تجارب حركات التحرر المعاصرة تقدم"خرائط طرق"
أكثر جدية ووضوحاً!
داود تلحمي
لا يبدي عدد كبير من المحللين الجادين المتابعين لقضايا منطقتنا والصراع الفلسطيني- الاسرائيلي، أو الأصح الصراع الفلسطيني التحرري الهادف الى التخلص من الاحتلال الأسرائيلي، لا يبدون تفاؤلاً بمستقبل " خارطة الطريق" وقدرة هذه الخطة المعدة (نظرياً) من قبل الأطراف الأربعة، الولايات المتحدة وأمانة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا الاتحادية، على تجاوز حاجز المرحلة الأولى من هذه الخطة، ذات المراحل الثلاث. والبعض حتى يتوقع أن تلحق "خارطة الطريق" سريعاً بسابقاتها، تقرير لجنة ميتشل وورقة عمل تينيت وتوصيات الجنرال زيني، التي رأت النور خلال هذه السنوات الثلاث (تقريبا)ً من عمر الانتفاضة الفلسطينية الكبرى الثانية.
نقول "نظرياً" بشأن دور اللجنة الرباعية في اعداد الخطة لأنه بات واضحاً ان القلم الرئيسي في صياغة الخطة هو القلم الاميركي، والأهم من ذلك هو حضور الرقابات والحسابات الاسرائيلية ابان الصياغة، مما جعل البعض، حتى من الاميركيين اليهود الليبراليين الناقدين للخطة، يتحدث عن صياغة اميركية- اسرائيلية.
وقد يبدو ذلك متناقضاً مع تسجيل الحكومة الاسرائيلية رزمة من التحفظات، قيل في البدء انها مئة ونيّف، ثم اختزلت باربعة عشر تحفظاً. ولكن هذا التناقض ظاهري فقط وناجم طبعاً عن تبعات اشراك أطراف دولية ثلاثة أخرى غير واشنطن في الصياغة، من بينها الطرف الاوروبي، الذي أبدى بعض مكوناته، وبريطانيا في المقدمة نظراً لتورطها كحليف رئيسي لواشنطن في عملية احتلال العراق، حرصاً شديداً على تقديم ترضية للجانب العربي بعد "الفعلة" العراقية. علاوة على أن الجانب العربي الرسمي، على ضعفه وتفككه، كان مهتماً أيضاً بخروج هذه المبادرة الجديدة الى العلن، بما يساهم في تنفيس الاحتقان الشعبي في المنطقة، بفعل الممارسات الاسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة والحرب الاميركية- البريطانية على العراق، التي جرت، كما هو معروف، بدون غطاء دولي شرعي وبوجود معارضة شعبية واسعة حتى في غالبية دول الغرب، الحليفة تقليدياً مع واشنطن.
