مناقشات فلسطينية:
بين دولة "أراضي 67"... والدولة الواحدة بين البحر والنهر
( أو الحل الجنوب افريقي)
داود تلحمي
ازاء التعقيدات التي تواجهها المسيرة النضالية الفلسطينية من أجل اقامة دولة فلسطينية مستقلة في الاراضي التي احتلتها اسرائيل عام 1967 (الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة)، وعلى ضوء مواصلة الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة بشكل محموم عملية توسيع المستوطنات ومضاعفتها، خاصة في الضفة الغربية، بما يجعل المناطق الفلسطينية المأهولة في الضفة جزراً محاصرة بالمستوطنات وطرقها الالتفافية وبجيش الاحتلال الحارس لها والمدافع عنها، عاد بقوة حديث - لم يتوقف تماماً في الماضي- عن خيار العمل من أجل اقامة دولة موحدة في كل المساحة الممتدة من البحر الابيض المتوسط غرباً الى نهر الاردن وامتداداته الغورية شرقاً، ومن اصبع الجليل شمالاً الى خليج العقبة جنوباً، اي في حدود فلسطين التي كانت قائمة قبل العام 1948.
ويساق أحياناً نموذج جمهورية جنوب افريقيا بعد زوال نظام الفصل العنصري (الابارتهايد) في دستور العام 1993 المؤقت، ثم دستور العام 1999 الدائم، الذي يعطي لكل مواطن في البلد، من حيث المبدأ، حقوقاً متساوية مع الآخرين، بغض النظر عن الأصل واللغة والاثنية والدين ولون البشرة، بحيث تتعايش الأقلية البيضاء، التي حكمت البلد بقوة السلاح وقوانين التمييز العنصري عملياً منذ تشكّله الرسمي ككيان سياسي في مطلع القرن الماضي (تشكّل اتحاد جنوب افريقيا في اطار الكومنولث البريطاني في العام 1910، واستقل البلد نهائياً عن بريطانيا في العام 1961)، تتعايش هذه المجموعة البيضاء مع الأكثرية السوداء وسائر الاثنيات(الآسيويين، "الملونين"،...) على أساس نظام " الصوت الواحد للفرد الواحد"، الذي طبّق في انتخابات العامين 1994 و1999 الأخيرة.
وتم التطرق الى هذا "الخيار الآخر" في الموضوع الفلسطيني، في الآونة الأخيرة، في عدد من المقالات والمؤتمرات والندوات، التي جرى بعضها في فلسطين وبعضها الآخر خارجها. وقد اتيح لي الاطلاع على بعضها أو الاستماع اليها، ولم اتمكن، للأسف، من الاطلاع على بعضها الآخر، بما في ذلك مداخلات جرت في ندوة عقدت في مدينة رام الله، منذ فترة وجيزة، وغطتها الصحافة المحلية بطبيعة الحال بشكل مقتضب، لا يكفي، بالتأكيد، لأخذ فكرة واضحة ومعمقة عن كل وجهة نظر عرضت في هذه الندوة. وهناك، كما هو معروف، كتّاب ومفكرون يتبنون هذه الفكرة منذ فترة ليست قصيرة، ومنهم المثقف الفلسطيني والعالمي البارز ادوارد سعيد.
الدولة الموحدة اطار للحل الجذري للصراع بجوانبه المختلفة
ولا بد من القول، في البداية، أن صيغة دولة موحدة على أساس المساواة الكاملة في الحقوق هي الصيغة المثلى لحل جذري للمعضلة الراهنة وللصراع الفلسطيني- الاسرائيلي، الناجم، بالأساس، عن مجيء أعداد كبيرة من المهاجرين اليهود من انحاء العالم الى فلسطين في سياق المشروع الاستيطاني الاستعماري الصهيوني، مما نتج عنه الحاق الاذى بحياة وحقوق ومواطنة ووجود أهل البلد الأصليين على أرضهم.
