خارطة الطريق" إلى أين ؟

هل سيدفع الفلسطينيون والعرب ثمن الإنجاز العسكري الأمريكي في العراق، مرة أخرى ؟

عامـر راشـد
كاتب فلسطيني ـ دمشق

لماذا طرح بوش خطته في هذا الوقت ؟ وهل لاختيار التوقيت من معنىً ؟…

الدولة الفلسطينية الموعودة في 2005 ستسبقها محاولة الأمريكيين تنفيذ رؤيتهم في تغيير الوضع الجيوسياسي في المنطقة بما يمكنهم من السيطرة عليها وتطويعها. وقد بدأت باحتلال العراق وتتواصل بالضغوط المتصاعدة على الشعب الفلسطيني وسوريا وإيران.
وهم أعلنوا، منذ البداية، بأن هذه الخطة تنطلق من على أرضية صراع دعاة السلام مع دعاة ومنفذي "الإرهاب"، وكرروا، وعلى لسان رئيسهم، اكثر من مرة، وصفهم لشارون بالرجل المحب للسلام! وهم يعتقدون الآن بأنه، وأمام الوقائع التي أوجدها احتلالهم للعراق، فإن الطرف الفلسطيني سيكون أكثر قابلية للتكيف والتلاؤم مع الضغوط والإملاءات الأمريكية والإسرائيلية، وأنه لن يستطيع إخراج الكرة التي رميت في ملعبه لأسباب عدة، أهمها: هنالك جدولة حسب "خارطة الطريق" تتضمن قائمة طلبات طويلة ومرهقة للجانب الفلسطيني، وكلها تتعلق في المرحلة الأولى بالقضايا الأمنية، ويبدو جليا،ً ومنذ البداية، عدم مقدرته على الوفاء بها.
وفي ظل غياب أي دعم رسمي عربي جدي، عملي وملموس، وليس فقط دبلوماسياً، وتراجع الدور الأوروبي بعد غزو العراق، والانقسام في الصف الفلسطيني، تتقلص حدود المناورة الفلسطينية الرسمية إلى ما يقارب الصفر. وبالتالي فأبو مازن، الذي يتحدث عنه الأمريكيون كأمل جديد للسلام، قد يتحول في وقت قادم ليس بالبعيد إلى عقبة في وجه السلام، حسب المفهوم والمنطق الإسرائيلي - الأميركي، وبالتالي لن يكون بأحسن حال من أبي عمار، الذي تحول إلى سجين في مقر المقاطعة (في رام الله). ولن يشفع له عندهم حسن نواياه المعلنة. فالمهم هو نجاحه في الاختبار على الأرض ونيله رضى الأمريكيين على ما سيتم تنفيذه. Br> وتكليفه مهمة محاربة "الجماعات الإرهابية" وجمع الأسلحة غير المشروعة، حسب التعريف الأمريكي - الإسرائيلي، لا يعني هدنة من قبل الإسرائيليين تمكنه من أخذ الوقت الكافي. والإسرائيليون يعتبرون أنه من واجبهم مساعدة حكومة أبو مازن في ذلك وعلى الأخير أن يتفهم ويدعم ذلك. وبالتالي هم سيضربون وبقوة في المناطق التي لا يستطيع أن يدخلها ويروضها، ويعطون مثلاً على ذلك منطقة جنين. وتحت عنوان "المصلحة المشتركة" مع الحكومة الفلسطينية ( مكافحة "الإرهاب" كشرط لتنفيذ "خارطة الطريق")، سيوسع الإسرائيليون من نطاق عملياتهم وسيكون على الحكومة الفلسطينية الأخذ بعين الاعتبار بأن الاندفاع الأمريكي نحو التسوية سيحكمه اقتراب موعد الانتخابات التمهيدية الأمريكية، التي ستحد من إمكانية ممارسة ضغط جدي على إسرائيل، وإن كان بالحدود الدنيا المطلوبة، حيث أن سيطرة المحافظين الجدد على موقع القرار في الولايات المتحدة لا تمكن من ذلك أصلاً .
وحسب صحيفة "يديعوت أحرونوت" الاسرائيلية في 1 أيار/مايو 2003، فان "باول أبلغ شارون انه لن يكون أي تقدم إذا لم ينجح الفلسطينيون في اختبار التنفيذ". وهو ما عقب عليه أحد مساعدي رئيس الوزراء الاسرائيلي شارون قائلاً "إن الإدارة الأمريكية أكثر تطرفاً منّا في ما يتعلق بمكافحة الإرهاب". وربطاً مع ما قاله بوش في خطاب "رؤياه" صيف عام 2002: "إن السلام يحتاج إلى قيادة فلسطينية مغايرة وجديدة ، وزعماء لم يكونوا شركاء في الإرهاب"، ومع ما ورد في "خارطة الطريق":" لن يتحقق حل الدولتين للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي إلا من خلال إنهاء العنف والإرهاب، وذلك سيحدث عندما يحظى الشعب الفلسطيني بقيادة تعمل بحسم ضد الإرهاب، وتكون راغبة في تملك القدرة على بناء ديمقراطية عملية تقوم على التسامح والحرية"... نستنتج من ذلك بأن هناك إجماعاً إسرائيلياً - أمريكياً على أن "الإرهاب الفلسطيني" هو العقبة في وجه السلام وليس الاحتلال الإسرائيلي وجرائمه اليومية بحق المواطنين الفلسطينيين العزّل!