ثغرات كثيرة في"الخارطة"
ولكن السؤال يبقى مطروحاً: هل هناك أفق للخروج من هذا النفق، الذي يبدو، حالياً، مغلقاً تماماً، أي غير قابل للوصول حتى الى الهدف الذي حددته "الخارطة"، وهو قيام دولة فلسطينية ديمقراطية مستقلة الى جانب دولة اسرائيل في نهاية العملية المفترضة في العام 2005؟
من السهل الاشارة الى النقائص والثغرات الكثيرة في "الخارطة" التي تجعل هذا الطريق، في أحسن الأحوال، مزروعاً بالألغام ومحاطاً بضباب كثيف. وقد قام بذلك العديد من المحللين. ونكتفي بالاشارة الى بعض أهم ثغرات واشكالات "الخارطة":
* الخطة كلها مبنية "على أساس الاداء"، أي ان التقدم في الخطة وقف على تقدير اداء الطرفين المعنيين، وخاصة الطرف الفلسطيني، الذي تنطلق الخطة أساساً ليس من كونه الطرف المغبون في الصراع نتيجة الاحتلال الذي تعرضت له أرضه والظلم الذي لحق به، بل من كونه الطرف المتهم بالعنف و"الارهاب" والمطالب بوقفهما وضمان أمن الطرف الآخر! وبما ان تقدير الأداء يتم من قبل اللجنة الرباعية بالاجماع، فمن الواضح ان الولايات المتحدة تحتفظ بالكلمة الأخيرة وحق الفيتو على آراء الأطراف الأخرى. وجلي أن الولايات المتحدة بادارتها الحالية شديدة الحرص على حماية الموقف والمصالح الاسرائيلية. ويكفي أن تقول اسرائيل ان الفلسطينيين لم يفوا بالتزاماتهم لكي تتوقف الخطة عند هذا الحد. الا اذا حصل انقلاب في العلاقات الاميركية - الاسرائيلية يسمح بممارسة ضغط اميركي على اسرائيل، وهو أمر لا يبدو وارداً حالياً على الاطلاق. وقد اتضح ذلك بشكل فاقع اثر لقاء اريئيل شارون مع الرئيس الاميركي جورج بوش في واشنطن يوم 29/7 وتصريحاتهما في المؤتمر الصحافي الختامي للقاء حيث أكد شارون مواصلة بناء الجدار دون أن يبدي بوش اعتراضاً واضحاً على ذلك، كما تجاهل بالكامل مسألة تجميد البناء في المستوطنات، بل قام بور عودته من رحلته باقرار توسيع مستوطنات جديدة في قطاع غزة. وتبين أن عدد النقاط الاستيطانية المفترض ازالتها يزداد بدل أن ينقص، وفق معلومات قوى السلام الاسرائيلية.
المرحلة الاولى من الخطة، التي كان من المفترض أن تكون منجزة بين أواخر العام الماضي وشهر أيار/ مايو من العام الحالي، تركّز بالأساس على انهاء العنف و"الارهاب"، أي انهاء كل أشكال المواجهة للاحتلال، الى جانب جملة من الاجراءات الداخلية الفلسطينية التي تنطلق من مقولة الاصلاح ولكنها في الواقع تسعى الى انقلاب داخلي فلسطيني وتغيير في القيادة والنهج السياسي، مقابل انسحاب اسرائيلي تدريجي، ومرتبط ب"الانجاز" الفلسطيني، الى مواقع 28/9/2000 وبعض التسهيلات الاسرائيلية للمواطنين الفلسطينيين. كل ذلك دون أي التزام اسرائيلي بانهاء الاحتلال بالكامل، أي العودة الى خطوط الرابع من حزيران/ يونيو 1967، كما كانت تنص عادة مشاريع الحلول في حالات استعمارية شبيهة (ناميبيا1988-1990، تيمور الشرقية 1999-2002).
في الواقع، ورغم الاشارة في مقدمة "الخارطة" الى قرارات الامم المتحدة ومجلس الامن رقم 242 و 338 و1397 والاتفاقيات السابقة والمبادرة السعودية التي تبنتها القمة العربية في بيروت (مع تركيز فقط على كون هذه المبادرة تدعو الى التطبيع العربي اللاحق مع اسرائيل)، الا ان مفاوضات "الوضع الدائم" في المرحلة الثالثة من الخطة لا تشير الى القرار العربي وتكتفي بالحديث عن انهاء الاحتلال الذي بدأ في العام 1967، دون الاشارة الى ماهية الاراضي المحتلة التي ينبغي أن تنسحب اسرائيل منها بحيث تعود الى ما وراء حدود 4/6/1967، وهو ما يترك مجالاً واسعاً للمناورة لدى الجانب الاسرائيلي للقول، كما حدث مراراً في الماضي، أنه طبّق القرار 242 بالانسحاب من "أراض" عربية، وليس بالضرورة فلسطينية، محتلة.