ففي اطار حل جذري كهذا فقط، يمكن حل قضية اللاجئين الفلسطينيين بشكل كامل، من خلال احترام حقهم في العودة الى وطنهم وديارهم. كما يمكن حل معضلة "الأقلية" العربية الفلسطينية في اسرائيل، والتي لحق بها الغبن أيضاً بأشكال اخرى، من بينها التهجير الداخلي من الارض والقرى الأصلية، لكن أهم مصدر للغبن بحقها هو رفض الدولة والمؤسسة الصهيونية الاعتراف بهوية هذه "الأقلية" الوطنية، باعتبارها جزء من الشعب الفلسطيني، لا بل العمل على تبديد هذه الهوية الوطنية من خلال التعامل معها ككتل طائفية واثنية وجغرافية غير موحدة وغير متجانسة وغير خاضعة لنفس المعايير في المعاملة الرسمية ( يجري الحديث عن ... مسلمين، مسيحيين، دروز، بدو، شركس،...). وفي المحصلة النهائية، لا تتمتع هذه "الأقلية" بحقوق المواطنة الكاملة، وتعاني من أشكال متعددة من التمييز السلبي. وبما ان الدولة الصهيونية التي أقيمت في العام 1948، والتي يحمل "العرب" فيها كأمر واقع جواز سفرها، تصف نفسها بأنها يهودية، فمن الواضح أن غير اليهود من السكان يجدون أنفسهم، تلقائيا،ً في موقع أدنى، ومنقوصي الحقوق، في الوطن الذي عاشوا هم وأسلافهم فيه منذ قرون طويلة.
ولكن، خلافاً للوضع في جنوب افريقيا، هناك في فلسطين تجمعان بشريان يحمل كل منهما سمات "ثقافية" واضحة ومتميزة عن الآخر. وتعبير "ثقافية" هنا مستخدم بمفهومه الأوسع، بما يشمل الصفات والخصائص القومية والحضارية... وان كان الأمر هنا يحتمل الكثير من الجدل والاجتهاد، من الزاوية النظرية على الأقل.
فالعرب الفلسطينيون ينتمون الى الثقافة العربية- الاسلامية ( حتى غير المسلمين منهم) والى المساحة القومية العربية. وهم ليسوا قومية بحد ذاتهم، بل جزء من قومية أوسع، وان كانوا قد تمكنوا من ابراز انفسهم، على تنوع أماكن تواجدهم وتشتتهم في انحاء منطقتنا وفي العالم، كشعب واحد متماسك الى حد كبير، بحكم شعوره الجماعي بالغبن والظلم التاريخي بحقه، وبحكم تطلعه الى هدف مشترك هو اعادة الاعتبار لوجوده وحقوقه الوطنية. فنحن، اذاً، امام حالة نادرة من التماسك لشعب لم تعد تتوفر له الوحدة الجغرافية لمكان التواجد والاقامة والحياة والانتاج.
وبالمقابل، هناك اليهود الاسرائيليون، الذين، رغم تنوع أعراقهم واثنياتهم واماكن نشأتهم وثقافاتهم الأصلية، كما هو حال العديد من المجتمعات المهاجرة في اطار حركات الاستيطان والاستعمار في انحاء العالم (كالولايات المتحدة واستراليا وجنوب افريقيا وغيرها، مع فوارق بين هذه الحالات في ما يتعلق، مثلاً، بمصير السكان الأصليين خلال عملية الاستيطان)، تمكنوا من بعث لغة قديمة كانت عملياً ميتة أو محدودة الاستعمال، وقاموا بتحديثها وجعلها ثقافتهم الموحدة الجديدة، المستندة الى دين مشترك، انطلق منه مؤسسو الحركة الصهيونية السياسية، ومعظمهم من غير المتدينين، لصناعة وترويج أساطير وروايات أعطيت أبعاداً ومضامين تاريخية، وهي في الواقع غير مثبتة في كتب التاريخ المعاصرة الجادة، حتى تلك التي تصدر عن مؤرخين في بلدان تتعاطف نخبها الحاكمة مع اسرائيل، مثل الولايات المتحدة الاميركية.
