جديدة من أبرز الخاسرين فيها تركيا، وستجعل الدول الأوروبية والإقليمية رهينة الرعونة السياسية الأمريكية المغامرة، خاصة وأن إعادة تشكيل العراق قد يفضي إلى المحظور التركي، نشوء دولة كردية مستقلة، تهدد لاحقاً وحده التراب التركي وتغذي النزعة الانفصالية في المناطق الكردية التركية. يضاف إلى هذا كون تواجد القوات الأمريكية المباشر في العراق سيقلل من الأهمية الاستراتيجية للدور الذي لعبته تركيا تاريخياً في إطار حلف شمال الأطلسي، بالإضافة إلى انعكاسات الحرب على الاقتصاد التركي المأزوم. لذلك، طالبت تركيا بضمانات سياسية، أبرزها: المحافظة على وحدة العراق وعدم قيام كيان كردي مستقل في شماله، ودخول القوات التركية مع القوات الأمريكية جنباً الى جنب، وتعهد أمريكا بتقديم مساعدات اقتصادية تعوضها عن الخسائر التي ستلحق باقتصادها نتيجة الحرب وقدرت مبدئياً بـ 10 مليارات دولار. وفي ظل رفض الإدارة الأمريكية لمعظم المطالب التركية، حصل الافتراق في المواقف، ورفضت تركيا منح التسهيلات التي طلبتها القوات الأمريكية، فاستعاضت عنها الأخيرة بالتسهيلات التي قدمتها بعض دول الخليج العربي.
اختبأ العسكر التركي في رفضه تلبية المطالب الأمريكية خلف الحكومة، التي اختبأت بدورها خلف البرلمان، الذي برر رفضه للمطالب الأمريكي استناداً للاجماع الشعبي الرافض للعدوان على شعب العراق الجار المسلم. ولكن إدارة بوش كانت تخطط للثمن المتوجب تغريمه لتركيا عقوبة لها على مواقفها هذه.
هل تُطَلّق أمريكا عسكر تركيا:
هاجم أركان الإدارة الأمريكية، في خطوة غير مسبوقة، المؤسسة العسكرية التركية، وحمّلوها مسؤولية إفشال البرلمان والحكومة انتشار القوات الأمريكية في شمال العراق عن طريق استخدام الأراضي التركية. وأطلقت إشارات واضحة بأنها ستفتح ملف الممارسات اللاديمقراطية لمجلس الأمن القومي التركي ومصادرته للحريات، علماً بأنها حرصت سابقاً على غض الطرف عن تجاوزات المجلس.
الثمن المطلوب لا يتوقف عند هذا الحد. حيث لم يرد ذكر تركيا في مشروع منطقة الشرق الأوسط للتجارة الحرة، الهادفة إلى ربط المنطقة بالاقتصاد الأمريكي، وأعلنت بعض الأوساط المتنفذة في الإدارة الأمريكية بأنه سيعاد النظر في المساعدات المقدمة لتركيا، وعن مشاريع للاستغناء عن نقل البترول العراقي عبر الأراضي التركية، والاستعاضة عنها بإعادة تشغيل خط الأنابيب الواصل إلى ميناء حيفا عبر الأراضي الأردنية، الأمر الذي يعني خسارة الاقتصاد التركي لمليارات من الدولارات، هو بأمس الحاجة لها، وفوق كل هذا وذاك اللعب على الوتر الحساس التركي، ألا وهو القضية الكردية. ورغم ما ذكر سابقاً، فإن هذا لا يعني، بأي حال من الأحوال، سعي الإدارة الأمريكية أو الحكومة التركية إلى القطيعة الكاملة، والنزوع إلى الصدام المباشر. ففي تقديرات راسمي سياسة البيت الأبيض، لا زال الدور التركي مطلوباً لإحكام السيطرة الأمريكية على المنطق،ة والعراق تحديداً، خصوصاً في ظل تنامي المقاومة الشعبية للاحتلال الأمريكي، وتعثر عملية التسوية في الشرق الأوسط، والخلافات الأمريكية - الأوروبية، والموقع الاستراتيجي لتركيا كبوابة لآسيا الوسطى والشرق الأوسط.
تركيا اختارت موقفاً حيال العراق أقرب إلى الموقف الأوروبي (الألماني ـ الفرنسي ـ البلجيكي تحديداً)، وهي تسعى جاهدة لدخول الاتحاد الأوروبي عبر تجاوز المآخذ التي تعيق حتى الآن قبولها أوروبياً. حيرة منتصف الطريق يتوجب على تركيا حسمها وتحديد خياراتها: إما تركيا المتصالحة والمنفتحة على إطارها الإقليمي والإسلامي في سعيها للحاق بقطار الوحدة الأوروبية، أو العودة للعب دور الشرطي التابع للإدارة الأمريكية، مع ما تحمله السياسات الأمريكية من مخاطر على الأمن والمصالح القومية والحيوية التركية. إنه الامتحان الأصعب لحكومة أردوغان، والذي بنتيجته سيتحدد مصير العلاقة التركية - الامريكية.