طبعاً، لا اشارة في الخطة كلها الى الاساس الدولي لحل قضية اللاجئين، أي القرار 194 للعام 1948، ويكتفى بالحديث عن حل "متفق عليه وعادل ومنصف وواقعي" لمسألة اللاجئين، وهو ما يعني بوضوح جعل الأمر متروكاً للاتفاق مع اسرائيل، أي عملياً بدون الاعتراف حتى بمبدأ حق العودة كما يحدده القرار 194. ومعروف أن شارون حاول فرض التخلي عن حق العودة كشرط مسبق لأية مفاوضات، لكن بعض أطراف اللجنة الرباعية اعتبر هذا المطلب وصفة لافشال المفاوضات قبل بدئها.
والأمر نفسه ينطبق على قضية القدس، التي لا يشار الى انها محتلة بل تعتبر موضع تنازع، ذي صبغة دينية بالأساس، حيث يجري الحديث عن "حل متفاوض عليه" يأخذ بالحسبان "الاعتبارات السياسية والدينية" للطرفين ويحمي "المصالح الدينية لليهود والمسيحيين والمسلمين في العالم". أما كيف يترجم ذلك بالنسبة للجانب الفلسطيني، فواضح انه متروك "لكرم" الأطراف الأخرى، بدء بالطرف الاسرائيلي، المعروف موقفه من المسألة.
في موضوع الاستيطان، ليست هناك اية اشارة الى ازالة المستوطنات وعدم شرعيتها، حتى في اطار "الحل الدائم". فهناك في المرحلة الاولى من الخطة ازالة "للبؤر" الاستيطانية التي أقيمت بعد آذار/مارس2001، وقد فسّرها اريئيل شارون، رئيس حكومة اسرائيل، في مؤتمر العقبة، بحضور الرئيس الاميركي جورج بوش، على انها البؤر التي لم تقر اقامتها الحكومة الاسرائيلية. وقد رحّب الرئيس الاميركي بعد ذلك بمهزلة ازالة بعض الكرافانات... التي يسهل نقلها واعادة تمركزها. أما التجميد المطلوب للنشاطات الاستيطانية (وفقاً لتقرير ميتشل) في نهاية المرحلة الأولى من "الخارطة"، فلننتظر ونر اذا ما كان شارون، الأب الروحي للاستيطان المنهجي الواسع منذ أواخر السبعينيات الماضية، سيقدم على خطوة كهذه، ستقود بالضرورة الى تمرد حلفائه من اليمين المتطرف من جماعة ليبرمان وحزب همفدال الديني القومي وحتى عدد من رموز حزبه، الليكود. وربما، مرة أخرى، وكما فعل مع الأوراق والمشاريع الماضية، سيجعل شارون الأمر غير وارد عملياً ، لأن المسيرة ستتعرقل قبل ذلك. وهو حاوٍ مجرب على هذا الصعيد، ولديه أكثر من أرنب في قبعته يستطيع أن يخرجه في الوقت المناسب.