وبمعزل عن مشكلات الاندماج واستمرار التمييز الداخلي وتعدد الاصول الثقافية في اطار هذا التجمع البشري الناجم عن الهجرة والاستيطان، لا يمكن تجاهل الواقع الذي نشأ عن وجود مجتمع له خصائصه و"ثقافة" جديدة لمجموع المهاجرين المستوطنين ونسلهم. ومعروف انه، في العقد الأخير من القرن الماضي خاصة، اعطي اهتمام متزايد في اسرائيل لمخاطبة المهاجرين من الاتحاد السوفييتي السابق ومن اثيوبيا باللغتين الروسية والأمهرا( اللغة الأكثر انتشاراً لدى الاثيوبيين)، على التوالي، بما في ذلك في وسائل الاعلام الرسمية، كالتلفزيون والاذاعة، علاوة على الصحافة الخاصة، كما وجدت قبل ذلك صحافة بلغات أخرى. ولكن الرهان بقي على أن الأجيال الجديدة التي تنشأ في اسرائيل وتخدم في جيشها الموحد وتستخدم لغتها الواحدة تنتهي الى الانخراط في البوتقة "الثقافية" الاسرائيلية العبرية، وربما حتى تنسى لغات الوالدين والأجداد أو تفقد صلتها بها بشكل تدريجي، كما يحصل في بلدان المهاجرين المستوطنين الأخرى، كالولايات المتحدة.
ويمكن أن يجري جدل طويل حول طبيعة البنية الاجتماعية ومدى تماسكها والتناقضات الداخلية في اطار المجتمع الاسرائيلي الجديد. لكن من الواضح اننا، لشيء من التحديد الضروري، يمكن أن نتحدث عن مجتمع يهودي اسرائيلي في سياق الفكرة الخاصة بالدولة الموحدة. أي ان الدولة الموحدة في اطار الحل الجذري، حين تنشأ، ستتألف، بالأساس، من تشكيلين ثقافيين رئيسين، التشكيل العربي الفلسطيني والتشكيل اليهودي الاسرائيلي- العبري. وهذا ربما ما يجعل بعض المتحدثين عن هذه الفكرة يستخدمون تعبير "دولة ثنائية القومية"، وهو تعبير يسهّل الوصف ربما، لكنه لا يعكس بشكل دقيق تعقيد الواقع الذي أشرنا اليه.
وجدير بالأشارة أن الفكر الصهيوني لا يتحدث عن شعب اسرائيلي كتشكيل قومي، وانما عن "شعب يهودي"، يشمل ليس فقط اليهود الذين هاجروا فعلاً، وانما كذلك كل من ينتمي الى الدين اليهودي في العالم، حتى ولولم يكن متديناً، وهوحال المهاجرين الجدد من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، في غالبيتهم( ومعروف أن بعضهم ليسوا حتى يهوداً، ويأتون الى اسرائيل لأسباب اقتصادية بالأساس، ولكن الرهان عند مستقبليهم هو على تهويد أجيالهم القادمة بفعل العوامل التي أشرنا اليها). وهذه مسألة، أي فكرة وجود "شعب يهودي" التي تقوم عليها الصهيونية السياسية، خلافية حتى في أوساط المواطنين من أصل يهودي في العديد من دول العالم، الذين يعتبرون أنفسهم مواطنين كاملي المواطنة في الدولة التي يحملون جنسيتها ويرفضون فكرة الازدواجية أو مبدأ وجوب الهجرة الى الدولة الصهيونية. ومعروف أن الفكر اليساري (الماركسي) عارض تاريخياً هذه الفكرة، واعتبرها رجعية ومسيئة لمبدأ حل مشكلة التمييز ضد اليهود، حيثما وجد، بالنضال المشترك لكل المناهضين للتمييز والاضطهاد الديني والعنصري والاثني في كل بلد معني، علاوة على معارضة هذا اليسار للحركة الصهيونية لكونها انخرطت في سياق الحركات الاستعمارية - الاستيطانية التي قامت بها دول اوروبا، خاصة، في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ولكونها تحالفت تاريخياً مع قوى امبريالية نافذة ساعدتها في تحقيق وتدعيم مشروعها الاستعماري الاستيطاني.
جنوب أفريقيا... تعددية "ثقافية" واثنية... واحدى عشرة لغة رسمية!