يقول عوزي لنداو في مقالة نشرتها "يديعوت" في 1/5/2003: "السلطة الفلسطينية ستكون جديدة ومغايرة فقط إذا اعترفت بحق وجود إسرائيل، وبالحاجة إلى السلام معها، وإذا حَلّتْ منظمات الإرهاب وتنازلتْ عن حق اللاجئين، وأكسبت قيمة السلام للأجيال من خلال تغيير المنهاج التعليمي، وإزالة كل كتب التاريخ التي تبني الجيل القادم من المخربين الانتحاريين". إذاً، المطلوب من الفلسطيني أن يلغي ذاكرته، ويدين نضاله، وأن يقتتل، حتى يكون متكيفاً مع "خارطة الطريق".
إن السياسة الفلسطينية يجب أن تنطلق من فهمٍ أعمق للظروف المستجدة. فالأمريكيون ليسوا مطلقي الأيدي، ولا يستطيعون الإدعاء بالنصر الحاسم. فمحاولاتهم تثمير إنجازهم العسكري في العراق تحول دونها تعقيدات الوضع العراقي التي قد تكون مرشحة للتصاعد لغير صالحهم على المدى المتوسط. والإسرائيليون يدركون ذلك، وهذا ما عكسه تصريح شارون للإذاعة الإسرائيلية في 16/4/2003 الذي قال فيه: "نحن لا نعرف كيف ستتطور الأمور في العراق، وأي نظام سيظهر في بغداد، والأمريكيون لن يبقوا هناك إلى الأبد".
ان القبول بدولة لا تمتلك التواصل والعمق الجغرافي والسيادة لا يمكنها الحياة، ويجب الحذر و توخي الدقة. فالحدود التي يتم الاتفاق عليها تكون لها قوة الإلزام العليا حسب القانون الدولي. من هنا يجب الإصرار على أن يكون هدف التفاوض هو تطبيق قرارات الشرعية الدولية التي تضمن الانسحاب من كل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 بما فيها القدس. لذلك لا يمكن تحقيق هذا الهدف دون اتفاقيات مربوطة بهدف نهائي محدد التاريخ، ألا وهو رحيل الاحتلال عن كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة. والمطالبة الإسرائيلية بشطب حق العودة هي قرصنة على القانون الدولي مدعومة بما يسمى التفهم الأمريكي لمخاوف إسرائيل. والصيغة الواردة في "خارطة الطريق" التي تقول نصاً: "حل مشكلة اللاجئين حلاً عادلاً ومنصفاً وعملياً" سيتم اعتماد التفسير الأمريكي - الإسرائيلي لها تحت دعوى ضرورة شطب حق العودة لعدم وجود إمكانية عملية لتطبيقه على أرض الواقع، وتناقضه مع مفهوم السيادة الإسرائيلية وحقها في الوجود.
الدبلوماسية الأمريكية تخوض الحرب لصالح إسرائيل، لأنها ترى حتى الآن بأن الحكومات العربية لم تغيّر من سياساتها التي تعتبر الولاء للولايات المتحدة هي نقطة ارتكاز ثابتة فيها. إن صمود المفاوض الفلسطيني ممكن، إذا ما تم إنجاح حوار وطني شامل ينبثق عنه برنامج إجماع وطني فلسطيني وبرنامج إصلاح ديمقراطي يتحمل فيه كل الأطراف مسؤولياتهم في هذه المرحلة الحرجة، وتغليب الحكومة الفلسطينية المصلحة الوطنية العليا على أي التزامات قد تفجر اقتتالاً داخلياً فلسطينياً. وسيكتب لهذا الصمود النجاح، إذا ما ترافق مع تغييرٍ في السياسة الرسمية العربية يخاطب السياسة الأمريكية بلغة المصالح. عندها سيضطر الأمريكيون لأخذ المصالح العربية بعين الاعتبار، وسيخففون من غلوِ سياساتهم القائمة على الكيل بمكيالين. ونجد لزاماً التنويه بأن "خارطة الطريق" حملت الكثير من النقاط التي يمكن البناء عليها، إذا ما استطعنا تجاوز الخلل الاستراتيجي الذي تضمنته بوضع الالتزامات بالتوالي، وما يعنيه هذا من وضع الحكم على ذلك بيد شارون، الساعي لتعطيل تنفيذ الالتزامات الإسرائيلية، ومنح حكومة اليمين الإسرائيلية فرصة تفجير الخطة في أول فرصة سانحة.
فهل سيدفع الفلسطينيون والعرب مجدداً ثمن الاحتلال الأمريكي ـ البريطاني للعراق ؟
هذا يتوقف على السياسات التي سيمارسونها في وجه الاندفاعات الإسرائيلية ـ الأمريكية. وهو ما سينجلي في الأشهر العربية القادمة.