ويشير بعض المحللين الى أن الجانب الاسرائيلي، الذي يهمه من الموضوع كله وقف الانتفاضة الفلسطينية والزام السلطة الفلسطينية بمنع العمليات العنيفة وحتى التحريض ضد اسرائيل، سيفقد الدافعية بعد ذلك لمواصلة تطبيق مراحل "الخارطة". هذا، مع ان المرحلة الثانية، مرحلة "الدولة الفلسطينية المستقلة ذات الحدود المؤقتة"، وهو حيوان غير مألوف في الواقع السياسي العالمي، تلتقي مع أفكار شارون بشأن "الحلول المرحلية طويلة الأمد"، أي التمديد المفتوح لصيغة الحكم الذاتي على جزء من الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 لا تتجاوز مساحته نصف مساحة الضفة الغربية وقطاع غزة. وبما ان المواعيد غير مقدسة، وقد بدأت العملية ذاتها بخرق الموعد الأول، فيمكن أن يجرجر الاسرائيليون المرحلة الثانية سنوات طويلة، وهو ما يبدو أن شارون ينوي فعله وفق ما نقل عنه في أحاديث داخلية أشارت اليها الصحافة الاسرائيلية. وهكذا تكون تجربة اوسلو قد تكررت وتمددت، مما يؤكد المخاوف الفلسطينية من الغموض المشابه في العمليتين تجاه الصورة النهائية من جهة وتجاه المواعيد من جهة أخرى. ولا يغير من الأمر الاشارة في "الخارطة" الى العام 2005 كموعد لانجاز مفاوضات "الوضع الدائم"، حيث لا قيمة عملية لتحديد كهذا، الا اذا افترضنا وجود امكانية لممارسة ضغط فعّال على الطرف الذي يعيق الحل المتوازن. وقد عكس تصريح وزير الخارجية الاميركي كولن باول حول صعوبة الوصول الى حل دائم في العام 2005 هذه الحقيقة التي يدركها شارون تماماً، مسترشداً بالاستحقاق السابق الذي تبخّر، استحقاق 4/5/1999.
وهنا نأتي الى بيت القصيد، كما يقال. فهل ستمارس الولايات المتحدة أي ضغط على اسرائيل لدفعها لتنفيذ قرارات الشرعية الدولية المشار اليها، أو حتى عدم اعاقة عملية تطبيق "الخارطة"؟ والجواب واضح من الآن، ولا يحتاج الى اجتهاد كبير. فهذه الادارة الاميركية، الملتقية مع اليمين الاسرائيلي ايديولوجياً، لن تغضب أو تزعج اسرائيل، تحديدأ في العام الانتخابي 2004، الذي تريد فيه أن تقطف ثمار هذه الصداقة الاستثنائية بين ادارة جمهورية اميركية وحكومة يمين متطرف اسرائيلية. وهو ما يطمئن شارون وحلفاءه من اليمين الأكثر تطرفاً في حكومته، الذين لا يبدو عليهم، حتى الآن، أنهم يفكرون بمغادرة الائتلاف الحاكم قريباً. أما تأثير الاطراف الثلاثة الأخرى في اللجنة الرباعية، فيعطّله مبدأ الاجماع المنصوص عليه في "الخارطة"... وان كان وجود هذه الاطراف الثلاثة، من حيث المبدأ، خطوة معنوية صغيرة الى الأمام يمكن أن تفتح مستقبلاً، وفي ظل شروط معينة، على تجاوز للتفرد الأميركي في الاشراف على العملية. أما الآن، فان الجانب الاسرائيلي عازم على تجاهل وجود هذه الأطراف الثلاثة وتهميشه الى أبعد الحدود، والاعتماد على التواطؤ الاميركي المضمون في القضايا الجوهرية بالنسبة لاسرائيل، على الأقل.
وهنا لا بد من الاشارة الى التحفظات الاسرائيلية الشهيرة، الاربعة عشر، التي لقيت تفهماً اميركياً وتعهداً بأخذها بعين الاعتبار عند التطبيق. وهي تحفظات، اذا ما أخذ بها، تجعل الخطة عملياً خطة اسرائيلية، يمكن تلخيصها بما ذهب اليه بعض المسؤولين والمعلقين الاسرائيليين من أنها عملياً اعلان انتهاء الانتفاضة، وهو كل ما يهم حكّام اسرائيل من هذه الخطة.
تجاهلت "خارطة الطريق" تجاهلاً تاماً قضية الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين ولم يرد أي ذكر لضرورة اطلاق سراحهم. وان كان حصل بعض التدارك المحدود في الممارسة اللاحقة بسبب من الضغط الكبير الذي مارسه الأسرى أنفسهم عبر اضراباتهم ومذكراتهم وعبر تحركات عائلاتهم والشارع الفلسطيني بشكل عام، لكن الافراجات الاسرائيلية بقيت رمزية وانتقائية، وقابلتها حملات اعتقال مستمرة يومياً جعلت، عملياً، الافراجات المحدودة دون معنى.