أما في جنوب افريقيا، فالأمر مختلف الى حد كبير. فالسود في البلد، الذين يشكلون قرابة ثلاثة أرباع سكانه، وان كانت اصولهم العرقية متقاربة (بالأساس من تشكيلة البانتو الكبيرة الممتدة في انحاء واسعة من افريقيا الوسطى والجنوبية)، الا انهم ليسوا تشكيلا قومياً- ثقافياً واحداً. فهم يتحدثون عدداً كبيراً من اللغات واللهجات.
وفي الدستور الجديد لجنوب افريقيا، تم اعتماد تسع لغات افريقية سوداء، بالاضافة الى الانكليزية والافريكانز- لغة المهاجرين البيض الذين سبقوا البريطانيين الى البلد، ومعظمهم من الهولنديين والفرنسيين البروتستانت والالمان والبلجيكيين-. أي ان هناك احدى عشرة لغة رسمية في جمهورية جنوب افريقيا وفق دستور ما بعد زوال نظام الفصل العنصري.
والبيض، الذين يشكلون أقل من 13 بالمئة من السكان حالياً، هم بالاساس من كتلتين ثقافيتين رئيستين، هما كتلة الناطقين بلغة الافريكانز، التي بدأت كتحوير للغة الهولندية ثم تطورت كلغة ذات خصائص متميزة استوعبت ايضاً بعض ثقافات المهاجرين الآخرين غير الهولنديين، من جهة، ومن جهة أخرى كتلة الناطقين باللغة الانكليزية، ومعظمهم من المهاجرين في مطالع القرن التاسع عشر.
وجدير بالذكر أن البرتغاليين كانوا أول الاوروبيين الذين اكتشفوا جنوب افريقيا( ودشنوا طريق رأس الرجاء الصالح البحري ... الى الهند)، لكن الهولنديين هم الذين بدأوا حركة الاستيطان في اواسط القرن السابع عشر. ولم تأت بريطانيا كدولة محتلة ومستعمرة الا في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، عندما خاضت حرباً ضروساً ضد ال"افريكانز"، الذين عرفوا، آنذاك، باسم ال"بوويرز"، الى ان تمكنت من احتلال البلد والسيطرة عليه وضمه الى الامبراطورية "التي لا تغيب عنها الشمس"، كما كانوا يسمون الامبراطورية البريطانية، الامبراطورية الاستعمارية الأوسع مساحة وانتشاراً في أنحاء العالم في تلك المرحلة التاريخية، وخاصة بين العام 1815 (عام هزيمة نابليون بونابارت الفرنسي) والعام 1914 ( عام اندلاع الحرب العالمية الاولى، التي آذنت ببداية انحدار نفوذ بريطانيا الكوني وصعود نجم الولايات المتحدة كبديل لها في هذا الموقع).
وجدير بالاشارة أن في جنوب افريقيا أيضاً مجموعات عرقية أخرى منحدرة من أصول آسيوية، من الهند وباكستان وماليزيا وغيرها... (حوالي 3 بالمئة من السكان)، بالأضافة الى عدد غير قليل من "الملونين"، الذين هم نتاج التزاوج بين الأعراق، وخاصة بين السود والبيض. ونسبة من الآسيويين تتكلم أيضاً الانكليزية، التي تحتل كذلك، بحكم الواقع الدولي، مكانة متقدمة في المجالات والنشاطات التجارية في البلد.
نخلص من ذلك كله الى وجود اختلاف ملموس وكبير في تكوين وسمات السكان الأصليين، كما والمهاجرين المستوطنين، في كل من فلسطين التاريخية وجنوب افريقيا. وان كان الاقرار بالنموذج الافريقي الجنوبي، كنموذج متقدم لحل معضلة من نوع المعضلة الفلسطينية- الاسرائيلية، يشكّل خطوة هامة الى الأمام على الأفكار التي تنطلق، عملياً، من الرغبة في اعادة التاريخ الى الوراء. والعودة الى الوراء أمر غير ممكن، طبعاً. ومجرد طرحها كرؤية استراتيجية لا يساعد على اشتقاق سياسة نضال عملية وناجحة من أجل الوصول الى الهدف المنشود. وكل ذلك بغض النظر لما ستؤول اليه الامور على أرض الواقع حين تتوفر شروط تحقق هذا الهدف.