اذًا، نحن أمام مشروع جديد لا يستند بوضوح الى مرجعية قرارات الشرعية الدولية، بل يسعى الى الحلول مكانها كمرجعية، وبالتالي كسقف للمطالب الفلسطينية، تسعى اسرائيل باستمرار الى مزيد من تخفيضه. كما لا يتضمن آليات واضحة وملزمة ومجدولة زمنياً بشكل صارم لتطبيق مراحله، ولا توجد نوايا لدى الطرف الرئيس في اللجنة الرباعية المشرفة، الادارة الاميركية، لممارسة ضغوط كافية على الطرف الاسرائيلي لارغامه على الالتزام ليس بقرارات الشرعية الدولية، وهو ما ليس وارداً بشكل حازم في الخطة، وانما بمضمون والتزامات "الخارطة" نفسها. مما يجعل احتمال التوقف عند اواخر المرحلة الأولى أو بدايات الثانية أمراً مرجحاً. الاّ اذا نشأت ظروف جديدة تماماً، غيّرت المعطيات داخل اسرائيل وعلى الصعيد الاقليمي خاصة، كما على صعيد الوضع الدولي. وهو أمر لا يمكن استبعاده تماماً، مع انه ليس مرئياً الآن.
نموذجان مهمان: ناميبيا(1988-1990) وتيمور الشرقية(1999-2002)
اما كيف يمكن ل"خارطة طريق" أخرى أن تقود الى تسوية متوازنة تلبي الحد الأدنى من الحقوق الوطنية الفلسطينية، فذلك أمر افتراضي، يمكن أن تفيدنا فيه تجارب التحرر الحديثة في العالم، وقد أشرنا الى اثنتين منها، تجربة ناميبيا وتجربة تيمور الشرقية.
ففي ناميبيا، تقرر في العام 1988 أن يجري تطبيق قرار مجلس الأمن 435 للعام 1978 بانسحاب قوات جنوب افريقيا المحتلة من ناميبيا وحلول قوات دولية مكانها، والسماح بعودة كل اللاجئين والمنفيين الى البلاد، ثم تنظيم استفتاء شعبي عام حول خيار السكان بشأن مصير البلد، ومن ثم انتخاب جمعية تأسيسية لوضع دستور للبلد، بعد أن أقر الاستفتاء مبدأ الاستقلال، ثم انتخاب رئيس للبلد واعلان الاستقلال، بعد مضي أكثر من سبعين عاماً من سيطرة نظام جنوب افريقيا الأبيض على هذا البلد، الغني باليورانيوم والذهب والنحاس، والقليل السكان(حوالي المليوني نسمة). وقد تمت كل هذه الخطوات في أقل من عامين(1988-1990)، بعد أن قررت قيادة النظام الأبيض في جنوب افريقيا مبدأ التخلي عن استعمارها للبلد، اثر حرب تحرير دامت أكثر من عشرين عاماً، ودعمتها دول أفريقيا المجاورة، كما دعمتها، من خلال تواجدها في أنغولا بعد استقلالها عام 1975، بطلب من حكومة أنغولا الشرعية، قوات جمهورية كوبا، التي تطوعت للدفاع عن النظام التقدمي الشرعي في انغولا في مواجهة اعتداءات نظام جنوب افريقيا العنصري ومختلف التدخلات الخارجية وامتداداتها الداخلية.