الحل الجذري لا يكون بالاعتراف بالطوائف الدينية
ولكن، مرة أخرى، من المهم تماماً أن ينظر الى خصائص الصراع الفلسطيني - الاسرائيلي وطبيعة التشكيلين البشريين المتواجهين في اطاره، المجتمع العربي الفلسطيني، من جهة، والمجتمع اليهودي الاسرائيلي المتشكل نتيجة الهجرة والاستيطان، من الجهة الأخرى. فليس مجدياً ولا هو مفيد سياسياً في اطار النضال من أجل تحقيق الهدف التركيز في الحديث، مثلاً، على دولة موحدة يعيش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود في تناغم أو تعايش أو مساواة. فالصيغة، رغم انطلاقها غالباً من استعداد انسانوي للتعامل، في اطارالحل النهائي، مع المجتمع الناجم عن العملية الاستعمارية الاستيطانية، بالرغم من الظلم الكبير الذي ألحقه هذا المجتمع، وقياداته، بالشعب الفلسطيني، الا انها تصبغ على الصراع، وعلى الحل، طابعاً دينياً وطائفياً بحتاً، وهو ما ليس حال الصراع الفعلي، الذي هو صراع شعب مضطهد ومصادرة حقوقه ضد حركة استيطانية استعمارية تسببت بهذا الظلم. ولا تغيّر الراية الدينية التي ترفعها هذه الحركة الاستعمارية واستخدامها للدين (اليهودي) كعنصر موحد للمجتمع المهاجر من حقيقة واقعها هذا.
وحتى الغزوات الصليبية التي شهدتها منطقتنا قبل ثمانية قرون ونيف كانت في الواقع وفي الجوهر حروب نهب لمنطقة المشرق الغنية والأكثر تطوراً من اوروبا، في تلك الحقبة. والدين كان مجرد أداة تحريضية وتعبوية بيد الحكام والامراء ورجال الكنيسة، وان كان بعضهم مقتنع بمركزيةالجانب الديني في هذه العملية، التي هدفت لجر الجماهير الاوروبية الجائعة والبائسة والمأزومة في هذه المغامرة الدموية، بهدف التنفيس عن الاحتقانات وتصدير المشكلات الداخلية والاستعصاءات الناجمة عن الفقر والتخلف والحروب الداخلية بين الاقطاعيين والأمراء والملوك في انحاء القارة. وأفضل دليل على كون الدين غطاء لأهداف أخرى سلوكيات الغزوات الصليبية الدموية والمتوحشة في العديد من المناطق التي اجتاحتها، وهي سلوكيات لا تنم عن التخلف والهمجية فحسب، وانما تنم أيضاً عن غياب ضوابط الدين الذي زعمت هذه الغزوات أنها ترفع لواءه.
وعلاوة على ما ذكرناه، فان طرح صيغة الحل على أساس التعايش أو المساواة الدينية - الطائفية لا يساهم في تقدم العملية النضالية من أجل تحقيق هذا الهدف. فاليهود ليسوا طائفة فلسطينية مثلاً، وان كان هناك في الماضي يهود فلسطينيون عاشوا في فلسطين منذ زمن بعيد، كما عاش مواطنون يهود في العديد من الاقطار العربية المجاورة، وحصلت حتى حالات تزاوج بينهم وبين الفلسطينيين، المسلمين والمسيحيين على حد سواء (وهناك حالات معروفة لمناضلين فلسطينيين في صفوف الثورة الفلسطينية المعاصرة هم أبناء أمهات يهوديات، في الغالب من فلسطين نفسها، وبعض هؤلاء شاركوا في عمليات فدائية واودعوا سجون الاحتلال ). لكن الهجرة اليهودية الواسعة من بلدان العالم المختلفة، خاصة منذ مطلع القرن العشرين، ومن ثم قيام دولة اسرائيل دمجا اليهود المحليين (واولئك المهاجرين من دول عربية)، كما سبق وأشرنا، في اطار المجتمع الاسرائيلي، العبري الثقافة. وغالباً ما كانت السمات الأصلية تختفي أو تضعف مع تلاحق الاجيال. بحيث أصبح الآن صعباً الحديث عن يهود فلسطينيين، كما نتحدث مثلاً عن سامريين فلسطينيين. كما أن هذه الصيغة، أي الحديث عن مساواة أو تعايش بين المسلمين والمسيحيين واليهود، تقفز فوق واقع كون الفلسطينيين المسيحيين عرباً، قومية وثقافة، وجزء من المجتمع والشعب العربي الفلسطيني.