أما في تيمور الشرقية، التي كانت لفترة طويلة مستعمرة برتغالية وأعلنت استقلالها في العام 1975 بعد انهيار النظام الفاشي في البرتغال وخروج القوات البرتغالية من المستعمرات، ثم تعرضت بعد ذلك بأيام قليلة لاحتلال جديد من قبل القوات الاندونيسية ( علماً بأن غرب جزيرة تيمور جزء من اندونيسيا)، وذلك بتشجيع من الادارة الاميركية آنذاك، ادارة جيرالد فورد- هنري كيسنجر، وفق ما كشفته الوثائق الرسمية الاميركية التي أفرج عنها مؤخراً، حيث كانت هذه الادارة تعتبر حركة تحرر تيمور الشرقية(فريتيلين) ذات صبغة يسارية "شيوعية" في حين كان نظام سوهارتو الاندونيسي حليفاً قمعياً وفياً للولايات المتحدة، التي نصّبته على سدة الحكم في البلد بعد الانقلاب الدموي الرهيب في أواسط الستينيات. وقد قامت بعد ذلك قوات اندونيسيا، خلال عقدين ونيّف من الاحتلال، بمجازر راح ضحيتها حوالي مائتي ألف مواطن تيموري شرقي، أي حوالي ربع السكان، الى أن انهار نظام سوهارتو في التسعينيات الماضية، بعد الأزمة الاقتصادية الشهيرة في جنوب شرق آسيا، فانفتح من جديد باب تقرير المصير أمام شعب تيمور الشرقية، وقامت منظمة الأمم المتحدة بتنظيم استفتاء شعبي في اواسط العام 1999، أقرت فيه الغالبية الكبرى من السكان استقلال البلد، فتم، رغم المجازر الجديدة التي قام بها أنصار النظام الاندونيسي وعملاء جيشه، اجراء انتخابات في أواسط العام 2001، وأعلن استقلال البلد يوم 20/5/2002.
وفي وضعنا الفلسطيني، ورغم التقدم (اللفظي حتى الآن) الذي حصل في المواقف المعلنة من قبل الولايات المتحدة واسرائيل بشأن الدولة الفلسطينية المستقلة، ورغم الحديث عن ازالة وانهاء الاحتلال الذي جرى منذ العام 1967، الا ان كلا الطرفين، الاميركي والاسرائيلي، لم يحددا ما هي بالضبط الأراضي المحتلة التي ينبغي انهاء الاحتلال فيها واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة عليها. وتركا الكثير من القضايا غامضة وموضع تنازع وتفاوض، في ظل اختلال في الموازين الدولية والاقليمية وتصميم اميركي - اسرائيلي على مطلب وقف أشكال النضال الفلسطيني بشكل مسبق، مقابل "رؤيا" غير محددة المعالم للرئيس الاميركي تتحدث عن دولتي اسرائيل وفلسطين المتجاورتين، دون حسم العديد من القضايا التي تعيق تحقيق هذه النتيجة، ومن بينها وجود قوات الاحتلال الاسرائيلية، التي لا يجري الحديث في أية مرحلة عن انسحابها الكامل من الأراضي المحتلة، وكذلك موضوع وجود المستوطنات والمستوطنين، حيث لا حديث عن انهاء الوضع الاستيطاني وترحيل المستوطنين، بحيث يبدو الحل في الصيغة المطروحة أقرب الى ما كان يشير اليه رئيس الحكومة الاسرائيلي الأسبق بنيامين نتنياهو(وزير المالية الحالي في حكومة شارون)، أبان ولايته في أواخر التسعينيات، من نماذج شبيهة بوضع بورتوريكو (التي وضعت تحت الوصاية الاميركية، وهي عملياً الآن مستعمرة لواشنطن، وهناك حتى توجه لضمها الى الولايات المتحدة كولاية حادية وخمسين!)، وكذلك وضع أندورا، الدويلة الصغيرة الواقعة بين فرنسا واسبانيا والخاضعة لوصاية الدولتين، أو امارة موناكو الصغيرة، التي تقع على الشاطىء المتوسطي الجنوبي لفرنسا والتي هي نظرياً دولة معترف بها ولها بعض سمات السيادة، لكنها في العديد من الامور مرتبطة بالسيادة والمرجعية الفرنسية.