وفي كل الأحوال، نحن لسنا بصدد التنبؤ، من الآن، بما ستؤول اليه الامور عندما يصبح ممكناً تطبيق الحل الجنوب افريقي، أو أي حل شبيه او مطوّر عنه، في مساحة فلسطين التاريخية. ولكن المعطيات الحالية تجعل الحديث الأدق يتناول التشكيلين "الثقافيين" اللذين تحدثنا عنهما، أي التشكيل العربي الفلسطيني والتشكيل اليهودي الاسرائيلي، أو العبري.
أي أفق للدولة الموحدة؟!
لكن هنا نأتي الى السؤال الأهم في هذا السياق: هل هناك أي احتمال بأن يتحقق حل كهذا في أي أمد قريب؟
والجواب يفرض نفسه: موازين القوى الحالية في ساحة الصراع ومحيطها وفي العالم، علاوة على الموقف الساحق في المجتمع اليهودي الاسرائيلي، لا تسمح بأن يتحقق حل كهذا في أمد مرئي. فكل الفكرة الصهيونية تنطلق من مبدأ قيام "دولة يهودية" (وهو عنوان الكتاب الشهير لمؤسس الحركة الصهيونية السياسية، تيودور هرتسل).
والموقف من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 لدى اليمين الاسرائيلي يقوم على أساس ضم الأرض وليس السكان، وعملياً، وأحياناً علناً، هناك رغبة واضحة وأعمال ملموسة تستند الى هذه الرغبة في التخلص من السكان الفلسطينيين، اما عبر ترحيلهم (فكرة ال"ترانسفير") القسري، الذي أصبح امراً مرفوضاً ومداناً في عصرنا، أو دفعهم الى الهجرة نتيجة الظروف المعيشية الصعبة والمضايقات والاضطهاد المتواصل. وكان "اليسار" الصهيوني - حزب العمل، وسلفه حزب ماباي- يحمل أفكاراً لا تبتعد كثيراً في الجوهر عن هذه الفكرة اليمينية. لكن الفروقات بين التيارين، في تعبيراتهما الأوضح، تزايدت مع تنامي دور وفعالية الحركة الوطنية الفلسطينية في العقود الثلاثة أو الأربعة الأخيرة. بحيث تشكّل في اطار "يسار" الحركة الصهيونية دعاة الانفصال عن الشعب الفلسطيني، عبر التخلي عن بعض الاراضي المحتلة، تحديداً لمنع تحول اسرائيل الى دولة "ثنائية القومية" أو تحوّل اليهود الى أقلية بشرية حتى في ظل احتكارهم للسلطة. (ولا نتحدث هنا عن مواقف الأقلية المعارضة للصهيونية التي اتخذت مواقف مناهضة للاحتلال وللغبن التاريخي الذي لحق بالشعب الفلسطيني منذ سنوات طويلة).
ومن الواضح، اذاً، أن التجربة الاستيطانية الاميركية الشمالية، أي الاحتلال عبر ابادة السكان الأصليين، لم تعد قابلة للتكرار في عصر الاتصالات والوعي الانساني الجماعي المتزايد. وجدير بالتنويه في هذا الصدد ما جاء على لسان أحد كبار العسكريين الاسرائيليين في السنة الأولى من الانتفاضة الكبرى السابقة، وفي العام 1988 تحديداً، حيث قال ما معناه بانه لو وجد التلفزيون في العام 1948 لما قامت دولة اسرائيل!! وهو قول معبر جداً عن مأزق المشروع الاستيطاني التوسعي الصهيوني في أواخر القرن العشرين، مع صعود وتنامي دور حركة الشعب الفلسطيني الوطنية، واتساع التعاطف العالمي الشعبي معها، ومع انتشار مبادىء التحرر والمساواة بين الشعوب، وعلى ضوء التعميم الهائل لوسائل الاعلام والاتصال السريعة في ارجاء العالم.
وطالما أن يمين الحركة الصهيونية و"يسار"ها يلتقيان على فكرة "يهودية" الدولة، وهي الفكرة المركزية في الايديولوجية الصهيونية، وفي ظل استمرار وتفاقم المعطيات الاقليمية والعالمية التي أشرنا اليها أعلاه، يبدو جلياً أن قيام دولة ديمقراطية موحدة على امتداد المساحة بين النهر والبحر مستبعدة التحقيق تماماً في أي مدى منظور، وان كانت، من حيث المبدأ وكمشروع أطول مدى، تطلعاً مشروعاً لكل من يبحث عن حل جذري ودائم فعلاً للصراع الجاري. وعند الاقتراب من حل كهذا، يمكن التفكير بصيغ عملية متعددة تحترم حقوق الجميع وخصائصهم، بعد أن يزال أولاً الغبن اللاحق بالشعب الفلسطيني. ولدينا في عالمنا المعاصر نماذج غير قليلة يمكن أن تساعد في تصور مثل هذه الصيغ ( يمكن الحديث عنها في مجال آخر).
وهكذا، رغم الصعوبات الكبيرة التي واجهت النضال الفلسطيني من أجل قيام دولة فلسطينية مستقلة فوق الاراضي المحتلة عام 1967، وهو هدف نضالي تبلور في اطار الثورة الفلسطينية المعاصرة منذ مطلع سبعينيات القرن العشرين، وتم اقراره كهدف مركزي للنضال عبر عدة محطات تشريعية في اطار المجلس الوطني الفلسطيني منذ العام 1974 وحتى العام 1988، عام اقرار "اعلان الاستقلال"، الا ان تطورات السنوات الأخيرة، على تعرجاتها وتقلباتها ومآسيها، تؤكد أن هذا الهدف يبقى هدفاً قابلاً للتحقيق في أمد منظور، حتى في ظل الاختلال في موازين القوى المادية الحالية في اطار الصراع الفلسطيني والعربي - الاسرائيلي وانكسار التوازن الدولي اثر تفكك وانهيار الاتحاد السوفييتي واستئثار الولايات المتحدة، حليفة اسرائيل القوية، بالنفوذ الكوني العسكري - الاستراتيجي المدعوم بنفوذ اقتصادي قوي، وأخيراً احتلال العراق والتواجد العسكري الاميركي الكثيف فيه وفي بعض بلدان الخليج الأخرى. ويمكن التطرق لاحقاً لآليات التعويض عن الخلل في موازين القوى المادية بموازين قوى وعوامل من طبيعة أخرى، أحسنت استعمالها واستنهاضها العديد من ثورات التحرر الوطني في القرن المنصرم.
ويكفي أن نتحدث عن اقرار دول العالم كلها حالياً بمبدأ الاستقلال الفلسطيني، واقرار الغالبية الساحقة من هذه الدول بالمفهوم الفلسطيني لهذا الاستقلال، مع بقاء الموقف الاميركي وحده غامضاً في هذا الصدد، الى جانب الموقف الاسرائيلي الرسمي، الذي يفهم هذا المبدأ حتى الآن بصيغة هي أقرب لصيغة ال"بانتوستانات" التي أقامها النظام العنصري في جنوب افريقيا في اواخر السبعينيات واوائل الثمانينيات الماضية.
ومعروف أن نظام التمييز العنصري هناك أقام اربع"دول" سوداء داخل مساحة جنوب افريقيا (ترانسكاي، وبوفوثاتوانا، وفندا، وسيسكاي)، ولكنها لم تلق اعتراف اية دولة من دول العالم، وعادت كلها، بعد انهيارالنظام العنصري في التسعينيات، لتصبح جزء من جمهورية جنوب افريقيا الموحدة. ولن يكون مصير المشاريع والتصورات الشارونية المشابهة بأفضل من مصير هذه "البانتوستانات".
رام الله - فلسطين
أواسط تموز/يوليو
2003