لكن، رغم ذلك كله، للأمور على الأرض، أحياناً، ديناميكيات تختلف كثيراً عما يخطط له في الغرف المغلقة والمكاتب ودوائر القرار. وفي الحالة الفلسطينية، اذا ما تم الحفاظ على وحدة الشعب وتطويرها من خلال تبني برنامج سياسي مشترك لقواه الفاعلة وتشكيل قيادة وطنية موحدة وتنظيم انتخابات حرة، تشريعية ورئاسية وبلدية ونقابية، وتفادي الوقوع في حبائل الحرب الداخلية التي تدفع باتجاهها اسرائيل وأوساط الادارة الاميركية من خلال الحديث عن ضرب البنى التحتية لما يسمى ب"الارهاب"، ومن خلال ترشيد وتطوير وتنسيق أشكال النضال والتصدي للاحتلال والاستيطان، ومواصلتها طالما لا يقرر المحتلون مبدأ انهاء كليهما، فان الأمور على الأرض لن تسير بالضرورة في الاتجاه الذي يرغب فيه حكام اسرائيل والتيار اليميني المتطرف النافذ في الادارة الاميركية.
ويمكن الاستناد الى هذا التماسك والصمود الفلسطيني، في الوطن وفي أقطار اللجوء والشتات، واعادة تفعيل الدعم العربي الشعبي والرسمي، والاستفادة من الزخم الهائل لحركة مناصرة الشعب الفلسطيني وحقوقه في انحاء العالم، ومن ميل غالبية الاسرائيليين، كما تشير استطلاعات الرأي الأخيرة، الى الاستعداد للتخلي عن الاحتلال والاستيطان، في حال تغيير سياسي داخلي في اسرائيل يعكس هذا المناخ، يمكن الاستناد الى كل ذلك لمواصلة النضال من أجل تغيير الواقع الراهن وتوفير شروط عملية تسوية متوازنة تستند الى قرارات الأمم المتحدة، بدون انتقائية وسوء تفسير، والى اشراف دولي واسع ونزيه، والى اقرار مبدأ التسوية الشاملة التي تعالج كافة جوانب القضية الفلسطينية والصراع العربي-الاسرائيلي، بما يشمل كافة الجبهات العربية المعنية بتحرير أراضيها المحتلة. آنذاك، يمكن أن يقال أن الأفق مفتوح أمام الحل وأمام السلام، الذي يتوق اليه الشعب الفلسطيني أولاً، السلام القائم على الحد الأقصى الممكن من العدالة والتوازن في ظل المعطيات الراهنة.
والتجارب المشار اليها أعلاه في معالجة وحل قضايا التحرر الوطني وحقوق الشعوب في العالم، وغيرها من التجارب الشبيهة، يمكن الاسترشاد بها وبالآليات التي بلورتها للوصول الى انهاء الاحتلال والصراع، ولارساء أسس حل حقيقي وجاد، غير تلك المسكنات المخادعة الكثيرة التي شهدتها ساحة الصراع العربي - الاسرائيلي والنضال التحرري الفلسطيني منذ عقود طويلة، وخاصة منذ العام 1967، والتي استهدفت بالأساس اجهاض النضال الفلسطيني أو امتصاص الاحتقان الناجم عن استمرار الاحتلال والعسف الاسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني وغيره من شعوب المنطقة العربية.
والعامل الذاتي يبقى هو الأساس، أي صمود الشعب وحركته التحررية ووحدتهما واستمرارية نضالهما وفق الأهداف الوطنية المحددة في هذه المرحلة التاريخية. أما العوامل الخارجية، وهي بلا شك مهمة نظراً لاختلال موازين القوى المادية المحلية والاقليمية، فهي عوامل مكملة لا يمكن أن تفعل فعلها الا على أرضية التماسك والصمود السياسي والكفاحي الفلسطيني.
رام الله - فلسطين
أوائل آب- أغسطس 2003